الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

 

رغم أنف كل أعدائها والعملاء والخونة والرافضين والمشككين والمهترئين والجاهلين ما زالت مصر تثبت في كل يوم أنها )أم الدنيا( ومعلمة البشرية التاريخية والحصرية وصاحبة الإبداع بل وبراءات الاختراع والاستخدام لكل ما هو جديد ومتميز في مجالات نظم الحكم عبر تاريخ الإنسانية .

ليس هذا افتراضا أو افتتاء ولا حتى شعارا نرفعه لشحذ الهمم وتفجير الطاقات أو إلهاب المشاعر ولكنها الحقيقة الجلية والواضحة لأعدائنا رغم غيابها عنا ونحن أصحابها ومن يجهل حتمية الاستمتاع والفخر بالانتماء إليها ، بل أن فرضية أستاذية العالم عبر التاريخ هي حقيقة لا تقبل جدالا حتى على المستويات العلمية والأكاديمية .

والمتتبع الواعي والمدرك لتسلسل وأحجيات الأحداث في مصر منذ ثورة يناير 2011م وحتى يومنا هذا لابد وأن يدرك أن هناك من يدير الأمور بحكمة وقدرة متميزة على وضع الأمور في نصابها والتعامل مع الأحداث بواقعية وتفوق بل وهدوء أذهل العالم والغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص كرأس للقوى العظمى والمتقدمة في العالم .

وليس خافيا على أحد أن وصول الإخوان للحكم في مصر قد تم الإعداد له منذ عقود طويلة وأن التنفيذ الفعلي قد بدأ بقص شريط المشروع الأمريكي في مصر بنجاح اغتيال السادات والذي تم بتخطيط أمريكي وتواطؤ مهين وبأيدي الإخوان ، ويومها بدأت المرحلة الثانية بإعداد الإخوان للوصول للحكم كبديل لهذا المبارك وهو بالقطع كان يعلم ولا يملك سوى تأخير موعد التسليم قدر ما يستطيع ولو إلى ثلاثين عاما ، ويحسب لمبارك أنه قد سمح أو ساهم في نمو وتعاظم قوى الدولة الكامنة واستكمال قوتها وقدراتها التي بدت للعالم أجمع في الواجهة القوية المسماة بعمر سليمان عبر السنوات الأخيرة من حكم مبارك وعرفها المقربون جيدا في قيام رجال المهام الخاصة المصريون بتنفيذ أشهر وأقوى العمليات الدولية والتي تتباهى بها السينما الأمريكية في كثير من أفلام المخابرات الشهيرة على أنها قدرات لرجالها كذبا وزورا .

ولا أحد يشك اليوم أن الولايات المتحدة والغرب بأجهزة مخابراتها وعملاءها قد لعبت دورا خطيرا وفاعلا في تسريع سقوط مبارك بعد أن يئست من قبوله تنفيذ عملية تقسيم مصر وهدم جيشها رغم أنه ارتضى من قبل تحجيم قدراته في إطار مسايرة ظروف انفراد أمريكا بقيادة العالم كقطب وحيد وممارستها عليه لكثير من أنواع الضغوط السياسية والاقتصادية ، وبسقوط مبارك نجحت الولايات المتحدة وبواسطة بعض الخونة والعملاء والخانعين رغم أنوفهم أن تصل بالإخوان لحكم مصر وهو ما اعتبروه أهم وأكبر الخطوات للتعجيل بتقسيم مصر وتدمير قوتها العسكرية ، خاصة وأن الإخوان هم ربائب الماسونية وأذناب طائعة للصهيونية العالمية وأيدي قذرة وعميلة للمخابرات الأمريكية والغربية .

وفي غمار الزهو بالنصر الكبير باقتراب إتمام المخطط غفلت الإدارة الأمريكية وتوابعها من الإخوان أن هناك ماردا ما زال قابعا في قعر قمقمه متربص بالجميع ويرصد ويخطط ويعرف متى وكيف يفاجئهم بما لا يحسبون حسابه ، وظنوا أن قبول طنطاوي لتسليم مصر للإخوان وانصياعه للمطالب الأمريكية والتي أشرف عليها عنان وقادها البرادعي لإعلان مرسي رئيسا بالتزوير كان تسليما نهائيا وخضوعا دون حيلة لسطوة أمريكا وأذنابهم من الإخوان والعملاء ، وما كانوا يعلمون أنهم يساهمون في وضع أنسب مسلسل لإسقاط عملائهم جميعا وعلى رأسهم الإخوان شعبيا وتاريخيا وللأبد ، فغرهم ما تخيلوا أنه انتصار غير مسبوق فارتكبوا أكبر أخطائهم فداحة وكارثية على رؤوسهم يوم أن قرروا تنحية المشير طنطاوي من الساحة السياسية ليخلوا للإخوان الطريق بمزيد من الحرية في التنفيذ وتسريع خطوات الشرق الأوسط الجديد .

لم ينتبهوا أن طنطاوي كان صمام الأمان لمنع تدخل قوى الدولة الكامنة التي بناها مبارك ، وحافظت على بقاءه في الحكم ثلاثون عاما ، وابتلع الإخوان الطعم بعد ظنهم أنهم استطاعوا الإطاحة بآخر العقبات (طنطاوي ومراد موافي) بتدبيرهم حادث قتل جنود رفح ولم يفطنوا أن طنطاوي يهدى إليهم في رضا وصمت آخر وأغلى هداياه ليكتشفوا أن ما ظنوه خضوعا وسيطرة منهم على مجريات الأمور لم يكن سوى مفتاح نهايتهم ومقصلة رؤوسهم المتمثلة في بديله لوزارة الدفاع عبد الفتاح السيسي ، ولم يسأل أحد في الإدارة الأمريكية لماذا اختاروا أحدث شخصية في المجلس العسكري بل فرحوا كثيرا لما أشيع عن الرجل أنه إخواني ولم ينكر الإخوان هذا بل ساعدوا على نشره .

