الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

لا شك أن أن بحور السياسة أمواجها متلاطمة في معظم الأحيان .. ولكنها أحيانا تتحول دواماتها لأعاصير تختلف شدتها تبعا لتطور الأحداث ، ثم تنقلب فجأة لإعصار مدمر يقتلع جذور البعض ويفني البعض ويبتلع في طريقه الكثيرين فيختفون أو يتوارى نجمهم البراق بلا آثار أو بقايا .

ومنذ ثورة يناير 2011م ومصر تتقاذفها موجات عاتية متتالية ومتصارعة ما بين الحقائق والأوهام والادعاءات والاتهامات والتشكيك والصراعات التي تبدو أحيانا حادة وتنقلب دامية تارة ثم تنتهي محزنة ومثيرة للنقاش فالجدال فالاختلاف والمهادنة فالعداء فالانفعال فالثورة من جديد .. في أمواج متعاقبة ومتشابكة .. وكل ذلك في دائرة تبدو مفرغة ولا فكاك منها .

والمتابع الجيد لأحوال البشر في مصر يجدهم مقسمين إلى فئات بعينها ، أولها فئات فاعلة وأخرى مفعول بها وهاتين الفئتين يتبادلان المواقع باستمرار ، ثم فئة ثالثة وهم المستخدمين لتنفيذ مخططات الفئتين الأولى والثانية ، وأخيرا الفئة الرابعة وهي المتفرجين الصامتين وقد يشتركون باللغط والجدال لكنهم أبدا لا ينتقلون لمربع الفاعل إلا عند الضرورة القصوى وعندها يقلبون كل الموازين ويعيدون الكرة للمربع صفر .. مثلما فعلوا في الثلاثين من يونيو 2012م .

والفئة الفاعلة الأولى على رأسها حماة مصر ومن يديرون مصر بالفعل منذ أكثر عامين خاصة بعد عزل طنطاوي وعنان ويتبعهم المؤسسات القوية والمتماسكة في الدولة مثل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة ويناصرهم بعض الإعلاميين وبعض المخلصين من الساسة ومختلف فئات الشعب .

والفئة الثانية هي مجموعة المنتفعين والمستفيدين من تفكك الوطن ونسبتهم لا تزيد عن (5 %) وهم الأعداء لمصر والمصريين ومن يعملون لمصالحهم الشخصية فقط ، ومنهم بالقطع العاملين بأوامر وتعليمات من الخارج أو الداخل للوصول لحكم مصر على غرار ما فعله الإخوان في عام الحزن 2012م ، ومن هؤلاء فلول الإخوان والسلفيين وبقايا مبارك والنشطاء وبعض الإعلاميين وبعض رجال الأعمال والنخبة المزعومة وبعض الساسة مع تنوعهم واختلافاتهم .

والفئة الثالثة هم المستخدمين لتنفيذ مخططات المجموعتين الأولى والثانية دون وعي أو إدراك أو حتى بوعي وإدراك لأبعاد وأهداف لما ينفذونه على الأرض وهم بالقطع وقود لكل نيران ومستودعات ذخيرة لكلا الفئتين الأولى والثانية ، ومنهم الضحايا ومنهم الأبطال ومنهم من ينتقل لمربع المستفيدين غفلا وربما يعود ليختفي بين المتابعين والمتفرجين لو تأزمت الأمور وهؤلاء نسبتهم لا تزيد عن (10 %) .

والفئة الرابعة وهم كما يسمونهم حزب الكنبة ونسبتهم تزيد عن (80 %) ، وهم عامة الشعب الكادح من أجل الحياة في سلام وأمان مع النفس والغير وهؤلاء دوما من يحسمون المعارك والصراعات الختامية لأية مرحلة أو إعصار لصالح من يقنعهم بمنطقه وفكره من وحي مصالحهم ومستقبل أيامهم .

