بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
في ليلة كغيرها .. وأنا أراجع آخر مستجدات الأحوال تليفزونيا قبل النوم توقفت مع أحد البرامج الحوارية ، وفاجأني الضيف فانفجرت ضاحكا ولكنه ضحك كالبكاء ، فقد ذكرني الضيف وهو أحد قادة المحليات بحلقات البرنامج الساخر (خميس وجمعة) ، ولست ساخرا من سيادته (معاذ الله) فليس ذنبه أن كلفوه بما هو ليس أهلا له ، ولكن أيضا لا ذنب لهذا الشعب أن معايير اختيار المسئولين قد بلغت مستويات (أفيهات) محمد نجم في مسرحياته الهزلية .
وأطمئن المتنحنحين فلم يكن سيادته ضابطا سابقا ، ولكنه يحمل الدكتوراه في أحد العلوم لست أدري ما هي ولا أريد ، فكفاه أنه فاقد للقدرة على إقناعي بأنه مدرك لمهام منصبه أو قادر على القيام بأعبائه ، وكأن الرجل جاء من زمن سحيق مضى أو أنه بديل من كوكب آخر أجبروه على الحوار المجهول وأعطوه معلومات مشوشة وهو يحاول في هدوء و (روقان دماغ عالي) أن يجمع شتاتها فيزيد الطين بلة ، أو أنه سعيد وراض بكم الفوضى والترهل والإهمال في نواحي محافظته الهامة ولسان حاله يقول (ما باليد حيلة) ، (وليس في الإمكان أبدع مما كان) ، (ولو مش عاجبكم قاعد على قلبكم) ، (وخلصوا بسرعة عايز أروح أنام) .
لست أدري هل هذا بسبب أن الرجل في عقده السابع كما يبدو من هيئته وحديثه ، أم أن سيادته لا يملك موهبة الإدارة ولا قدراتها أو ربما الرجل فاقدا لقدرات الحوار والإقناع ، ولكن في جميع الحالات يفجر في النفوس تساؤلا هاما ، كيف يستطيع إقناع مرؤوسيه بفكره أو قراراته ، وكيف يدير مسئولياته الكبرى بكل مشاكلها وهمومها وهو عاجز عن إقناع المشاهد بشخصه الكريم ، أم هو لا يقوم بشيء من كل هذا وهناك من يدير شئون مسئولياته بدلا منه .
ليس عيبا في رجل أنه لا يملك سوى مهارات تلقين العلم كأستاذ في هيئة علمية أو تعليمية عريقة أو يمارس عملا إداريا روتينيا أو قانونيا أو حتى طبيا أو هندسيا يبرع فيه ولكن العيب والكارثة أن يتولى منصبا قياديا خطيرا وهاما وهو ليس بشخصية قيادية تصلح أن تكون رئيسا لدولة (مسئولياته) كما علمونا في علوم الإدارة لأن مصالح الناس واحتياجاتهم لا يجب أن تكون تحت رحمة أخطاء معايير الاختيار المتفشية وأدوار المجاملات والتكريم والمحسوبيات والثقة .
وما أدراكم ما هي أدوار التكريم وأنماط المجاملات والتي تفشت في مصر عبر سنوات حكم مبارك الحزينة فالوزارة الفلانية حكرا على رئيس أو قائد الجهة العلانية بعد انتهاء خدمته فيها كتكريم ، والمحافظة الفلانية محجوزة لمن يتقاعد من وظيفة كذا ، بل تدرجت المجاملات حتى بلغت رئاسة مجالس الإدارات للشركات والمؤسسات والهيئات فأصبحت حكرا على نوعيات بعينها تتغير بتغير نوعية انتماء الوزير ، ورئيس مجلس الإدارة بالقطع يدخل المؤسسة ويسحب خلفه طابورا طويلا من أهل ثقته وزملاء العمل السابق المقربين بغض النظر عن انعدام خبراتهم أو تناسب تأهليهم .
فلا اعتبار لتأهيل أو كفاءات أو خبرات فكل الاعتبارات تسقط عند أعتاب أهل الثقة وأدوار التكريم والمجاملات حتى بلغت أحوال هيئاتنا ومؤسساتنا وشركاتنا حدودا مهينة ومشينة من تبادل المصالح والمنافع والسبوبة وتفشى إهدار المال العام والاختلاس والرشاوى في ظل الإحساس بعدم الاستحقاق والاستقرار فضلا عن احتمالات ترك المنصب فجأة وبلا مقدمات خاصة في الآونة الأخيرة حيث لا يأمن أيا منهم الاستمرار في ظل الإضرابات والاعتصامات .
