بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
(وكم ذا بمصر من المضحكات .. ولكنه ضحك كالبكاء) .. يوما قالها أبو الطيب المتنبي بعد هروبه من مصر خوفا من حاكمها كافور الإخشيدي حانقا على شعب مصر الذي لم يسانده ، فصارت عبارة تتصدر صفحات التاريخ عن سمت الحياة للشعب المصري ، فهل ذلك حقيقة أم هي ادعاءات وأباطيل مستمرة عبر التاريخ للنيل من هذا الشعب ... ؟؟
ولا يمكن نكران أن المتنبي كان حاد الذكاء وحكيما في كلماته فقد أدرك حينها كم كان بعض رجال الدين في مصر مضللين وجهلة فقال (غاية الدين أن تحفوّا شواربكم ... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم) وهو قول ما زال ينطبق على شيوخ الفتنة الكبرى في مصر الآن من السلفيين والإخوان وتوابعهم بشتى مسمياتهم .
وفي بدايات القرن الماضي وخلال احتلال الانجليز لمصر في ظل حكم أحفاد محمد علي ، قال شاعر النيل حافظ إبراهيم بيتا آخر يحمل نفس المعنى تقريبا (ويسألونك عن الكنانة .. قل أمة تلهو وشعب يلعب) ، وهو قول يصف كثيرا من أحوالنا في فترات التراخي والانحدار والتي تكررت على مصر كثيرا خلال القرن الماضي آخرها فترة حكم مبارك التي سقطت منذ سنوات قليلة وما زلنا في خضم تداعياتها حتى اليوم ، ولا شك في تكرار تشابه الأحوال في مصر عبر التاريخ خاصة في أوقات الاضمحلال والتردي للدولة وما يقابلها من ردود أفعال الشعب من التراخي واللامبالاة والسلبية ، وهي ما نراه متفشيا بكل مساوئه في واقعنا المعاصر فهل حقا تلك هي حقيقة هذا الشعب .. ؟؟
ومن الطبيعي في فترات الاضمحلال والأزمات أن يجد السفهاء والمنحرفين مجالا واسعا ليصعدوا قمة الشهرة تحت مسميات مختلفة فمثلما وصلتنا قصص ألف ليلة ونوادر وفواحش أبو نواس وأمثاله وسمعنا عن سيطرة الجواري كراقصات ومغنيات وشعراء في أروقة الحكم قديما في كثير من الأمم ، فلا مانع أن نفجع اليوم بنتاج التطور عبر الزمن لتستمر مجالاتهم المعهودة بمسميات الفن والثقافة والأدب ، فأصبح التبجح بالعري وفجاجة استباحة الفواحش ونشرها إبداعا والتنطع بطرحها ثقافة وأدب ، والدفاع عنها حرية وتطور وحيادية فكر .
بل حتى المتنطعين على استحياء من الإعلاميين وغيرهم لم يجدوا ما يعيبوه على رئيس الوزراء في قراره بإيقاف مهازل السبكي و سما المصري لنشر الفواحش والابتذال ، سوى أنه لابد أن يتفرغ لما هو أهم ويترك هذا للآليات المعنية والتي هي نفسها من أباحت ودافعت بل وتكسبت من استفحال هذه الكوارث في فكر المجتمع عبر العقود الماضية متعللين بأن فكر الفحش والإباحية ليس وليد اليوم ولكنه قديم ومتأصل منذ ظهور السينما ، وكأنه لا مانع من استمرار التدمير ما دمنا غفلنا عنه ورضينا به سابقا فأصبح لهم حقا مكتسبا يدافعون عنه باستماتة وتنطع محموم وجدال لا ينتهي دون حياء أو خجل من انتشار جرائم الاغتصاب والقتل بأيدي الصبية والفتيان ، ولا يجد مهرجا عميلا مثل باسم يوسف سوى السيسي أو ما يمسه في محاولة لهدمه كرمز للشعب لابد من تشويهه كما يأمره أسياده في أمريكا وإسرائيل .
ويصاحب هذا كثيرا من المعارك المفتعلة وغيرها من تفجيرات متفرقة وفوضى وجرائم التظاهر وأنباء الجيش الحر في ليبيا واقتتال في أقاصي الوادي وأزمات الكهرباء والفحم والغاز وارتفاع الأسعار والتصريحات المبتذلة والمتعدية والمعتدية بلا أسباب على السيسي والقوات المسلحة والشرطة ومؤسسات الدولة من بعض النخب الهلامية وعملاء الطابور الخامس والأحزاب الورقية والتيارات المترهلة ومؤيديهم من الإخوان ومدعي النشاط الثوري للأبد بلا هدف .
وبالرغم من أن كثيرا مما يحدث لم يأتي صدفة بل متعمدا افتعاله للوصول لمراحل هدم وتفكك الدولة لتحقيق الأهداف الصهيونية لمخطط الماسونية العالمي الذي يدار بواسطة أمريكا والغرب وتركيا وإسرائيل مستغلين الأموال القطرية المستباحة بعهر العائلة الحاكمة وعمالتها وخنوع وخضوع الأجنحة الدينية للماسونية المتمثلة في جماعات التجارة بالدين من السلفيين والإخوان والجهاديين للسيطرة على الشرق الأوسط والدول العربية والمسلمة ، إلا أن كل هذا ما كان ليؤثر في هذا الشعب لولا ما أصابه من سلبيات وأمراض نفسية واجتماعية جعلته يبدو وكأنه لا يبالي ولا ينتفض نفسيا ليقوم نفسه ويصلح من عوارها إلا بيقينه بوجود زعامة وقيادة أمينة وقادرة تقوده وتحميه .
