الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

فجأة ودون مقدمات وبصورة تدعو للهلع تنحرف السيارة الميكروباس التي أمامي  وتدخل في منعطف بلا مخرج متفرع من منزل المريوطية المتجه للهرم ، وكم كنت سعيدا بقرار الدخول خلفه دون أن أدري ما السبب ، وتوقف وأطفأ محرك السيارة والأنوار وسرعان ما انخفض الركاب واختفت الرؤوس ، وتبعته فأطفأت السيارة وأنوارها .

وسرعان ما عرفت السبب فقد كانت عربة نصف نقل محملة ببلطجية تابعين للإخوان تمر مخالفة في الاتجاه العكسي  ومتجهة للطريق الدائري ، وعليها عددا يزيد عن العشرين شابا شاهرين السيوف والسنج وبعضهم يحمل أسلحة نارية ولا يتركون شخصا مترجلا إلا وأصابوه بسيوفهم ولا سيارة إلا وأطلقوا عليها النار مخلفين وراءهم بضعة رجال صرعى مضرجين في دماءهم وبعض سيارات انحرفت عن طريقها مصابة بطلقات متفرقة .

ليست هذه قصة ولا خيالا خصبا بل كانت إحدى غزوات الإخوان في (زخم أعياد الأم والربيع) من أجل عودة مرسي للقصر يوم (القيامة) قبل العصر ، وهو مشهد متكرر يمارسه بلطجية العمرانية من أتباع المخلوع يحملون فيها عامة البشر مسئولية خلعه ورحيل الإخوان وينشرون الرعب بين الناس كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم السوداء وقلوبهم الأشد سوادا وقبحا .

وسرعان فجر هذا المشهد في عقلي  مقارنة سريعة وحادة بين أسلوبي تعامل شخوص بعينها تحمل سمات الفارق بين اللمبي وعمر موسى أو بين (بطة تيك أواي) والملكة إليزابيث ، وقد يرى البعض أن المقارنة هنا جريمة أو خطأ أو لا تجوز ، ولكن إذا كان الجميع بشر ويحملون لقب إنسان منذ ولادتهم ولا اختلاف جوهري في قيم الإنسانية إلا في البيئة والتعليم والثقافة التي تشكل طبائع الإنسان عبر مراحل عمره ، فالمقارنة تفرض نفسها بقوة .

فلا شك أن الطفل لو تربى في بيئة متدنية أو حقيرة أخلاقيا معتادا على شريعة الغاب واعتداء الأقوى فيها على الأضعف ويغتصب فيها الأقوى حقوق الضعفاء بلا أدنى ضمير أو موانع من أخلاقيات أو أعراف ، فبلا شك هذا الطفل سيصبح يوما مجرما بلا ضمير حتى ولو تحصل على أعلى الشهادات العلمية وترقى في أعلى درجات الحياة اقتصاديا واجتماعيا أو سياسيا ودينيا .

ولا شك أيضا أن الطفل لو تربى في بيئة إخوانية يرى فيها نقيب الأسرة (شخص غريب) ولكنه يملك حقوقا على أفراد أسرته ذكورا وإناثا أكثر مما يملكها والده عليهم ، بكل ما تحمله النفوس البشرية المنحرفة من شطط وانحرافات شخصية وعقد السيطرة والتملك وليس بعيدا عن قصص تخفيها جدران البيوت تشيب لها الولدان أدت بنا لنرى دعارة الشوارع في نهار رمضان باسم الجهاد ، حتى لو كانت تحمل خارجيا وقارا مصطنعا بمبالغة فجة تتزايد بحجم ما يراد إخفاءه عن العامة ، فمن المؤكد أن هذا الطفل سيصبح مثالا منحرفا للبشر كما نراه في مفردات الإخوان البشرية مثل علاء صادق أو المغير أو البلتاجي أو حتى كثيرا ممن يدعون كذبا وخداعا انشقاقهم ويتشدقون اليوم بالمصالحة ويدعمون كلاب الإرهاب المسعورة سرا وعلنا تحت مسميات مختلفة .

وهو ما يتكرر رؤيته بأطباء ومهندسين يقتلون الأبرياء انتقاما وتشفيا ودعما لما يتخيلونه من الشرعية واللهث وراء حكم المنحرفين من البشر ولو بالدم ، بل وأساتذة جامعيين يسربون السلاح للحرم الجامعي للاعتداء على من يخالفهم ، ورأيناه مرارا في سلخانة التعذيب في رابعة والمتهم فيها البلتاجي وحجازي والخضيري وتحريض وعلى العنف والقتل مارسه بديع وصالح والشاطر وجميعهم بلغوا درجات علمية متقدمة ، ولكنهم يعانون نفوسا متدنية أخلاقيا ويتمتعون بثقافة الإجرام كأسلوب حياة ولا يجدون في خداع البشر واستغلالهم انحرافا ولا عيبا ولا حراما .

