الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

توقفنا في السابق  عند عرض إشارة مختصرة عمن يتخيل البعض أنه يحكم مصر .. وهو السؤال الذي ما زال يثير جدلا واسعا داخليا وخارجيا ، خاصة في زخم الحملات الانتخابية والاتهامات العلنية للسيسي أنه من يدير (يحكم) مصر ، ويبدو أن هناك حالة من السذاجة الفكرية  المتعمدة ربما توافقا مع حالات الارتباك التي يعاني منها المجتمع الدولي حاليا .

ويبدو بصورة أكثر وضوحا أن البعض لا يريد أن يتفهم الفارق الكبير من (الحكم) و(الإدارة) ويخلطون بينهما اعتمادا أننا من دول العالم الثالث المتخلفة والتي لا ترقى فيها قدرات البشر على الوصول لمستويات هذا النمط الراقي من ممارسة السلطة ، خاصة وأن من وصلوا لهذه المستويات قد عانوا عقودا طويلة من الفوضى المدمرة والصراعات المريرة ، ويتناسى الجميع أن هناك ميراثا تاريخيا حضاريا عميقا وطويلا يسمح بأن تستوعب بل وتهضم مصر كل أنواع التطور الإنساني وتفرز منه نموذجها الخاص والمتميز رغم كل الحسابات المنطقية والسياسية المناوئة .

وفي المفهوم الواضح أن الحكم يتميز عن الإدارة في حجم السلطة وقدرات التحكم ، والإدارة لا تعني سوى تسيير الأمور في ظل الإطار العام للأهداف الاستراتيجية التي يضعها من يحكم ، وتتفاوت السلطات الممنوحة للإدارة طبقا لمتطلبات المرحلة والظروف المحيطة والقدرات الحقيقية لمن يملك سلطة الحكم ومن هو في مواقع الإدارة ، فضلا عن التوافق الفكري والنفسي بين الفريقين وهو ما لم يكن متناغما خلال فترة حكم مبارك بل من المؤكد أن الانتقال الحقيقي لمصر لمستوى ما يطلقون عليه الجيل الخامس من نظم الحكم هذه لم يحدث إلا بعد مبارك وفي ظل حالة الفوضى العشوائية خلال فترة حكم المجلس العسكري والتي تم فيها تنفيذ مخطط الصهيونية العالمية بتسليم السلطة للإخوان قسرا.

ولعل من أهم عوامل نجاح أو سقوط الدول هو مستوى التوافق والتناغم ما بين منظومة الحكم ومنظومة الإدارة وهي التي لم يفهمها مرسي وجماعته حيث ظنوا أنهم تسلموا الحكم والإدارة معا ، ثم اكتشفوا أنها ليست سوى الإدارة فحولوا الموقف كاملا لصراع محموم في محاولات للسيطرة على المنظومتين ، فدفعوا ثمنه غاليا من كيانهم التنظيمي والشخصي كنتيجة حتمية للتعارض الشديد بين الأهداف الاستراتيجية والنوايا المستقبلية للمنظومتين ، وهو ما أدى لقيام منظومة الحكم بالإطاحة بمنظومة الإدارة كاملة في تخطيط بارع ومتقن وقدرات متميزة على توجيه الشعب ليكون حاملا لراية التغيير وصاحب القرار الفاصل في مستقبل الإسلام السياسي في مصر لعقود طويلة قادمة .

وكما رأينا اغتيال جون كينيدي وإسقاط نيكسون وفضائح بيل كلينتون ومهاترات بوش الإبن كردود أفعال وعقوبات تاريخية من منظومة الحكم ضد منظومة الإدارة ، سقط مرسي وجماعته ضحايا لمحاولاتهم الفاشلة للسيطرة على المنظومتين في أسرع وقت ممكن ودون تخطيط واع ومدرك لأبعاد وأساليب السيطرة الممكنة والمتاحة ، وربما كان عذرهم الوحيد أنهم كانوا مجبرين ومدفوعين بمن يحركهم من الخارج لتسريع تنفيذ مخطط آخر للشرق الأوسط الجديد فضلا عن جهلهم الأحمق بأساليب الإدارة للدول في ظل صدمة الفرح بوصولهم لقمة السلطة الظاهرية في مصر .