والغريب أن مرشحي الرئاسة المزمع عقدها قريبا لم يعوا هذا جيدا وما يعنيه هذا التقسيم وما هي تداعياته عليهم ومتطلباته والتي هي بالقطع تحسم قدرات وإمكانيات كل منهم الشعبية على خوض هذه الانتخابات ، فتراهم وكأنهم هبطوا من كوكب آخر وقذف قدرهم بهم في معركة انتخابية بدأوها قبل بداياتها الرسمية بالهرتلة والعشوائية والتهاون في حقوق أنفسهم من الاحترام والموضوعية بل وبطفولة سياسية حمقاء صورت لهم أن المكاسب تتحقق بالنيل من غيرهم خاصة منافسيهم فخسروا أنفسهم ومعه ما قد يكون ممكنا من تعاطف هذا الشعب معهم .

ولن نورد أسماء ولن نصنف بشرا ولكن يفاجئنا من النخبة مرشحا للرئاسة كان بالأمس البعيد يصنف ثوريا ثم متحالفا مع الإخوان ومتعاونا معهم سرا أو علنا ثم مستخدما لصالح الطواغيت الإقليمية ، ثم حاملا لرسائل مرسي العياط لحلفاءه إقليميا ومهادنا لكل التيارات السياسية ثم مدعيا للثورية والعدالة الاجتماعية ومتعاطيا لكل أنواع العطايا والهبات ممن يدفع بكرم وسخاء ، ومؤخرا لم يجد سوى الهجوم على السيسي بلا مبرر كوسيلة ليغتال بها ما تبقى له من احترام لدى البعض ليؤكد بحماقة سياسية مرفوضة كثيرا من الشائعات التي تمس نزاهته وتفقده مصداقيته تماما ، والأغرب تصريحه عن تبرع الأمارات بتكاليف مليون وحدة سكنية خصصها السيسي للشباب بأنها أموال الشعب ردت إليه ، وأخيرا يريد أن يقنع شعب مصر بأنه مرشح الثورة والحريص عليها ومن يؤتمن على مستقبل أمة مثل مصر ، كيف هذا .. لا أدري ؟؟

ثم مرشحا ثان يخرج من العدم وكأنه سيف العدالة الإلهية المختار كما يتوهم وحده ولا يعرفه أحد ولكنه يقول عن نفسه ما لم يقله نبي ولا رسول وكأن هذا الشعب مغيب ومتخلف نفسيا وعقليا ومن السهل خداعه ببعض الشعارات وناطحات السحاب من التعبيرات والألفاظ  ، ثم مرشحا ثالثا من المنتظر قريبا أن يعود وينكث قراره بعدم الترشح كما تعودت جماعته تبعا لأوامر التنظيم ، وقد لقبوه هزلا (بزعيم مصر الطرية) يهبط يوما على المشاهدين مهرتلا كعادته ومنفعلا بلا سبب لا يألو جهدا ولا وسيلة ألا ويطرقها للنيل من السيسي مثل غيره وكأنه لا يعي مدى فقدانه لاتزانه لمجرد ذكر اسم الرجل أمامه فيندفع ليهاجم أي شيء يتخيل أنه قد يمسه في مشاهد صبيانية تذكرنا بقذف الصبية للنخيل بالأحجار ، غير مدرك أنه يمارس نفس أسلوب الإخوان في المراوغات المفضوحة بالهروب العشوائي من كل سؤال بسؤال وقصة وجدال بغيض يفقد صاحبه قدور الاحترام أو رغبة البشر في متابعته .

ثم مرشحا رابعا فقد حمرة الخجل ودون حياء سياسي يرى في نفسه الفارس المغوار والمنقذ الموعود لشعب مصر ، ويتناسى أو يتخيل أن الشعب قد ينسى أن يداه ما زالت ملوثة بدماء الشباب ولا تخلو ساحته من شبهات الولاء والانتماء الأمريكي بكل تآمره ، بل ولا يستحي أن يكون عصب حملته هم فلول الإخوان والمتطرفين مراهنا على حصان كسيح شعبيا ، ومن أخلاق الفروسية الرفيعة بدأ حملته مصرا على خوض السباق على جثث قادته السابقين طنطاوي ومبارك .

