بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
(أنا كل ما اقول التوبة يا بوي ترميني المقادير) ... مقطع من أشعار الخال الأبنودي غناها عبد الحليم حافظ في منتصف القرن الماضي ورغم تصف حالة عشق فريد لا فكاك منه ، ولكني ككثير من المصريين ومن تربوا على يد أم مصرية حتى النخاع ، كلما سمعتها .. يتحرك في نفسي الكثير من الزلازل التي تعبت من محاولاتي الفاشلة لتسكينها وعلى رأسها همومي ومخاوفي التي لا تنتهي على وطن رزقنا الله إياه وشعب كتب الله أن نكون أفرادا منه .
فلا يمضي يوم إلا وأتوب فيه وأستغفر من الحديث عن سلبيات المجتمع المصري وما يعاني منه هذا الشعب ، فالحديث عن السلبيات رغم أنه يستهوي الغالية العظمى من أصحاب القلم ، إلا أنه يختلس من الإنسان نقاءه ، فيجد نفسه مسترسلا في البحث عن سلبيات غيره بضراوة ثم متعة .. فتلذذ .. حتى يصبح ذلك السلوك طبعا متأصلا في النفس فيسبغ صاحبه بكثير من الكآبة والإحباط وينعكس على نفسه وجسده بما لم يكن في الحسبان وتلك حقيقة علمية مثبتة ومؤلمة .
ورغم أن حجم السلبيات في المجتمع المصري متناسب مع تنامي السلبيات في الشعوب المختلفة وموزع نسبيا طبقا لناموس الخلق مع مراعاة الاختلافات في الطباع والعادات والقيم ، إلا أن النفوس دوما تسعى لما هو أفضل وتلك هي مهمة البشر التي خلقهم الله من أجلها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل الصالح ، وكذلك تعلمنا أنه لابد وأن نحدد ونعرف أسباب السلبيات لنحد منها ونقضي عليها لو استطعنا ، ولكن الأهم والأخطر أن نحذر المبالغة في تضخيم الأسباب وطرق العلاج والوقاية حتى لا نقع في معضلات وهمية جديدة تتنامى وتستفحل وتصبح مساويء تحتاج لعلاج آخر وبذلك نسقط في دوامة السلبيات التي تسلمنا لبعضها البعض .
وباختصار .. لابد أن نحذر من احتراف النفخ في الزبادي .. بل نحذر النفخ أصلا .. فقد ثبت مثلا .. أن النفخ في الطعام أو الشراب يملأه بالبكتريا والميكروبات الضارة والتي تسبب التسمم للطعام أو الشراب الذي تحاول تبريده بالنفخ .. وهو تماما ما يحدث عندما نفعله بهلعنا النفسي في محاولات تجنب تكرار المساوئ بعفوية دون تدبر أو تفكير .
فلا تختلف كثيرا صرخات المرتعشين من وصول رجل عسكري مثل السيسي للحكم عمن يعلنون إلحادهم لمجرد التبرأ مما يفعله تجار الدين بالبشر ، ولا عمن يتصارخون بعودة الفلول للحكم في صورة رئيس الوزراء محلب ورفاقه ، والجميع ليس لديهم البديل الذي تثق فيه الغالبية ليجتاز هذه المرحلة الحرجة ، وحتى من ألحدوا ليس لديهم هدف واضح من إلحادهم سوى الهروب فالكل يتصرف بمنطق الهلع والمعارضة لمجرد الاختلاف أو بالأحرى بمنطق .. النفخ في الزبادي
كذلك .. نفعل في كل أمورنا وأحوال مجتمعنا كبشر ، فمثلا لمواجهة التفريط في القيم والأخلاق وانحراف البعض بتقليد التسيب الغربي في العلاقات والسلوكيات تولدت بيننا عفوا منا أو تعمدا حركات ودعوات دينية متشددة تكفر وتفسق وتحرم بل وتفرض النقاب على الإناث وتطلق العنان للحية أبي جهل مختالين بجلباب المماليك وبنطال الفاطميين والعثمانيين متجهمين في محاولة للنفخ في لهيب التسيب والانحراف ، فاستعرت سموم التكفير والتفسيق وذاق المجتمع أفظع معان الإرهاب باسم الدين وكانت النتيجة المنطقية للنفخ .. هو انتشار متجدد لسموم التفريط لحدود تقترب من الإلحاد أو على الأقل بإعلان الرفض للتشدد بكل هراءه بالابتعاد حتى عن الصلاة أو دخول المساجد والانزلاق المتعمد لنموذج لما يحترفه البعض مثل سما المصري ودينا وصافيناز والدغيدي والسبكي وباسم يوسف وغيرهم الكثير ممن أسقطوا واغتالوا أبسط معان الحياء لنتسارع في حلقة مفرغة لا فكاك منها إلا ما رحم ربي .. وبفكر وعقل لرجل رشيد .
والرشادة هنا .. تعني الوسطية ونحن من قال فينا رب العزة لو كنا مسلمين (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ، فلا تفريط ولا تسيب في القيم المطلقة للأخلاق فقد بعث سيد الخلق متمما لمكارم الأخلاق ولا تشديد بحجج الحرص على الدين فالتشدد يؤدي للكفر كما نرى ونتعلم ، وكما حذرنا صلوات ربي وسلامه عليه (لا تشدوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم ، فإن الذين كانوا من قبلكم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فكفروا به) .
