بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
أقر واعترف بأن رحلة العمرة قد تعلقت بنفسي تعلقا أبديا لا فكاك منه ولا أريد ، فصبغت حتى أحلام اليقظة وتخيلاتها .. ومن المؤكد أن هذا اليقين قد غشاني واحتواني بل وعصف بكل ما يحتويه كياني مع أول لقاء ونظرة لبيت الله الحرام والعبد الفقير إلى الله متكفنا بملابس الإحرام لأول مرة ، فحينها أيقنت حقا أننا راحلون جميعا في القريب العاجل مهما طالت السنوات فهي قصيرة في عمر الزمن والبشر .
ومختصر الأمر أنني لحظة وقوع عيني على بيت الله الحرام ما استطعت تمالك نفسي وانهمرت دموعي واجتاحني زلازل من المشاعر لا توصف بالكلمات وبكيت كطفل مترع يلتقي بأحضان أمه بعد حرمان طويل ، ثم هدأت نفسي واستقرت فما أحسست بهذه السكينة من قبل في عمري ، وكأني تصالحت مع نفسي ومع كل مخلوقات الله ، حتى أنني ما زلت أعجب من كم التسامح والتصالح الذي أصابني حينها حتى أنني لم يكن لي رد فعل لعنف وشراسة بعض الطوافين بالبيت الحرام سوى الابتسام والسعادة والترحيب بهم بل والحنو عليهم ومساعدتهم .
وحاورت نفسي كثيرا وجادلتها في أبعاد هذه التأثيرات التي اجتاحت نفسي وقلبتها رأسا على عقب ، فكثيرا غيري ممن أعرفهم اجتازوا هذه التجربة ولم أسمع من أحدهم مثل ما حدث لي ، ولست أعلم أن آخرون من غير المسلمين قد شعروا بهذا في حضرة بعض مقدساتهم .
وصدق رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه فماء زمزم لما شرب له ، فيومها كان من المستحيلات أن أصل لصحن الكعبة أبدا وقد بدأت مراسم صلاة الجمعة وأغلقت جميع الممرات لصحن الكعبة وامتلأ الصحن عن آخره بالبشر ، ولكنها شربة من ماء زمزم بنية صلاة الجمعة بحجر إسماعيل فتحت لي بعدها بثوان معدودة ممرا سهلا وبلا حراس إلى بيت الله الحرام لأنهي طوافي حول الكعبة وأصلي الجمعة في حجر إسماعيل إلى جوار رجل أفغاني مسن بادلته الأحضان والوداع بعد الجمعة وكأنه أبي الذي فارقني للقاء ربه منذ سنوات .
ربما لم أكن حريصا على لمس أستار الكعبة كغيري ولم تجرؤ نفسي أن أزاحم البشر فيتضررون مني وأنا في حضرة بيت الله لألمس الحجر الأسود كملايين البشر ، واكتفيت بالإشارة له والتكبير والتهليل وطفت ببيت الله لأول مرة في عمري وفي قلبي يقين بأنها ليست الأخيرة فقد تركت هناك نفسي عالقة بأستار الكعبة وساجدة في حجر إسماعيل عليه السلام .
ويالها من روعة اللقاء .. لحظة وقوع عيني على ساحة مسجد رسول الله والتي بدأت ترانيمها في القلب من لحظة دخول مدينة الحبيب طيبة المدينة المنورة برسول الله ، ورغم أنني زرت الكثير من عواصم العالم إلا أنني أقسم جازما أن مدينة رسول الله تحتضن زائريها وساكينها ، وليس هذا شعور ولا أحاسيس بل هي الحقيقة فلم أرى في عمري شوارع مدينة تحتضن في عشق وسكينة كل من فيها مثل المدينة المنورة .
وياله من زلزال في النفس لحظة الوصول للروضة الشريفة ، وياله من سكون وطمأنينة لروعة الصلاة في الروضة الشريفة وكم هي أيام جميلة بل ورائعة في صحبة رسول الله في بلده ومسكنه ومقبره ، ويالهم من بشر تقطر الطيبة والرحمة من عيونهم وألسنتهم وقلوبهم ، ولما لا وهم جيران الحبيب ورعاياه .
وكم بكيت وأنا أغادر المدينة وكأني أفقد جزءا من نفسي معلق بمسجد الحبيب وشوارع مدينته ، وكم تمنيت أن أكون من سكان هذه المدينة الطيبة وأن يجمع ثراها جسدي في قبور البقيع شهيدا ، وهو أمل لعبد فقير إلى ربه يوقن بأن ربه لن يخذله حيا أو ميتا .
اليوم فقط عرفت معنى العمرة ، فهي إعادة إعمار للنفس وشحنها بموجبات رحمة الله من قيم ربانية نورانية راقية وجميلة وهي استعادة النفس لفطرتها كما خلقها ربها وهي تطهير للنفوس مما يعلق بها من خبث الدنيا وشهوات النفوس وأطماعها ، وصدق رسول الله (تابعوا بين الحج والعمرة) ، وصدق الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله في قوله (صلى عليك الله يا علم الهدى ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم)، ووصية لمن ضاقت به الدنيا أن يهم بالنية للعمرة لله وزيارة للحبيب وعلى الله الإجابة والأجر ، وبها تهون الدنيا وتنفك كل كربات النفوس والأجساد .