وربما في يكون اختلاف منظومة الحكم عن منظومة الإدارة دافعا للتنافس في إثراء التطور للدول من المنظور النظري والأكاديمي ولكن المنظور الحقيقي على أرض الواقع يفرض حتميات التوافق والتناغم بين المنظومتين خاصة في الظروف الصعبة والمواقف الحرجة وهو ما نراه واضحا في تولي حكومات عسكرية إدارة الدول في حالات الحرب والاضطرابات الداخلية أو الإقليمية البعيدة المدى ، ولذلك فمن الضروري والمحتم أن يكون رئيس مصر القادم ومن سيقود منظومة الإدارة لمصر على قدر كبير من الفهم والتوافق والتناغم المتميز مع منظومة الحكم .

وقد تختفي علامات وجود منظومة الحكم تماما في حالات تواجد شخصية قوية وفاعلة ومسيطرة على قمة منظومة الإدارة في أية دولة ، ولكنها أبدا لا تنمحي ولا تذوب ولا تختفي مطلقا ، ولكنها تظل كامنة ومتماسكة وتزداد تماسكا وقوة ودعما لمنظومة الإدارة كلما اختفت عن الأنظار ومواقع الأحداث ، ولكن علامات وجودها تظهر بقوة وربما بوضوح في أوقات الشدة والاضطرابات والحروب لتثير التساؤل التاريخي المعتاد (من يحكم .. ؟؟) .

وكما نكرر دوما .. لا معنى ولا أهمية لأن تعرف حقيقة شخصيات منظومة الحكم في أي دولة ، ولكن الأهم أن تجيد فهم واستيعاب استراتيجيات هذه المنظومة سواء في وطنك أو في الدول المؤثرة عليه بطريق مباشر أو غير مباشر ، سواء كنت مواطنا أو حتى مسئولا في منظومة الإدارة في الوطن ، وذلك لأن هذا الجيل والمستوى من منظومات السلطة قد تجاوز بكثير مراحل الحكم الفردي أو حكم العشائر والقبلية والتي يتعلق دوما بأشخاص وشخوص بعينها ومن السهل السيطرة عليها من الخارج أو الداخل وبالتالي من السهل إفسادها أو تفشيلها وتوجيهها لما هو في غير صالح الأوطان كما نراه في دولة مثل قطر .

وربما المتابع الجيد والواعي لما تفرزه الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة السيسي وصباحي يكتشف خيطا رفيعا وحادا يوضح الفوارق الجوهرية بين الاتجاهين المتناقضين تماما ، فصباحي ما زال حالما أنه النسخة الحصرية لزعامة عبد الناصر رغم إهداره لقيمتها بسلوكياته الشخصية وتصريحاته العنترية الجوفاء وهرتلته وصراخه المتواصل وهلعه على الوصول للسلطة بأي ثمن ، فضلا عن تعريض نفسه للإساءة والتجريح المباشر وغير المباشر  ، وفي المقابل لدى السيسي هناك هدوء وثقة وحزم ومصداقية ووضوح للخطوط العريضة لاتجاهات الفكر والنوايا المستقبلية دون التورط في وعود أو تصريحات جوفاء أو خارج حدود صلاحيات المنصب .

وهنا يتضح الفرق ما بين شخص هو مرشح لمنظومة الحكم الحالية رغم أنف أي اتجاه أو كيان ، وبين مرشح أكسيدي ساقته أقداره أن يكون دوما عاملا مساعدا لا فاعلا أو هامشا لصفحة في التاريخ أو بروازا لصور غيره في مواقع السلطة في مصر ، وهو قدرا لا يملك معه سوى الانزلاق في استكمال ما سطر له ، ظنا منه أنه ربما يستطيع أن يثب يوما لداخل البرواز أو يغافل التاريخ سهوا ليصبح ولو سطرا في صفحاته ولكنه في النهاية قدره أن يكون محترقا ليضيء لغيره والصورة والطريق .

 

 

تم نسخ الرابط