بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لست أدري إلى أين المفر ؟؟ وما زال مسلسل قتل الإخوان للبشر مستمرا ، وما زال الفساد بكل صوره يتصاعد مداه في النفوس التي عشقت الضلال تبعا لأهوائها ، ولا يتحرك لنا ساكنا أو ضمير ونحن نرى صبيا يضرب مدرسه فيقتله ويهدد الآخرين فيصمتوا خانعين وتتفشى حوادث اغتصاب الشباب للفتيات وقتلهن ما بين الإسكندرية في أقصى الشمال إلى عواصم الصعيد في أسيوط والمنيا وكأننا جميعا قد أصابنا فيروس الأخونة بالبلادة فأصبحنا من أصحاب الجلد السميك .
أو لعلنا لم ندرك بعد أنها تداعيات الانحدار عبر أربعين سنة كاملة وليس السبب فيها كما يحاول بعض الخونة إلصاقه بالمؤسسة العسكرية ، وإلا فما أسباب تفشي ظواهر القاتل المتسلسل في أوروبا وأمريكا ، وهل المؤسسة العسكرية هي من علمت صبيانا دون العشرين أن يغتصبوا صبايا ثم يقتلوهن ، أم هم من علموا صبيا أن يضرب أستاذه حتى الموت .
ربما المعاصر لحقبة الستينات والسبعينات وما تلاهما من سنوات يتذكر أن معدلات الجرائم فيها قد انخفضت بصورة ملحوظة ، فقد كان لهذا الشعب هدف وأمل وقائد وقدوة وكان فيها التعليم رسالة مقدسة وشهدت أعلى معدلات التنمية والبناء في مصر عبر قرونها الثلاثة الأخيرة ، بل إن هذه الفترة هي التي نرتع في خيرها حتى اليوم من السد العالي حتى بناء أكبر ترسانة مصانع في الشرق والأهم كان بناء جيل من الشباب حقق انتصارا معجزا وتاريخيا .
ولكننا بعدها انبهرنا بالانفتاح بكل صوره وتحولنا بنفوسنا من شعب منتج ومثابر لشعب مستهلِك ومستهلُك باحثين عن المتعة ، وارتكبنا في حق أنفسنا جرائم لا تغتفر ندفع ثمنها اليوم غاليا ، كان أبرزها الانزلاق لمستنقعات الرذيلة والعري بدعاوى التطور والمدارس المشتركة ومقاومة الرجعية وتطور الفن حتى وصلنا لأفلام الدغيدي والسبكي ودينا وسما المصري والأم المثالية لملكة الهز الشرقي ومايا دياب ، ثم رأينا استهداف الشباب والصحفيين والجنود والأبرياء ثم رأينا من قتل أطفالا وألقى بهم من سطح بناية غير نادم ولا تائب بل متبجح يرفع شعار رابعة الماسوني .
وكل هذا والألسنة خرساء والأيدي مبتورة ولا مواجهة فكرية جادة نستطيع أن نتذكرها لمن هم مسئولون بالدرجة الأولى عن المواجهة والتصدي ولست أقصد المثقفين فهم هائمون ومترنحون في وديان السبوبة وأعتاب الليالي الحالمة باحثون عن فلتات الإبداع الفكري الحالم في سماوات الوهم ولا أمل فيهم ليقودوا مسيرة تقويم ، ولكن الأخطر والأفدح هو سقوط الأزهر الشريف وفشل الخطاب الديني في استيعاب واحتواء الانحراف المتزايد بسبب انزلاق رجال الأزهر في هاوية التطرف أو الجمود وهو نتاج منطقي لسماحنا أن يكون الأزهر زمنا طويلا ملاذا ومحفلا لضعاف المستوى ومحدودي الذكاء وقدرات التحصيل العلمي ليحصلوا على شهادة جامعية وتلك حقيقة عاصرناها على العقود من منتصف القرن الماضي حيث كان الفاشلون في المراحل الابتدائية والإعدادية يتجهون للأزهر إنقاذا لمستقبلهم من الضياع وهو تاريخ لا ينسى ولا ينمحي بالزمن .
ودفعنا الثمن باهظا وما زلنا ندفعه بانخراط الغالبية العظمى من هؤلاء في تنظيمات الإخوان والسلفيين معلنين ذلك أو مستترين تفضحهم المواقف والأزمات ، وفضلا عن سقوط الخطاب الديني وتعثره وفقد العقول والقلوب المتحجرة القدرة على الوصول للعامة ، فقد فشلت حتى محاولات الاجتهاد وتطوير هذا الخطاب بما يتوافق مع معطيات العصر فرأينا صراعات حمقاء وحروبا شعواء يقودها من لا يعنيهم سوى المناصب على كل فكر متجدد أو يحاول التطور أو الوصول لعامة الناس في ظل فكر متطرف يستهوي قطاعا عريضا من النفوس المريضة أو المتعطشة للظهور والثراء والتميز .