وهنا الدليل على أن الثقافة التي تشكل كيان الفكر لدى البشر هي من نتاج البيئة والتربية النفسية للطفل وهي ما تصنع الفوارق بين الرجال والنساء وليس الشهادات العلمية كما يتخيل البعض ، ويعد الأبوان هما ركيزة هي التنشئة فهما من يتعلم منهما الطفل حفرا ونقشا في نفسه الصغيرة اللينة كل أساسيات الحياة ، وقيمها ومبادئها ، فالمنحرف أيا كان انحرافه هو أكثر الأشخاص سماعا لحرمة الانحراف من والديه وهما يمارسان هذا الانحراف وانعدام الضمير أمامه فيحفران في نفسه استحلال الانحراف فعلا وقنل الضمير والأخطر هو احتراف الحديث عن الحلال والحرام والشرف واستنكار ألوان الانحراف التي يحترفها سرا أو علنا ويبررها كاذبا ومخادعا ومنافقا لنفسه ومن يواليه .

فلا عجب أن ترى شابا إخوانيا بارع في الحديث والنقاش والجدال عن الدين والقيم والمبادئ ولكنه أكثر براعة في ممارسة كل أنواع الانحراف والخطايا ولا منافس له في تبريرها بجدية وجدال ومناورات تربى على إجادتها حتى أنك قد تكره نفسك لمجرد التعامل أو متابعة أمثالهم ، وهو ما يشعر به أي إنسان سوي عند مناقشة سلفي أو إخواني .

وكنتيجة حتمية ومنطقية لعشوائية التربية والثقافة المجتمعية عبر السنوات الأربعين الماضية وتحديدا بعد رحيل بعد الناصر وسقوط المخطط التربوي التثقيفي للشعب وإهمال المتابعة الجادة لتشكيل فكر الشباب في مراحل التربية وتحول التربية القومية والأخلاقية في المدارس لمادة غير أساسية ثم إلغاءها تماما ، أصبح المجتمع ميدانا خصبا لتنامي مثل هذه الجماعات المغلقة والمنحرفة داخليا والمزيفة خارجيا بإتقان وبالتالي أصبح إنتاج مثل هذه الأنماط من الشخصية أمرا طبيعيا ولا عجب فيه خاصة وأن كثيرا منهم وجد في هذا الانحراف طريقا للمال والشهرة وممارسة الحياة كما يشتهي ، ولم تخلو الساحة من توالد الاتجاهات المضادة من الانحراف بالتفريط والخلاعة والإباحية تحت مسميات الفن والحرية والإبداع والتطور لنعاني في النهاية من مجتمع ملئ بشتى ألوان البلطجة الفكرية والثقافية .

ومن المؤكد أننا بعد التخلص من سرطان الإخوان والسلفيين سنعود لنواجه أنفسنا وما فيها من أمراض مزمنة متعددة ومتفشية كانت سببا لتنامي أمثالهم ، ولابد من مواجهتها بحسم وحزم خاصة ما تفشى بين البشر من اعتياد اللامبالاة والاستمتاع بإهدار المال العام والاختلاس والرشوة والواسطة والسرقة المعلنة والمقنعة واستحلال الأجر بلا عمل .

 والأخطر هو الانحراف للتفريط وانعدام الحياء ودياثة وخناثة الشباب والرجال والتي فتحت الأبواب على مصراعيها لتمتلئ شوارعنا بفتياتنا شبه عاريات تحت مسميات الحرية والتطور وتحتفي مجالسنا بقصص الرذيلة والفواحش وتذخر صفحات التواصل الاجتماعي بصور للفتيات بل وبعض الصحفيات يعرضن مفاتنهن بلا حياء وربما إعلان ودعوة للرذيلة مدفوعة الأجر ناهيك عن سيول الصفحات الداعية للدعارة في قاهرة المعز جهارا وعلانية بلا رقيب .

وكلها أمراض وبلايا لابد من التخلص منها لو شئنا أن نصبح أمة ذات قدر أو قيمة ، والطريق للخلاص من كل هذا ليس مفروشا بالورود ولكنه طريق شاق وطويل ولابد أن تتضافر فيه كل الجهود والأطراف ... بداية من الرئيس المنتظر ومساعديه في كل الوزارات وعودا لإعادة تشكيل الفكر والثقافة والتعليم وانتهاء بالبيت والأسرة والوالدين ، فنحن بحاجة لمشروع قومي للثقافة والتعليم يقوم فيه الأزهر بدور محوري في تطوير الفكر والخطاب الديني وكسر الجمود وتنقيح المناهج الملوثة والمتخلفة لمواكبة ومواجهة سلبيات التقليد الأعمى للشرق والغرب في غمار التطور السريع لأدوات ومعطيات العصر .

تم نسخ الرابط