ثم مرشحا خامسا .. وسادسا وسابعا .. وربما عاشرا في الطريق وأفضلهم لا يحلم بأكثر من لقب مرشح سابق ولذلك ليس من الغريب ولا من العجيب أنهم قد أجمعوا فقط على الاعتراض على تحصين قرارات لجنة الانتخابات وكأنهم لم يخوضوا ما قبلها بنفس الشرط ، وبالطبع لم يخلوا اعتراضهم من التلميح بأنهم يبنون آمالهم في السباق فقط على كم الطعون التي يستعدون لها وقد آتى التحصين ليقطع كل ما تبقى لهم من أمل ، فهم ليسوا أكثر من ديكورات باهتة في عرس السيسي .

ولا شك أنهم يدركون ويعون (مهما ادعوا وكذبوا وتخيلوا وتوهموا) أنه لا مجال للمنافسة خاصة في ظل مواصفات الصورة المرسومة للرئيس المطلوب في أحلام وأفكار الغالبية العظمى والمؤثرة من هذا الشعب والتي شكلتها تتابع ونتائج الأحداث السابقة وتداعياتها  فترسخت في وجدان العقل الجمعي للشعب المصري صورة لن يرضوا إلا بالمقارنة بها والرجوع لمواصفاتها كأساس للاختيار .

وليس سرا ولا افتراءا أن تكون هذه الصورة قد تطابقت بدقة مع هذا الملقب بالسيسي خاصة فيما يثقون أن له صفات متفردة عرفها وجربوها في الرجل ولم يعهدوها في أحد قبله ، وهي الأمانة والشجاعة والاتزان وهي صفات تجعل منه رجل دولة من طراز فريد كتصريح (حسام عيسى) ، خاصة لو أضيفت لكونه رجلا عسكريا يعرف معان الالتزام والحسم والوفاء ولاسيما لو كان الرجل ممن ينتفضون فقط لمصالح الفقراء والمعدمين والضعفاء .

وربما يظن بعض العملاء والحالمين والمنتفعين والمغيبين أنهم يستطيعون المنافسة أو التأثير على قرار الشعب باختياره بأي صورة كانت حتى ولو بالطعن فيه أو إثارة القلاقل والإضطرابات أو الجدال حول قانون الانتخابات وإجراءاته ، وإن كان من حقهم أن يحلموا بالمستحيل أو يطمعوا في المقطوع أمله ، ولكنهم في النهاية خاسرون مهما فعلوا لسبب واحد لا ثاني له وهو أنهم يحاولون الوقوف في طريق بركان رغبة شعب أذن الله له أن يقف على قدميه ويعلن عن نفسه رغم كل ما فيه من مساوئ وعيوب ولكنهم بشر وقادرون على التغيير وهم فراعنة ولذلك قادرون على فعل المعجزات وليس بجديد عليهم ولا غريب عن طباعهم وميراثهم التاريخي .

ولست من الحالمين ولا من عاشقي صور الرجال ولا من المشجعين على ارتباط الشعوب بالرموز المعصومة وصناعة الطواغيت والفراعنة ثم صب اللعنات عليها ، ولا أظن أن الغالبية من هذا الشعب يريد هذا أو من السهل عليه الوقوع في ذلك ، ولكنها الواقعية والاعتراف بالحق لأصحابه ، وتوافقا مع حركة التاريخ وعجلته .

أخيرا .. سادتي المعترضين أيا كنتم .. وقفة مع الضمير أمام الله .. إذا كنتم لا تنكرون على الرجل صفاته وقدراته التي لا تتوفر في رجل غيره حتى الآن ولم يجربها هذا الشعب ولم يرها في غيره في أحلك لحظاته ، فلماذا الاعتراض وعرقلة مسيرة تأخرت كثيرا ، خاصة وأنه لن يدوم ولن تسمح له ظروفه بتكرار البقاء في السلطة مثل من سبقوه ، ولن ينجو من حساب هذا الشعب وانتقاداته ، إلا أن تكون لديكم نوايا وشهوات وأطماع تتعارض مع مصالح وطن وشعب وهو ما لن يسمح لكم به هذا الشعب مطلقا ، بل ولن تسمح لكم به حركة التاريخ المرسومة بدقة قضاء وقدرا.

 

تم نسخ الرابط