الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

 

هناك لحظات في عمر الإنسان يفقد فيها الاتجاه والقدرة على اتخاذ قرار ، يقف فيها حائرا منتظرا أن تأتيه الحلول من السماء ، خاصة لو كان القرار مصيريا وقد يغير من مسيرته في الحياة وربما مستقبله تماما ولو للأفضل ، وهي لحظات ينسى فيها كل ما مضى ورؤيته السابقة للأشياء والمواقف فيصيبه التوقف الذهني والنفسي في انتظار المجهول أو المكتوب ، تلك هي اللحظات التي يعاني فيها من صراعا نفسيا ما بين قيم النفس وراحتها وما تفرضه الأحوال والظروف.

ربما لا نواجه مثل هذه اللحظات ونحن في مقتبل العمر ربما لضعف الخبرة أو لارتفاع معدلات الرغبة في التغيير ولو بدون حسابات منطقية ، ولكن عندما يكون التغيير لمسيرة حياة بعد الأربعين ، يصبح الخيار صعبا وربما قاسيا إلى حد تدمير النفس أو الانكسار ، إنها لحظات أقرب إلى لحظات الطلاق بعد عشرة عمر طويلة تنكسر بها أشياء في النفس لا تصلحها الأيام ولا الأحداث حتى ولو كان هذا الطلاق هو الحل الوحيد الأصلح.

واللحظة هنا هي قرار بمغادرة الوطن للعمل في بلاد أخرى ليس بحثا عن فرصة عمل أو مال ولكنها يأس من تحسن الأحوال والأخلاق على المدى القريب ، هكذا كانت كلماته التي أسرها في أذني قائلا ( فشلت في وضع خبرتي وما تعلمته في خدمة وطني بعد تفشي الفساد والمحسوبية والسبوبة والمصالح المشبوهة وجاءتني فرصة لأحقق شيئا مفيدا للبشر ولو خارج وطني لمن يحتاجه فلن أستطيع الرفض ، ولكن حزني أكبر مني حتى أنه يعتصر نفسي ويعصف بها فلا تتهموني بالفرار ولا تلوموني لحزني) .

ولم أملك القدرة أو حتى الكلمات التي تناقش المشكلة أو تضع لها حلولا أو مقترحات لأثنيه عن قراره ، فكم من البشر حملوا رحالهم ورحلوا عن بلادنا ليصنعوا حضارة ومستقبل بلاد أخرى ، وكم منهم رحل واعتزل الدنيا داخلها والأسباب واحدة وهي عدم القدرة على العطاء في أجواء فاسدة ، ولا مجال لاستعراض مهارات التعامل مع مختلف الأوضاع فليس كل نفوس البشر سواء ولا ظروفهم متشابهة ولا أمل قريب في إصلاح أخلاق وأحوال البشر ، كما أن التلون ومرونة التشكل حسب المواقف والأحوال تأتي نتائجها دوما بالتورط في عمالة مشبوهة أو فساد محدق كما سقط الكثيرون سابقا .

ولو كان الفساد سلبيا ومقتصرا على حدود الأشخاص والمؤسسات لكان الأمر هينا ومقدورا عليه ، ولكن أن تكون مافيا الفساد قد أعلنتها حروبا شعواء لا هوادة فيها على كل أمين وصادق وصاحب علم أو خبرة فتلك هي الكارثة الكبرى ، فلا هم أصلحوا أو يعملون لصالح مستقبل وطن ولا هم تركوا الفرصة لغيرهم أن يصنعوا ما لا يجيدون عمله ، خاصة مع الإصرار على بقاء الغالبية العظمى من جيل الفساد السابق رغم تخطيه سن التقاعد على رأس هرم المؤسسات ولا رقيب ولا محاسب أو قل أنها المصالح تتصالح ولا أمل على المدى القريب .

ولعل صاحبي محقا في قراره فليس أصعب على النفوس من فقدان القدرة على العطاء بسبب فساد البيئة المحيطة لحدود العداء والمكائد وتعمد الإفساد ، وهو ما قد لا يتعرض له في بلاد أخرى غريبة بقدر ما هو في وطنه (فلا كرامة لنبي في وطنه) وتلك حقيقة نفوس البشر ، بل ربما يكون قول الله تعالى قد جاء أوانه (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) .

هكذا اختتم الحديث معي فودعته داعيا له الله أن يهون عليه ويلطف بنفسه المنكسرة حزنا على وطنه وفراقه له مجبرا وليس مختارا مذكرا إياه بأن رسول الله ترك مكة وهي أحب أرض الله إلى الله وإلى نفسه فعوضه الله بالمدينة فكانت أحب إليه من سواها ونصرا لدين الله ومركزا لقيام أمته ومثواه الأخير الحبيب إلى نفسه ونفوس كل المسلمين في الأرض .

ليست كلماتي دعوة للهجرة ولكنها قصة حقيقية ومؤلمة تحمل إنذارا حقيقيا وصارخا لظاهرة خطيرة بدأت منذ عقود مضت وتتفشى الآن وتزداد بين الخبرات والكفاءات في مصر والتي تغادر هاربة من مافيا الفساد إلى بلاد أخرى ربما عربية أو أجنبية ولكنها في النهاية إضافة لفاتورة الخسائر التي تدفعها مصر في السنوات الأخيرة .

وهي أحد المشكلات الهامة والخطيرة التي تواجه هذا الوطن والرئيس القادم على وجه الخصوص والتي يتخيل البعض أنه يحمل عصا موسى السحرية ليصلح بها كل شيء حتى فساد النفوس ، فالرئيس القادم همومه كبيرة ومعاركه شرسة وطويلة الأمد مع نفوس البشر المزمنة والمدمنة على الفساد ، ولا نملك له إلا الدعاء ومحاولة الإصلاح ما استطعنا بالأفعال والمواقف قبل الحروف والكلمات .

تم نسخ الرابط