بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
هالني كثيرا ما يصدر عن البشر من أقوال وأفعال مشينة ومهينة تنتقص وتنقض الكثير من معان الرجولة التي تلقيناها صغارا وفهمناها كبارا ، حتى أن بعضهم تكره مجرد الحديث معه وتستحي أن ينتمي أمثاله لعالم الرجال الذي يصنفونك معه فيه ، ولا أحصي مواقف ولا جرائم يرتكبها البعض بالخطأ مرة أو مرات ولكني أرى البعض يحترف اقتراف الخطايا قرير العين مستقر الضمير بل وواثقا من براءته وصدق وعدالة أفعاله وأقواله مدعيا أنها هفوات أو سقطات لابد منها ، فقد تعلمنا أن الرجولة لا تتجزأ ، فلا يجوز أن تكون رجلا في عملك ومع أصدقائك وأنت منقوص الرجولة في بيتك أو مع أقرانك وزملائك في العمل ، فالصفة لا تتجزأ أبدا خاصة ما نطلق عليها اسم (الرجولة) .
والرجولة كما يجب أن نفهمها هي أمانة أداء واجبات الرعاية الواجبة عليك ، فقد خلق الله الرجل ليكون راعيا ومسئولا وقيما على البشرية وذلك يحتاج لقدرات ومهارات أولها الإحساس بما يحتاجه غيرك ثم الإخلاص والتحمل والإحساس بالمسئولية تجاه ما ومن تحملت مسئوليته أمام الله وأمام نفسك ثم أمام الناس والقانون بعد ذلك .
فكيف برجل .. يكذب ويدعي على غيره بالبهتان والباطل ويتهمه بما ليس فيه لمجرد أنه لا يحبه أو يتوافق معه ، ربما جاز أن يصدر هذا من طفل يشوه ببراءة في أوصاف طفل آخر أو يدعي عليه حتى لو كان أخيه لينال قسطا أوفر من رعاية أو حنان والديه ، وهو ما يجب على الوالدين الانتباه له وتقويم المفاهيم لدى الطفل قبل أو يستمرأ هذا ويصبح ذلك سمة محفورة وثابتة في طباع هذا الشخص كبيرا .
وكذلك كيف يكون رجلا .. وهو لا يعنيه سوى شهواته ومكتسباته ولو على حساب حياة أو جثث غيره ، وهي تسمى في عالم الأطفال بالأنانية وهي تبدأ معهم مبكرا وإن لم ينتبه لها الوالدين فستستفحل بل وتتطور للسادية وتصبح الصفة السائدة لديه كبيرا ، بل إن الكارثة تتمثل في صناعة الوالدين لهذا المسخ بأيديهم ورعايتهم الزائدة وهو ما نراه اليوم في كثير من أبناءنا وقد أصبح ضحية مجرمة لتلبية والديه لكل مطالبه فاستقر في نفسه أن مطالبه مقدسة ولا تنازل عنها ولا حقوق لأحد ولا واجبات عليه إلا ما تمليه عليه شهواته ورغباته ، حتى اكتظت أروقة المحاكم الشخصية بقضايا الطلاق والخلع كنتيجة حتمية لممارسة الزوجين لما تعودوا عليه من سادية في بيوتهم كأطفال ، وأخطر الأمثلة لرجال فاقدون القدرة على العنة (ضعف الذكورة) ، أو مريضا نفسيا ولا يراعي سوى رغباته وشهواته دون اعتبار لحقوق الزوجة الشرعية مع إصرار على أن يقهرها تحت مظلة الزوجية ولتذهب حقوقها للجحيم ما دام هو يحصل على مبتغاه منها .
وليست هذه ظاهرة محدودة أو فردية ولكنها للأسف كانت منتشرة بين الطبقات الميسورة الحال سابقا ولكنها اليوم امتدت لتتفشى في البيوت التي ترعاها امرأة عاملة في مختلف طبقات المجتمع ، حيث يقع الطفل ضحية لسوء التربية ما بين مربية الحضانة والدادة أو الجدة والخالة وبين أم تعتبره أحد الحيوانات الأليفة التي ليس له سوى ما يحتاجه من ملبس ومأكل وأموال للتعليم وما شابه ذلك .
فإذا لم يجد الطفل من يسمع منه خيالاته وهراءاته أو شكواه ومشاعره بل والأخطر ربما أعراض أمراض حساسة لن يشكو منها إلا لأمه لو كانت متفرغة له ومراقبة جيدة للمتغيرات في طفلها ولديها القدرة والوقت للاستماع له والحديث معه ، فإذا فقد كل هذا ولم يجده في أمه فلا يملك إلا الانزواء في ركن نفسه مع تعويضها بكثير الطلبات والرغبات والتي يلبونها له ربما مرغمين بدوافع الإحساس بالذنب أو الحب أو سوء الفهم لأساليب التربية ، ولكنه في النهاية اعتاد على تلبية مطالبه كاملة ولا يتعلم معنى الواجبات الحياتية المفروضة عليه كما يقول كثير من الأمهات عن أطفالهم (كفاية عليه تعب المذاكرة في شهور الدراسة) وهو في الحقيقة قد صنعا منه حيوانا ساديا مدللا لا هم له سوى رغباته وشهواته .
ويكمل طريق الفساد والإفساد لهذا الطفل حجم التسيب في وسائل الإعلام وشبكة الإنترنت وما يعبث بكل شهوات ورغبات الأطفال والصبية والشباب والتي يقابلها في مراحل التعليم مدرسون وأساتذة ليسوا على مستوى القدوة ولا الأمانة إن لم يكونوا مجموعة من المرضى النفسيين ونتاج نفس أساليب التربية المتراكمة منذ عقود ، فنرى أستاذا في معهد أزهري يغتصب الفتيات وتحميه مديرة المعهد وهي تعلم أنه موقوف منذ سنوات لاتهامه باغتصاب رجل ومتحرش مسجل من قبل أو يضبط مدربا في أحد النوادي يمارس الرذيلة مع أمهات الأطفال والصبية وسيدة مجتمعات تدير بيتها للدعارة .
