الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

انتهينا في الحلقة السابقة عند عرض سريع لتطورات الأحداث وإشارة مختصرة عمن يحكم مصر .. وهو سؤال ما زال يحير الكثيرين وعلى رأسهم دولا عظمى كأمريكا والغرب والتي يعنيها بل ويؤرقها سقوط قدرات السيطرة والهيمنة على مصر والتي استمرت قرابة الأربعين عاما ، بل ويؤلمها أكثر انكسار مخططها الجهنمي لإعادة فرض سيطرة الغرب على بؤرة الأحداث ومركز العالم في الشرق الأوسط .. بعد سقوطه في المرة الأولى على يد عبد الناصر.

ولا شك أن الجميع قد وضع تخيلاته وتوقعاته عمن يحكم مصر سواء في الداخل أو الخارج وكان أوضح تخيل هو سيناريو عمر سليمان الذي أثارته السفارة الأمريكية بيد بعض النشطاء والمتعاملين عن قرب معها ، وسرعان ما أثير إعلاميا تساؤلا مباشرا (هل عمر سليمان ما زال حيا.. ؟؟) ، وما حقيقة الصور التي يدعي أصحابها التقاطها له بعد موته في أماكن متفرقة من العالم ؟؟ وسرعان ما طرحت نظريات متفاوتة السيناريوهات لاختفاء عمر سليمان وطرحت الشكوك الأمريكية والتي من المفروض أن الرجل قد مات على أرضها وأخرى مصرية حول من الذي مات ودفن في الجنازة العسكرية ، وما حقيقة موته وهل توفى في حادث تفجير اجتماع رجال المخابرات في دمشق كما ادعى ما يسمى بالجيش الحر في سوريا أم تم قتله بنفس طريقة ياسر عرفات كما يدعي بعض المقربين منه وفشلت محاولات إنقاذه أم سافر بالفعل للولايات المتحدة لكشف دوري معتاد وعاد جثة هامدة في ظروف غامضة ، أم كل هذا صورا متعددة ومختلفة لسيناريوهات طرحت لتختفي وراءها الحقيقة كاملة ، وهل تعلم المخابرات الأمريكية أم تم تلاعبت بها المخابرات المصرية وهناك حقيقة أخرى مختلفة .

ولا شك أن الرجل كان خطيرا ، وكان بكل معنى الكلمة هو الصندوق الأسود لكثير من الأطراف وعلى رأسها بالقطع الولايات المتحدة وحليفها الحصري المتمثل في الإخوان والجماعات المتأسلمة ومناصريها مثل البرادعي والنشطاء وكثير من النخبة المزعومة بثمنها ، ولا شك أن الرجل كان مستهدفا من الجميع فوجوده كان يهدد الكثير من العناصر والقوى الفاعلة في مصر خاصة الإخوان وهم في مستهل حكمهم ووصولهم للسلطة ، خاصة وأنه قد تم تسريب محتوى الاتفاق للظواهري مع المخابرات الأمريكية في أبريل 2012م حول هدتة العشر سنوات وحتمية تصفية عمر سليمان ، ولاشك أن خبر وفاته أثار الكثير من الارتياح بل الفرحة والإحساس بنشوة الانتصار لدى اللوبي المتآمر لتسليم السلطة للإخوان والمؤلف من الإخوان والسلفيين ومجموعة البرادعي و6 أبريل ومجموعة أيمن نور .

وسواء قد تم بالفعل تصفية الرجل أو توفى أو حتى تم تدبير اختفاءه باحتراف ، فإن الرجل ليس وحيدا فريدا من نوعه ولكنه واحدا من مجموعة قد تم تربيتها وإعدادها باحتراف على أيدي رجال المخابرات الأوائل من عهد عبد الناصر بكل ما يحملون من وطنية وجرأة وعلم وخبرة واحتراف ، فغيابه كما نتوقع لن يؤثر كثيرا في قدراتهم بل ربما يكون فرصة للعمل في أجواء أكثر راحة وتفرغ بعيدا عن صراعات جانبية مؤثرة سلبيا بقوة على إمكانياتهم على أرض الواقع .

ولعل المتابع الجيد لمجمل التطورات في الأحداث منذ بداية يوليو 2013م يدرك أن الأمور لا تدار بعشوائية أو بردود الأفعال بل على العكس فبرغم كم المشكلات الداخلية والخارجية وتصاعد وتنوع وتيرة الإرهاب الإخواني ، إلا أن الجميع وعلى رأسهم الولايات المتحدة والإخوان يلهثون خلف معلومة من يدير مصر محاولين اللحاق بما سوف يفعله غدا ، أو تفسير وفهم ما يديره على أرض الواقع حتى تسبب هذا في ارتباك الإدارة الأمريكية ومعها كل حلفاءها من الإخوان والغرب وتركيا وقطر ونشطاء السبوبة والنخبة ومن يعملون لصالحهم .

