الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

الأديان وضلالات الإنسان

لا شك أن رحلة العمرة وما فيها من الوقوف بين يدي الله في بيته المحرم .. تفتح للنفس آفاقا جديدة للتأمل والتدبر والتفكر في خلق الله وسلوكياتهم وأخلاقياتهم وهو في النهاية ما يدل على معتقداتهم ومدى صحتها واستقامتها مع الفطرة مهما اختلف البشر في اللون والجنس واللغة والدين .

ورغم أن الدين واحد وهو الإسلام والجميع يستجيبون لنداء واحد للصلاة وفي حرم واحد سواء في بيت الله الحرام أو مسجد رسوله الكريم ، إلا أنك لا تستطيع إغفال الاختلافات في المعتقدات والثوابت النفسية ليس بين السنة والشيعة فقط ولكن أيضا بين فرق وجماعات السنة وبعضها البعض وبين فرق وجماعات الشيعة المتنوعة .

نعم .. الاختلافات بسيطة في ظاهرها وحقيقتها ولا تمنع الاجتماع على رب واحد ورسول واحد وكتاب واحد ولكنها في النهاية تصبح ذريعة للاقتتال والصراع بخداع البسطاء والجهلة والعامة لصالح تحقيق أغراض وأطماع شخصية وربما لصالح الماسونية وربما الأمريكية أو الغربية وهو ما نراه جليا في جميع بؤر الصراع في دول المسلمين حول العالم .

فلا تخلو بعض طوائف الشيعة من شرود عقدي ملفت تجعلها مثلا لا تقترب من باب عمر بن الخطاب في الحرم النبوي وهو أيضا ما يجعلها تلطخ رجالها بالدماء والطين في مأتم متجدد للحسين بن علي ، وطوائف منها تتعمد أن تصلي على حائل بينها وبين سجاد الحرم أو أرضيته ، والبعض لا يسلم من صلاته عن يمينه ويساره ويستبدله بالخبط على ركبته أو فخذه ، ورغم أن ذلك في عرف الدين خروج عن السنة ولكنه أبدا لا يكفر صاحبه ولا يفسقه ولكنه اختلاف مرده لربه .

ولا تستطيع أن تبريء فئة أو جنسية من الضلال والانحراف وإن كان المصريون هم أقل الفئات انحرافا عن غيرهم عامة ، خاصة عند ملاحظة تشديد الوهابيين في الصلاة والإطالة فيها حتى يفقد المصلي تركيزه تماما وكأنهم لم يسمعوا حديث رسول الله (من أم الناس فليخفف ، إن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة) .

وأكثر ألوان الاختلاف وربما الشرود عن دين الله تراها بين النساء وهي أمثلة فجة تراها وربما لا تملك نفسك عن الانفعال أحيانا وربما الغضب أو الحزن بل وربما الضحك ، خاصة عند دخول النساء في الأوقات المحددة للروضة الشريفة لزيارة قبر رسول الله ، فتسمع صوت زغاريد المصريات مختلطا بعويل الشيعة وصراخ الأفغان وبعض الإيرانيين وهمهمة الأتراك وزمجرة البنغال .

ولا يخلو شرود المصريين من خفة الدم المعتادة .. فلا تملك نفسك من الضحك عندما تسمع إمرأة مصرية في مقتبل عمرها ويبدو أنها من شعاب مصر القديمة أو مجاهل منشية ناصر أو جبل ناعسة ، وهي تقف أمام الكعبة .. وتتحدث بأعلى صوتها عبر المحمول لصاحبتها أو ربما أختها منادية لها (يا بت يا شيماء .. سمعاني يا موكوسة) .. وتكمل حديثها غير مبالية بما حولها ( خدي يا بت معاكي الكعبة .. أنا واقفة قدامها .. ادعي يا بت على الموكوس .. ابن الدايخة .. ربنا يشحتفه هو وامه ) وتشاور بالمحمول إلى الكعبة لثواني ثم تعود لتكمل حديثها ( خلاص .. دعيتي يا بت ؟؟ ... طيب اسمعي هالف اللفتين دول .. وادعيلك على أمه .. وبعدين هاكلمك تاني .. ما تروحيش بعيد خليكي قريبة .. سلام يا موكوسة ) .