وبرحيل طنطاوي انفتح الغطاء وزالت الدروع المانعة لحرية حركة قوى الدولة الكامنة وسرعة سيطرتها على مفاتيح الدولة استعدادا للإطاحة بهذا الأخطبوط العميل والأحمق المسمى بالإخوان والذي ظن أنه قادر على حكم دولة مثل مصر والسيطرة عليها بخبراتهم في إدارة العصابات السرية ومحلات البقالة أو اللحوم والسوبر ماركت وشركات نهب الأموال ، وسرعان ما تورطوا مع كثير من الجبهات التي استغلتها قوى الدولة الكامنة كعناصر إلهاء عن حقيقة ما يدور حولهم فضلا عن انشغالهم في تنفيذ مخطط التمكين لرجالهم في مفاصل الدولة وتسريع عمليات نهب الاقتصاد والثروات لجيوبهم الشخصية ومصالحهم الخاصة ، والتركيز على تمكين الفصائل الإرهابية من سيناء ودعمهم لسرعة إعلان الإمارة الإسلامية والإسراع بترتيبات بيع الشريط الحدودي لإسرائيل مع قليل من المواجهات المحدودة مع المخابرات أو السيسي والتي سرعان ما كانوا هم من يبادرون بتخطيها ، ظنا منهم أنهم ناجحون في خطوات تنفيذ المخطط واختراق المؤسسات وعلى رأسها المخابرات وأنهم سيفاجئون الجميع في القريب العاجل بتقسيم مصر وتدمير جيشها والفوز بالكعكة الكبرى .

ولعل البعض قد لاحظ تكرار تأجيل تدخل الجيش في الأزمة التي صنعتها هذه القوى الكامنة للإخوان مع الشعب في يونيو 2013م ، وتكرار القوات المسلحة لإعطاء فرصة للإخوان ومرسي لتدارك الموقف والتي لم تكن في حسباني أكثر من مزيد من الوقت لتوفيق بعض الأوضاع وفرض السيطرة الكاملة على العناصر الفاعلة على أرض الواقع قبل الإطاحة بهذا الفصيل العميل والخائن من حكم مصر كما تم التخطيط له حتى من قبل وصول مرسي نفسه لمرحلة الترشح للرئاسة .

وأخيرا اكتشف الجميع أن هذه القوى تقوم بإحكام قبضتها جيدا على مؤسسات الدولة تباعا وقد بدأت ذلك مبكرا في عهد مرسي وما قبله حتى استيقظ الأمريكان مصدومين بقدرات عسكرية متفوقة للقوات المسلحة لا يعلمون عنها شيئا أجبرتهم على سحب قطع الأسطول الأمريكي الذي تحركت لداخل المياه الإقليمية لإعادة مرسي يوم عزله ، وصعقهم أكثر اختفاء أحدث طائرة استطلاع أمريكية فوق الأجواء المصرية ، وأذهلهم الضربات المخابراتية الموجعة والتي كانت أبسطها فضيحة تجسس الولايات المتحدة على رؤساء الدول والتي سرعان ما تبرأت منها ألمانيا أمام حليفتها بشكرها الرسمي لمصر على كشف الفضيحة ، ويتزايد يأسهم وعجزهم أمام القدرات العسكرية المتزايدة بسرعة مذهلة قفزت بالقوات المسلحة المصرية خمسة مراكز في ترتيب الجيوش على مستوى العالم في أقل من سنة وهي تعاني فيها من حرب على جيش الإرهاب التي أسقطت به دولا وأنهكت قواها من قبل في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان .

وينسى الأمريكان ومعهم أتباعهم وعملائهم أنهم تغافلوا عن حقيقة مصر وقدرها وقدرات رجالها خاصة في المحن والأزمات ، بل يبدو أنهم لم يتعلموا شيئا من مفاجأة الانتصار في أكتوبر 73 ، بل وصدقت فيهم مقولة (موشى ديان) أنهم هم من لا يقرأون التاريخ وإذا قرأوه لم يعوا أو يفهموا من دروسه شيئا ، واليوم لا شاغل للغرب وأمريكا وعملائهم إلا المحاولات المستميتة لمعرفة من يدير الأمور في مصر ، وهل هو السيسي أم أنه الواجهة الحصرية للحاضر فقط ، وخلفه الكثير ممن هم أقدر وأخطر منه ، خاصة وأنهم يرون العلامات والبراهين في خطوات ثابتة وواثقة تتم في هدوء دون انفعال أو تورط في ردود أفعال عشوائية ، لاسيما وأنهم أصبحوا هم أصحاب ردود الأفعال وقد اعتادوا أن يكونوا الفاعلين في هذا الوطن عبر عقود مضت حتى سقوط مرسي والإخوان .

ونقول لهم بهدوء .. إذا كنتم تظنون أنكم .. فقط .. القادرون على صناعة نظم الحكم الثابتة والقوية والتي تدير الأمور من خلف الستار في إطار استراتيجية قوية وثابتة فأنتم واهمون ومغيبون ولتعلموا أن هذا الشعب يحمل ميراثا تاريخيا في المدنية والحضارة ونظم الحكم لأكثر من سبعة آلاف عام على أرض مباركة ختمت أهلها ببصمات تراثها وليست بضعة عقود حزينة على أرض اغتصبوها من سكانها الأصليين غيلة ونهبا .. فاحذروا ...

جمال عمر

تم نسخ الرابط