ولا شك أن استخدام المخابرات لوسائل الإعلام فيه الكثير من الحرفية والتنوع والتدرج ، حتى أننا نذكر أن توفيق عكاشة منذ فترة طويلة قد أثار موضوعات الشرق الأوسط الجديد وسط سخرية الجميع لتتحول لموضوعات للمناقشة على أيدي البعض كخيري رمضان ثم التأكيد ثم الانتشار وصولا للتعامل معه على أنه حدث حقيقي له وثائق وتسجيلات رسمية مع عبد الرحيم علي ، وفي هذ الموضوع أو غيره نلاحظ التدرج المتقن للمخابرات المصرية في العرض والإقناع من مراحل الفكرة الهزلية إلى الفكرة الجدلية ثم انتقالا بالموضوع للجدية والبراهين ونشر التفاصيل وانتهاء بمواجهته إعلاميا وتمهيد وإعداد الرأي العام لاختيار نوعية التعامل المقبل مع الموضوع ومن وراءه ، سواء كانوا الإخوان أو 6 أبريل أو البرادعي أو غيرهم ممن لم يأتي دورهم بعد ولكنهم يعلمون أنهم يسقطون .

 فلا جدال أن مصر تدار لأول مرة في التاريخ الحديث بفكر هاديء وهادف ومنظم ولا تستدرج لردود أفعال ، وهو ما يطلقون عليه فكر المخابرات ، وهو فكر لا غبار عليه وإن كان يمثل عبئا ثقيلا على من يمارسه تخضع لحسابات استراتيجية وتكتيكية دقيقة تتميز بالتنوع والمرونة العالية مع الحفاظ على ثبات الأهداف واستقرارها ، خاصة وأن المجموعة التي تدير الأمور في مصر قد قررت أن تسير بمصر لتصبح دولة عظمى في غضون السنوات العشر القادمة رغم كل ما نعرفه أو يقال عن الموقف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي والسياسي والديني وما تعانيه مصر من فوضى الثورة عبر السنوات الخمسة الماضية .

ولقد حاول كثير من رجال الإعلام كشف النقاب عمن يدير مصر وكان آخرهم طوني خليفة في حواره المستفز مع الجنرال سيف اليزل والذي برغم تخيل البعض ومنهم طوني خليفة أنه استطاع الخروج بمعلومة ولو بالإيحاء أن سيف اليزل هو واحدا من هذه المجموعة ، ولكن الحقيقة المؤكدة أن سيف اليزل قد بعث بطوني خليفة ظامئا يتضور عطشا إلى بحيرة فوق سطح المريخ تتدفق من فوهة بركان ، ولا عجب فكم من البشر بأنواعهم سقطوا بين براثن هذا الثعلب المعروف دراميا بـ (عزيز الجبالي) في رأفت الهجان .

ولعله من العبث وإضاعة الوقت التورط في البحث عن شخصيات بعينها لكشفها ، فمن كان لديه مديرا للمخابرات منذ أربعين سنة أو يزيد يشغل منصبا في التربية والتعليم ، وبديلا له في الإعلام وآخر من رجال الأعمال وبديلا لهم على رأس جماعة دينية وخامسا من أعلام الفن والأدب ، لا أعتقد أنه اليوم بالسذاجة التي تسمح لأيا من كان أن يعرف شخصيات من يديرون العمل بالفعل ، خاصة وأن أساليب الجيل الخامس من نظم الحكم والذي تدعي دول الغرب أنها سبقتنا له في منتصف القرن الماضي لم تعد سرا أو حكرا على بشر دون غيرهم وقد آن الأوان أن يتعلموا على أيدي المصريين الذين ابتدعوا هذه النظم من الحكم منذ آلاف السنين  على أيدي كهنة معبد آمون وانتقلت لأوروبا لتفشل في أيدي رعاة الكنيسة الغربية لتتلقفها اليهود وتصنع منها بروتوكولاتها الرهيبة لحكم العالم والتي تجلت في أروقة الماسونية العالمية ومجموعاتها وأذرعها المختلفة والتي تتحكم في أكثر من نصف العالم تقريبا في أسوأ استخدام لهذه النظم من الحكم .

ولعلنا نقترب بالفهم كثيرا لو تخيلنا أن الأب في بيته لا يستطيع أن يطلع أطفاله على كل تفاصيل الحياة في بيته فيكفيهم أن يجدوا ما يحتاجونه ولا يعلموا إلا ما هو في الحدود التي تقبلها قدراتهم العقلية والنفسية ، وكذلك الشعوب التي تتنوع وتختلف فيما بينها ولا يعنيها في المقام الأول سوى تلبية احتياجاتها ، بعيدا عن شعارات الخديعة الماسونية لتدمير الشعوب والأمم من الديمقراطية والحرية ، وهو ما يحتاج لقدور كبيرة من الثقة والاطمئنان لأمانة من يديرون الأمور .

أخيرا .. لابد وأن نملك الشجاعة على الاعتراف بأن من يديرون مصر هم مجموعة من الوطنيين الشرفاء والمحترفين المهرة في توجيه الأحداث والبشر ، فهم قالوا أن المتأسلمين خونة وعملاء ولم نصدقهم ولكنهم أثبتوها بأيدي المتأسلمين أنفسهم ، وهم قالوا لنا أن الغرب وأمريكا يسعون لتقسيمنا وتدميرنا كدولة ولم نصدقهم في البداية فأثبتوا لنا أنهم صادقين ، وهم قالوا لنا من قبل أنهم قادرون على حمياتنا كشعب ثم أثبتوها بالبرهان وشجاعة في أوقات الشدة ، وهم قالوا إن مصر لابد وأن تعود دولة عظمى وهم قادرون على تحقيق ذلك ، فلابد اليوم أن نصدقهم ونثق في أمانتهم وقدراتنا في ظل دعمهم والتعاون معهم من أجل رفعة هذا الوطن .

 

تم نسخ الرابط