بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لا شك أن قبول الله للإنسان .. هو أمل كل البشر ، ولذلك يعد تسهيل الله لإنسان لرحلة الحج أو العمرة لبيته المقدس والمبارك هو في حد ذاته قبول من الله لهذا الإنسان أن يمنحه فرصة الاقتراب والمغفرة وهو حدث جلل في عمر أي إنسان .. لو كنتم تعلمون .. ؟؟
وما أروع أن تشعر باقترابك من ربك في بيته المحرم ، وما أهول من لحظة وقوع نظرك على بيته الحرام لأول مرة ، فهي لحظة يقشعر لها البدن ويشيب لها رأس ابن آدم ويفقد اتصاله بالكون رغم زحام الآلاف غيره من حوله .
وما أشد على النفس من لحظة الفراق والوداع خاصة لمسجد ومدينة الحبيب بعد زيارته ، فهي مدينة تحتضنك شوارعها وطرقاتها ودروبها وفيها تشعر فيها بألفة وأمان لم تعهده النفس من قبل طوال حياتك قبل الزيارة .
وما بين الوصول والوداع وفي زخم الرحلة تتعلم النفس الكثير وتعيد مراجعة ما تعلمته في الدنيا ومن البشر ، فهناك تختلط النفس بكل أجناس البشر من كل الدنيا ، وترى صورا أخرى مختلفة لأساليب الحياة ونوعيات متفاوتة لطباع البشر وقدراتها وتعاملاتها .
ولا ينكر بشرا أن أهل الحجاز قد تجاوزونا كمصريين في تطور أساليب الحياة خاصة في تعاملهم مع التكنولوجيا والانصياع لقوانين ولوائح التعامل والتداول لشئون حياتهم ، فلا طوابير لاستخراج محرر رسمي أو تسديد فواتير أو الحجز للطيران إنهاء مهمة في مصلحة حكومية فمعظم المهام يمكن إنهاؤها بواسطة المحمول أو الحاسب الشخصي على شبكة المعلومات وأنت في بيتك .
وهناك تكتشف بوضوح لماذا أصبح المسلمون كغثاء السيل ولماذا لا يملكون تأثيرا إيجابيا على الساحة الدولية ، فكلهم رغم اتفاقهم على قدسية المكان والزيارة والقرب من الله إلا أنهم مختلفون في الكثير ولم يستطيعوا تجاوز حمق الاختلاف حتى في أساسيات العقيدة وبالتالي التعامل مع الآخر .
فللأسف الشديد يتفق الغالبية العظمى على أن الهدف من الحياة هو أداء مجموعة المناسك والفروض اليومية والموسمية ويسمونها العبادات رغم أن الله سماها الفروض والمناسك وأن الغرض منها هو تحقيق استقامة النفوس في أداء مهمة الإعمار كخلفاء لله على أرضه ، ولكنهم يعتبرون أن أداء هذه الفروض والمناسك هو الغرض من خلق الله لنا وهي جواز المرور من الدنيا للجنة والقبول عند الله ، ويتناسون وربما يتغافلون أن الإنسان خليفة الله على أرضه وأنه خلق ليعمر الكون بالأعمال الصالحة (التي تصلح من شأن الحياة للغير فتعمر الأرض) وليس منها مطلقا أداء الفروض والمناسك .. ولذلك لا يكترثون كثيرا لإهمالهم في إعمار الكون من حولهم فيتخلفون يوما بعد يوم عن غيرهم .
وفي زخم أداء هذا المنسك المقدس يصدمك كم الشراسة في طباع البنغاليين وكم التعالي في طباع الأتراك وكم الغربة النفسية في طباع الأفغان والباكستانيين وكم الحدة في التعامل في بعض أصحاب البشرة السمراء ، وكم الطيبة في طباع أهل المدينة المنورة وكم التفاوت بين الطيبة والحدة بين سكان مكة المكرمة .
ولا تستطيع أن تتجاهل كم العمران الهائل والعناية الرسمية في مدن الحجاز من أدناها لأقصاها وكم الاهتمام الحكومي بتحسين حياة البشر وأحوالهم المعيشية ، والتي لا تعتمد معظمها على القدرات الاقتصادية بقدر ما تعتمد على القدرات النفسية والحرص على مصلحة الشعب .
ولكني أيضا لا أستطيع إنكار مهارة الطيار المصري واحترافيته خاصة بعد تجربتي الشخصية لتضاءل قدرات غيره من الطيارين في شركات الطيران الداخلي والتي تشعرك بأنه فاشلين في الحصول على رخص لقيادة التوك توك مقارنة بطيارينا المصريين .
نعم هي رحلة نفسية عالية القدر من التسامي والرقي النفسي ولكنها هي رحلة تقويم لكثير من قيم ومعلومات العقل البشري عن بعض البشر وصور الحياة المختلفة ، ومن المؤكد أن النفس ستتوق مرات ومرات لتكرارها والاستزادة من زادها النفسي أو قل الروحي كما اعتدنا أن نقول ، وحمدا لله وشكرا طيبا كثيرا على قدر جلال وجهه وعظيم سلطانه على هذه النفحة والمنحة ودعاء لكل بشر أن يستزيد من القرب من خالقه .