ويزيد الكارثة تدميرا ما خرج به علينا خوارج الدين الجدد من الإخوان والسلفيين وفضائحهم وفهمهم الفاسد للدين واستحلالهم للقتل والتمثيل بالجثث ثم دعارة الشوارع باسم الجهاد وصولا لزواج البنت في سن الثالثة والتاسعة وفضائح يونس والبلكيمي ليهدموا في نفوس الشباب ما تبقى من خوف واحترام لقيم الحلال والحرام ، فتكون النتيجة طوفانا من بوادر الشرك وبعض الإلحاد كوسيلة للتعبير عن رفض هذا الهراء السلفي والإخواني المتمسح والمدعي بالباطل والمتاجر بالدين أو اندفاع من البعض لرفض الدولة ومحاولة هدمها ونشر الفوضى .
ولا شك بالطبع أن هذه الكوارث النفسية والاجتماعية تجد المناخ المناسب لتناميها وتفشيها في ظل قاعدة عريضة من فساد القيم والأخلاقيات بين العامة حتى أصبح بعض هذه المفاسد الأخلاقية شيئا مقبولا ومسموحا به وبعضها أصبح مصدرا لتباهي الغالبية كالرشوة والاختلاس والوساطة واستحلال المرتب والأجر دون عمل والسير في الممنوع وكسر القانون والتنطع باسم الحرية والحماقة باسم الديمقراطية .
وبالقطع لا يمكن إنكار أن نتاج فساد تربية البنات في بيوتنا أخطر من الأولاد لأن الفتاة هي المرآة غدا وهي المربية المباشرة والصانعة لأخلاقيات الأجيال ، وامرأة واحدة فاسدة ستنتج أطفالا فاسدين مهما كان الأب صالحا ، ولكننا نركز أكثر على تربية الرجال لأن الرجل هو صمام الأمان لحدود الأخلاقيات وهو صاحب الحدود في بيته والقاعدة العامة تقول أن الرجل الصالح لن يقدم على الزواج بفاسدة وإذا حدث فالغالب أنه يستطيع تقويم أخلاق زوجته فلا تفسد وبالتالي لا تكون مصدر الفساد في تربية الأبناء .
والرجل السوي النفس من المحال أن يكون ديوثا فيقبل أن يترك زوجته أو أخته أو ابنته تخرج للطريق وهي كاسية عارية تحدد ملابسها مفاتن جسدها بالتفصيل الدقيق كما اعتدنا أن نراه بل وأصبح مستساغا وشائعا بين نساءنا ، ولا يقبل مطلقا أن يدافع عن عري ملابسهن باسم الحرية الشخصية ، وبالقطع لن يقبل أن يشارك أهل بيته مشاهدة عاهرات الفن وهن يمارسن الفواحش ويدافعن عنها باسم الفن والإبداع ، بل والغريب أننا أصبحنا نتابع قضية فلانة التي أنجبت من الزنا ونتعاطف معها ولا ندري أننا بتداولنا هذا نعطي الضوء الأخضر لبناتنا أن يقلدن كل هذا دون إحساس بالذنب أو الضمير .
والرجل السوي الذي أحسن والديه تربيته لا يخون أهله ولا وطنه ولا يقبل الدنية في نفسه ولا في أخوته وعائلته وبلده ، ولذلك نرى أستاذا في العلم أوالسياسة أو الثقافة وقد بلغ الدرجات العلى (كما نقول) فهو متعلم ومثقف ولكنه فاسد التربية فتجده ديوث الخلق قد يبيع عرضه أو خائن لوطنه ويبيعه بأي ثمن يحقق المصلحة الشخصية ، ولا مانع أن يغير رأيه مرات ومرات ويكذب ويخدع ويتآمر ولا حرج ولا رجعة ولا إحساس بالاحترام لرجولته المغتالة منذ نعومة أظافره .
وأخيرا .. وبعدما بحثت كثيرا عن معان الرجولة بين أفكار المثقفين وأقوال الحكماء وروايات الأدباء وأساطير القدماء والأمثال الشعبية التي تشكل الميراث التاريخي الموروث للبشر ، فلم أجد سببا رئيسيا لكل ما نعاني منه في بلادنا سوى اهتزاز معان الرجولة في نفوسنا وعاداتنا كنتيجة مباشرة ومنطقية لسوء تربيتنا لأولادنا ، ورحم الله والدين رحلا عن الدنيا وقد وفيا أمام الله أمانة تربية الأبناء بما يرضي الله ورسوله ، ولا سامح الله من قصر في تربية أولاده بدعوى الاستزادة من المال أوالشهرة أو مواكبة التطور وموافقة العصر أو على الطرف الآخر أفسد أولاده بممارسة الخضوع والخنوع لأفكار الفاسدين والمضللين باسم الدين فأفسد عقول ونفوس أبناءه كما نرى تلك العينات المدمرة من شباب وفتيات لا يستحون أن يرتكبوا الجرائم الإنسانية والفواحش باللسان ثم بالأفعال باسم الدين وكل الأديان منهم براء .
وصدق القائل ... ( لا تسل فسادا كم هو بالنساء .. وفينا الرجولة قد سقطت هباء ) & ( فأصل القوامة كما أرسته السماء ... في سمت طفل نرعاه انتماء ) .