وبالقطع فالشعوب محقة في انتظار الزعيم والقائد الأمين وكفاهم أدلة وبراهين على حقهم في سلبية مواقفهم أن يروا الفساد يتفشى ويتزايد في مؤسسات الدولة ولا استجابة لأية بلاغات أو استغاثات من فساد رغم كل ما يقال ويعلن ، بل ومن المضحك المبكي أن تجد بعض الإعلاميين يلبسون مسوح المقاتلين والمجاهدين من أجل الحق والعدل ومحاربة الفساد ولكنهم لا يعلنون الحرب والقتال سوى على ما لا يمس أحدا من المسئولين بسوء إلا من سقط وأصبح في عداد نوعا واحدا من الفلول المنبوذة ، ويغمضون العيون ويتغافلون عن كوارث فساد تعمي الأعين وتزكم الأنوف وكأنهم مغيبون أو من كوكب آخر .
فمن منهم لا يعلم مثلا .. أن اوتوبيسات النقل العام الجديدة قد تم استيرادها بأكثر من ضعف ثمنها الحقيقي ، وأن عربات الإسعاف البرتقالية اللون قد تم استيرادها وبيعها للدولة بأربعة أضعاف ثمنها الحقيقي ، ومن منهم ناقش تكلفة إنشاء وصيانة وصلات الطرق ، أو مساكن الدولة للشباب والتي يعلنون عنها بأسعار خيالية لصالح جيوب بعينها ، ومن منهم تصدى لتعاقدات الدولة في كثير من مشروعاتها العملاقة في السنوات السابقة ، ومن منهم تصدى لأموال بنك الاستثمار المهدرة والمستباحة منذ سنوات أو تصدى لمافيا المحاجر أو مافيا مصايد الأسماك أو تجارة اللحوم المستوردة أو مافيا الأخشاب وحديد التسليح والإسمنت أو حتى الحد الأقصى لحيتان الوزارات .. وكلها موارد توفر أضعاف ميزانية مصر .
بل وأسأل هؤلاء الإعلاميين الباكين اليوم على تفشي الاغتصاب بين الأطفال والصبية والبلطجية ، من منهم تصدى برجولة ونخوة لتفشي العري بين بناتنا ونساءنا في الشوارع كنتيجة مباشرة لاستباحة وتشجيع العري ومعارض اللحوم البشرية بين منحرفات الفن والإعلام ، بل إنهم فجعوا هذا الشعب بمن يدافع منهم عن العري باسم الحرية مستضيفين نماذج فاضحة من المنحرفات والمنحرفين باسم الفن والإبداع وحرية الفكر والتطور يدافعون باستماتة عن العري والفواحش مستغلين فتنة السلفيين والإخوان وفضائحهم ليعلنوها حربا على الإسلام وتعاليمه بالستر لمفاتن النساء ، حتى أصبحنا كمصريين نعير بنساءنا بين الدول العربية والمسلمة ظلما وزورا وكنتاج منطقي لعهر أصاب البعض منا .
حقا .. ما زال من يحكمون مصر في هذه الفترة يرون أنهم مؤقتون ولا يملكون الجرأة والقدرة على مواجهة الفساد المتراكم والمستبد بأعناق هذا الشعب ، بل ويحاولون إيهام البشر بأنهم يعملون لصالحه بكثرة الحركة والإعلانات مع قليل من الإنجاز على استحياء فيما لا يسبب لهم حرجا أو يعرض مستقبلهم لأخطار يحسبون حساباتها أكثر من أمانة المنصب والوظيفة ، وما زال أباطرة الفساد يرتعون بنهم في ثروات هذا الشعب دون ضمير أو إحساس بالخوف من الحساب ، حتى إن رئيس الوزراء السابق بلغت به الجرأة أن يتباهى بأن قراره بحظر الإخوان لا قيمة له قانونا ولا محاسب ولا رقيب .
ورغم كل هذا ... فلست مع قول المتنبي (كم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك بكالبكاء) ، ولا قول حافظ إبراهيم ( ويسألونك عن الكنانة قل هي أمة تلهو وشعب يلعب) ، بل إن نظرة شاملة لأحوال هذا الشعب وتطورات الأحداث عبر السنوات الماضية تثبت أن هذا الشعب عظيم بقدراته وميراثه التاريخي الثابت في عمق ثقافته وفكره ، ولولا هذا لانهارت مصر كما انهارت من قبلها العراق والسودان واليمن وليبيا وسوريا ، ولولا هذا ما استنجدت بها دول الخليج لتقف درعا واقيا لها وقائدا للتصدي لهذا المخطط الماسوني الصهيوني القذر .
وبرغم أنه لا أحد يعلم يقينا من سيكون الرئيس القادم رغم كل المؤشرات لصالح السيسي (فما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت) ولكن دوما يبقى اليقين والثقة في الله الذي شاء أن تسقط أوراق التوت وتتحطم على أبواب مصر وأيدي رجالها مخططات السيطرة والتقسيم تكرارا لحلقات المسلسل التاريخي لريادة وبسالة هذه الأمة (مصر) ، والتي يسخر الله دوما لها من يدير دفة سفينتها في الشدائد والأزمات بحكمة وقدرة معجزة مؤيدة من خالقها سبحانه وتعالى ، فهي كنانة الله في أرضه وعينه الصغرى التي باركها وحماها وبارك ثراها .