والأمل دوما موجود والإصلاح إجراء محتوم ولابد من خوض غماره كحرب على نفوسنا المعتلة ولكننا طبقا لناموس الكون والخلق والذي تعلمنا من الرسالات السماوية أن الإصلاح دوما يبدأ بقائد وقدوة ودليلا يقود المسيرة بحكمة وأمانة ، ولذلك نحتاج في مصر للدليل والقدوة والقائد الذي نثق في أمانته وقدرته ونزاهته لنستطيع إجبار نفوسنا على قبول التغيير تبعا له ، وبدون ذلك فلن يكون هناك تغيير أو تقدم ، فهكذا هم البشر كما خلقهم ربهم سبحانه وتعالى .
وبالقطع عندما يكون الدليل والقائد هو السيسي .. فهذا ليس عيبا في الرجل ، فهو المطروح قدرا والمتاح أمرا ، خاصة وأن الرجل أثبت بالأفعال قدرته على تحمل المسئولية كاملة رغم خطورتها عليه شخصيا ، وفي توقيت كان الجميع يتوارى أو يعمل في الخفاء لمصالحه وحساباته الشخصية أو يتنحنح ويقاتل بالكلمات والحوارات ، ثم تلاشى وجود الجميع تماما في لحظات الحسم ، ولذلك فرفض البعض لهذا السيسي ليس أكثر من تنطع بلا مبرر أو رغبات خبيثة النوايا لاقتسام تورتة حكم مصر ورغبات دفينة لاستمرار الفساد والتدهور وسعيا لمصالح تتصالح على موائد المكتسبات ، وليحترق الجميع حتى لو أعدنا مسلسلات الخيانة والسقوط للإخوان ومن سبقهم تحت مسميات جديدة .
ولا أملك إلا أسئلة لبعض أبرز المرشحين على الساحة ... (هل تستطيع مواجهة التعليمات الأمريكية ورفضها بشجاعة ؟؟) .. حتى ولو كانت مصالحك الشخصية تحت أيديهم ، وما زالت بينك وبينهم بقايا التعاملات والمصالح السابقة مع شخصيات وكيانات دولية معاصرة أو سابقة وتطاردك الآن لتفرض عليك شروطا لتأييدك في المعركة الانتخابية على افتراض اكتمالها وخوضك لها ، وهل تستطيع أن تفكك شفرة سقوطك في براثن الإخوان أو الماسونية سابقا ، وتبرأ من أي تأثير لهم عليك مستقبلا دون أن تكون مهددا بفضح علاقاتك معهم وتعاملاتك الكفيلة بتدمير شعبيتك وولاء المؤيدين ، وهل كان أفعالك السابقة تؤكد أنك لست خاضعا ولا مستفيدا ولا مواليا أو كنت مشاركا لأباطرة الفساد والطغيان في العهد السابق داخل البلاد أو خارجها وبالتالي لن يكون لك ماض يطاردك ويهدد مستقبل دولة تريد أن تحكمها ؟؟
وأستطيع أن أجيبك سيدي من أقوالك وتصريحاتك وأفعالك الحالية .. والتي تقول .. أنك خاسر .. حتى قبل أن تخوض المعركة الانتخابية .. خاسر .. رغم محاولاتك المستميتة لتحسين صورتك ، بدليل أنك بدأت بالهجوم الناعم ومحاولات اصطياد أية أخطاء ولو بالنحنحة والادعاء على منافسك الأقوى وهو السيسي ، فلو كنت أمينا لاحترمته وقدرت أمانته وجميله في رقبة شعب ، ولكنت حريصا على قربه منك والاستفادة من أمثاله ، وبالتالي .. فأنت لا تملك إلا شهوة الحكم في نفسك فبادرت بالهجوم عليه محاولا بفشل أن تنال منه قدرا تضيفه لنفسك ، فسقطت حتى قبل أن تبدأ السباق .
فهل لدى المعارضون والمتنحنحون والمتشدقون والمرتعشون بالحجة والدليل من يستطيع أن يخوض سباق الرئاسة شعبيا أمام هذا الرجل الملقب بالسيسي ، أم أنهم لا يملكون إلا نفوس أطفال مشوهة ترى في تشويه الآخرين إضافة لنفوسهم المريضة ، والأخطر والأنكى .. أن يظن البعض أن هذا البلد يديره شخصا بعينه كسابق العهد ، أو أن السيسي لو رحل أو قتل أو اغتالته أيديهم أو نفوسهم بالدسائس أو الافتراءات فسوف يخلو لهم الميدان ليصولوا ويجولوا كيفما يشاءون ، فلو كانوا كذلك .. ؟؟ فهم بالقطع مغيبون ولم يعوا بعد درس السنوات الماضية ، ولم يفهموا بعد شيئا عن هذا الوطن وكيف يدار منذ سنوات الثورة ، وبالتالي فهم لا يستحقون شرف خدمته .
ولعل البعض بعد كل ما حدث ما زالوا يظنون أن هذا الشعب غبيا أو مغيبا ولا يدرك أبعاد النفوس والفوارق بين الرجال وأشباه الرجال وبين الصالح والفاسد ، ولو كانوا كذلك .. فلفيقوا وليحذروا .. فالقادم ربما يكون أحد أهم وأخطر دروس العمر التي لا تنسى ولا تمحوها عجلة التاريخ ...