ولا شك أن الانفجار المعلوماتي الحادث منذ أقل من عشرة سنوات قد أحدث الكثير من فقدان الاتزان في كثير من المجتمعات المسلمة المتحجرة الفكر والضمير ، فجاءت النتائج الحتمية بالانحراف المخل عن دين الله سواء بالتشدد السلفي والإخواني الماسوني الموجه أو بالتسيب والانحراف الأخلاقي بحثا عن مهرب للغرق في متعه بعيدا عن متاهات الفكر الحجري والإتجار بالدين وعجز الأزهر ومؤامرات السياسة وصراعات المال والسلطة ، وسقط عامة الشعب ضحايا لكل ألوان الانحراف دون تمييز وهي تعاني من كل سلبيات الخطايا السبع التي تفشت بين العرب والمسلمين .
والخطايا السبع هي مجمل الخطايا التي لو تمكنت من شعب يصبح أمره مستعصيا ويحتاج لمعجزة أو ثورة نفوس على نفسها وهذه الخطايا السبع هي القتل والزنا والسرقة والنفاق والخيانة والضلال والجبن ، وكلها أمراض اجتماعية تندرج تحت عنوان واحد هو (من اتخذ إلهه هواه) فسيطرت شهوات النفوس لتحقق أعلى معدلات الانحراف النفسي للبشر وتنتشر كالنيران في الهشيم في البلدان التي تعاني من عدم الاستقرار والفوضى ، وهو ما نحن فيه منذ سنوات ثلاثة وهي أسباب حالة فقدان الاتزان والاتجاه والتمييز بين الحق والباطل والخير والشر ، لأن التفشي قد أصاب الغالبية العظمى ولو ببعض من هذا بالأهواء أو رغم الأنوف فصدق علينا قول إبليس .. (يا عزيزي كلنا مجرمون) .
فمن منا على الأقل لم يكن (شيطانا أخرس) في مواجهة معظم الجرائم .. فمثلا من منا لم يتقاضى أجرا عن عمل لم يعمله دون أن يهتز له ضمير ، ومن منا لم يرى ابنته أو جارته تسير في الطريق وهي تكاد تكون عارية ولم يشغل باله ولو بالنصيحة أو الاعتراض ، ومن منا لم تسرقه عيناه لمفاتن امرأة تتعمد فتنة غيرها أو اعتادت العري والعهر النفسي والجسدي ، ومن منا لم يصمت على رئيسه في العمل وهو يختلس وينهب ، ومن منا لم يصمت ويتغاضى عن جاره الإخواني الذي يخرج ليقتل ويخرب ولا يبلغ عنه ، ومن منا لم يرى من يخرب المال العام أو يسير مخالفا ولم يعترض بل ربما ربما قلده واعتاد واستمرأ فعله ، فكلنا ساهم بقدر فيما نحن فيه مع تفاوت المقادير .
ولذلك فلا مانع أن نخاطب من خانوا وباعوا ومن فسدوا واستمرءوا الفساد بكل صوره حتى أصبح الفساد سمة لهم وطباعا أصيلة لا يستطيعون التنازل عنها ، ومن عشقوا الانحراف ويتباهون بإبداعاتهم في إفساد البشر دون حياء ، ومن استهانوا بالكفر بقيومية الله فاستحلوا القتل والسحل والتعذيب والتخريب والترويع والتدمير من أجل الكرسي أو بعض المال وهم يعلمون ويدركون ولا أعذار لهم كما يقول رب العزة (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) ، فلعل الله يهدي أقواما بعد ضلال وهو القائل (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم) .
وما دام ابن آدم حيا .. فليس الطريق للإصلاح عجيبا ولا مستحيلا ، وهو يبدأ بحكم قوي موثوق فيه لا يستهين ولا يفرط ويستثني أحدا من الحساب فتستقيم النفوس ولو رغما عنها ولو ببعض الظلم لمن يوقع نفسه في الشبهات ، وهو ما تتجه له الأحوال رغم أنف الرافضين والخونة والمغيبين والذين يقاومون بكل ما أوتوا من قوة وضلال وتضليل ونفاق وخيانة ليحافظوا على مكتسباتهم من هذه الفوضى وما سبقها من انحدار وإهدار .
ولابد للإصلاح من بداية وهي قادمة لا محالة ومعها تبدأ بدايات تهاوي الفساد والانحراف الذي يلمع اليوم بشدة وتفحل محاولا اقتناص آخر مكاسبه المحرمة ولن يفيده مطلقا تاريخه الطويل في هذا الوطن ولا مؤيديه من الخونة والمغيبين فهم جبناء بحكم طباعهم ونفوسهم بل وسيكونون وقود الإصلاح القادم كما علمنا التاريخ .
وليس أبسط من صحوة ضمير لكل منا يرفض بها في نفسه أن يستمر فيما يرتكبه في حق نفسه وغيره من خطايا أو جرائم حتى ولو كانت السكوت عن خطأ الغير مجاملة أو جبنا فربما يأتي الموت فجأة كما تعودنا ولا يملك أحدنا بعدها إصلاح ما أفسد .. فهل من مستجيب ؟؟