ولسنا في حاجة لمزيد من الأمثلة التي أثق بوجود عشرات الأمثلة لدى كل مصري مهما كان موقعه فظاهرة غلول المناصب (عدم تناسب الرجال مع المناصب) أصبحت قانون حياة للمصريين في جميع مؤسسات وطنهم ، ولم يعد شيئا عجيبا ولا غريبا بل معروف ومتعارف عليه وله خطوات مدروسة ومحفوظة يتبعها الشخص ليصل لمرتبة استحقاق المناصب العليا رغم أنف البشر والحق والمصالح والتاريخ .
وتبعا لهذه القواعد فليس كل شخص يملك القدرات والمواهب المؤهلة لدخول دوائر أهل الثقة المختارين لاعتلاء المناصب ولكنها قدرات ومواهب خاصة جدا وربما نادرة ، وبالتالي فلا يمكن التفريط في أيا من هؤلاء النخبة المنتقاة مهما بلغوا من الكبر عتيا ، ومهما أساءوا وارتكبوا من الجرائم في حق المؤسسات والبشر فخبراتهم في أساليب نيل الرضا السامي تتنامى وتتعاظم بالخبرات المتراكمة بل وتزيد جرائمهم من أسباب خضوعهم وطاعتهم وولائهم فكيف يضحى بهم ليحل محلهم من هو فاقد للقدرات المنشودة أو من ليس له أذناب وذيول الولاء والخضوع ، ولتذهب مصالح الوطن والبشر للجحيم (والورق ورقنا والبنت بنتنا) .
وفي ظلال هذه النوعيات من القيادات والرئاسات الهمامة شهدت مصر وما زالت مجموعات كبيرة من المشروعات العملاقة والتي ادعى وأشاع القائمون عليها أنها تاريخية وغير مسبوقة فكانت بالفعل غير مسبوقة وتاريخية في فشلها وإهدارها للمال العام ولا عائد منها سوى في جيوبهم وحساباتهم الشخصية على غرار مشروع توشكا الوهمي ومشروعات التطوير الكبرى من أموال الاستثمار الوطنية المهدرة بلا عائد حتى سقطت مؤسسات القطاع العام والحكومية وعاصرنا بيعها والاستيلاء على آخر ما تبقى منها بالخصخصة المشبوهة والتي بلغت حدود أصول الدولة على يد الهاربين من لصوص الاقتصاد .
لا أدعي أن الجميع كذلك ولكنها ظاهرة عامة تفشت حتى تخطت حدود المسموح به علميا وعمليا وأصبحت مرضا مزمنا ينخر في جسد أمة ويدمر حاضرها والأمل في مستقبلها ، ولست أدعي أن بلادنا فقط هي من تعاني من هذه الجرائم ، ولكنني أوقن أننا من أكثر دول العالم تأثرا بهذه النوعية من الجرائم لأننا فقط (فراعنة النفوس) وعصابات المصالح قد سيطرت تماما على مفاصل الدولة منذ عقود طويلة وكما يقول العامة بلغت حدود (المصالح تتصالح) وبالقطع ليس منها مصالح العامة ولا المغلوبين على أمرهم ولا حول ولا قوة لهم إلا المشاهدة والسخرية وإطلاق النكات حتى لا يموتوا بغيظهم .. وشكرا لـ (خميس وجمعة).
ورحم الله شخصا حيا كان أو ميتا كان لقبه شهيرا ومقرقعا ، تولى يوما بالصدفة رئاسة مؤسسة تترنح وكان رجل اقتصاد وسوق بالفطرة حتى أنه في غضون سنوات قليلة استطاع النهوض بهذه المؤسسة لتغزو السوق الدولي وتحيل الديون لأرصدة محترمة وتزيد من ممتلكات شركته عدة شركات أخرى منها شركة وطنية كبيرة ، ورحل الرجل بعد سنوات لتعود (ريمة لعادتها القديمة) وتظل ذكرى الرجل أسطورة لم تتكرر والمؤسف أن أحدا لم يتعلم منه شيئا سوى الترحم على أيامه واحتراف تفريغ طاقات الغيظ والإحباط بالضحك مع .. (خميس وجمعة) .