ولا يختلف الرجال كثيرا عن النساء خاصة مع ذلك الرجل من أرياف مصر والذي يقف في الروضة الشريفة منتظرا آذان المغرب فيتصل ببيته قائلا ( اديني أمك يا بن الهبلة .. أيوة يا بت .. افتحي بسرعة قناة .. اسمها إيه يا حاج سعيد .. أيوة اسمها الرسالة النبوية .. هتلاقيني قدامك لزق .. واقف في .. في .. فين يا حاج سعيد .. أيوة .. أيوة .. في الروضة الشريفة يا بت .. بتاعة رسول الله .. ايوة بسرعة يا بت الكاميرا جاية علينا أنا والحاج سعيد .. شفتينا .. أنا باشاورلك أهه ... والحاج سعيد بيقولك قولي لمراته .. هو مش لاقي العبايات اللي قالتله عليهم .. سلام بقا .. أحسن الآدان ابتدا ) .

ورغم أنها مواقف تحمل الكثير من البسمات وربما الضحك والذي تستحي منه النفس في حضرة الله وجلاله ، ولكنها طرائف لا تنسى ، خاصة وأنها أيضا تحمل دلالات قاطعة على وجود الكثير من الضلالات في معتقدات البشر أيا كانت جنسياتهم وألوانهم ولغاتهم رغم أنهم يدينون بدين واحد وجاءوا من أجل هدف واحد لرب واحد أحد سبحانه وتعالى ، ملبين نداءه ويجمعهم حبه وحب رسوله صلوات ربي وسلامه عليه .

فإذا كان هذا هو حال المسلمين وهم أصحاب دين واحد لا اختلاف فيه لرب واحد مجتمعين على وحدانيته وربوبيته وقيوميته وكتاب واحد موقنين بصحته وحفظه وإعجازه ، فما بال بقية الأديان ولكل منها آلاف الكتب والتفسيرات والمفاهيم المختلفة والمتناقضة والمتصارعة .

وبالتالي فتلك الإنذارات والتي تعني بأننا نحن البشر لسنا أسوياء ولسنا على الفطرة ونحتاج لكثير من التقويم لنستقيم على دين الله  ، تضع مسئولية كبرى على عاتق المسلمين وخاصة الأزهر الشريف والقائمين على الخطاب الديني ، ليقوموا بمهمة الدعوة والهداية لدين الله الحق بين الأمم والشعوب بمفهوم وفكر جديد متطور ومتوافق مع لغات العصر وطبيعته وهي بلا شك مهمة شاقة وكبيرة ومسئولية ضخمة ولابد أن نتكاتف جميعا من أجلها .

ولكننا أولا وقبل أن ندعو لدين الله ... لابد وأن نعود بمفاهيمنا لدين الله .. لأصوله السمحة القويمة بعيدا عن ضلالات البشر وأهوائهم ، مدركين أن الدعوة لدين الله أصبحت فرضا علينا كمسلمين نبدأها بأن نكون قدوة بسلوكنا وتحضرنا وأخلاقياتنا والتي لن تحدث قبل أن نكف عن التنافر والتناحر وقتل بعضنا البعض والتصارع على الدنيا ونعيد لنفوسنا مفاهيم احترام دين الله لحرمة النفوس البشرية وتقديرها واحترام مقدراتها ، فتلك هي أول دروس وأصول الحكمة وبعدها يمكن أن ندعو لدين الله بالموعظة الحسنة .. لو كنا نملك أسبابها ..

 

 

تم نسخ الرابط