بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
في لحظة توقف إجباري مع النفس كالعادة .. في عزاء أحد الأصدقاء .. سمعت قول الله تعالى (وفي أنفسكم .. أفلا تبصرون) وكأنني أسمعها للمرة الأولى في حياتي فتوقفت كثيرا عندها وعند آيات بعينها تتحدث عن النفس وخلقها وحركاتها وأحوالها وصفاتها وبدايتها ونهايتها ووجدته في كتاب الله موضوعا شيقا وخطيرا ومتكاملا وأصدق من كل كلام البشر .. فمن أصدق من الله قيلا ... ومن أصدق من الله حديثا ...
فوجدت .. أنه من حكمة الله في خلقه أن جسد الإنسان لا يتحمل تواجد النفس فيه بصفة مستمرة أكثر من زمن محدود بعدها يفقد الجسد قدرته على الاستجابة للنفس في رغباتها وأوامرها فلابد للإنسان أن ينام لساعات معينة تختلف من شخص لآخر وطبقا للعمر والحالة الصحية والنفسية ولكنه في النهاية لابد وأن تغادر النفس هذا الجسد للنوم ليرتاح الجسد ويعيد صيانة ما أتلفته النفس باستمرار تواجدها واستخدامها له لفترة طويلة .
تغادر النفس الجسد للنوم كما تغادره عندما يموت ابن آدم ولكنها عند النوم تتركه جسدا حيا مكون من مادة تحييها الروح والتي هي سر الإحياء من الله لكل مخلوقاته الحية ، فأين تذهب وكيف تعود ؟؟ ذلك ما يعلمنا سبحانه وتعالى إياه في سورة الزمر {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالله يسمح للنفس بمغادرة الجسد للنوم لتعود له مرة أخرى للاستيقاظ ، ولكن في حالة الموت يمسك الله النفس فلا يسمح لها بالعودة للجسد وذلك باسترداد (سحب) سر الإحياء من الجسد وهو الروح فيتحلل الجسد ويعود ترابا كما كان من قبل فتصبح النفس بلا جسد فاقدة وسيلتها للتعامل مع الحياة .
ولا ننسى أن الخالق قد كتب على كل نفس (أن تذوق الموت) كما تتذوق كل شيء في الحياة ، فهي كما ذاقت الشهوات والمتعة والألم لابد وأن تتذوق آلام خروج الروح من الجسد وهي آلام مختلفة وشديدة وربما كانت سهلة ميسورة على البعض كما يشاء سبحانه ولكنها غريبة وتتذوقها النفس يوم مغادرتها للجسد لآخر مرة وبلا عودة إلا ما شاء الله .
يتوفى الله النفس بعد فقدانها للجسد وينشئها في نشأة أخرى والتي يصفها سبحانه بقوله { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ }الواقعة 60 ،61 ، 62 ، هكذا يقرر الله سبحانه وتعالى أنه ينشئ النفس بعد خروجها من الجسد لموته في نشأة جديدة أخرى ، ربما في جسد آخر بحياة أخرى على الأرض وربما في حياة أرقى في كوكب آخر وربما أقل شأنا في شكل آخر للحياة ولكنها نشأة مماثلة تماما للنشأة الأولى التي يذكرنا الله بها بقوله سبحانه (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ) وهي النشأة التي حدثنا الله عنها في سورة المؤمنون من قبل بقوله تعالى {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، فبعد مرور هذا الكائن الجديد (الجنين) بأطوار خلقه من خلية لنطفة لعلقة في الرحم لمضغة ثم لجسد من عظام ثم كساها لحما واكتملت كل أجهزته الداخلية ، يكون الجسد قد مر عليه 120 يوما (أربعة شهور) وأصبح جاهزا لاستقبال النفس والتي بدخولها فيه للمرة الأولى قد أصبح الكيان الجديد (خلقا آخر) مختلفا عن كل الأطوار السابقة فقد أصبح إنسانا ، وتبدأ النفس في التدرب على استخدام الجسد لخمسة شهور كاملة في احتضان كامل داخل رحم الأم تمهيدا لخروجه للتدريب على استخدام الجسد إلى جوار وفي رعاية الأم لسنوات قبل أن ينضج ويصبح قادرا على تحمل مسئولية نفسه .
ووجود النفس في صور الحياة في الجسد محدد بآجال (أعمار زمنية) يذكرها سبحانه وتعالى بالأجل والأجل المسمى ، فالأول أجلها الذي تحياه على الأرض في الصورة التي نعرفها جيدا والآخر أجلا هو امتداد لممارسة الحياة في شكل آخر ولا يعلم مدة كل منها سوى الخالق العظيم ، فالنفس كما يعلمنا خالقها في كتابه هي أصل الإنسان ولبه وعين كينونته ولا علاقة لها بالجسد أو الروح واللتان لا يمثلا للإنسان في اتحادهما أكثر من مطية حية ووسيلة التعامل على الأرض ، فإذا فسدت العلاقة بينهما وتركت الروح الجسد أو فسد الجسد أو دمر فلا تستطيع النفس استخدام هذا الجسد مرة أخرى .
ولذلك هناك فارق كبير بين الموت والقتل ففي الحالتين تذوق النفس حالة (خروج الروح) بأمر ربها من الجسد أيا كانت الأسباب فتفقد مطيتها ووسيلة تعاملها مع الحياة على الأرض ، ولكن الموت تدخل في قراره نفسا أخرى أعطت لنفسها الحق في سلب النفس حقها في الحياة وهو حق مطلق لله وحده ، ولذلك يذكر الله في الديانات القديمة (أن الإنسان بنيان الرب وملعون من هدم بنيان الرب) وفي القرآن {..... أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ... }المائدة32 .
وما بين لحظة النشأة الأولى بدخول النفس في جسد الجنين بعد اكتمال أطوار نموه بنهاية الشهر الرابع وبين لحظة تذوق هذه النفس للموت بخروج الروح من الجسد الذي تحتله وفقدانها لوسيلة التعامل مع الدنيا وهو الجسد الحي ، تمارس النفس حركة الحياة بواسطة هذا الجسد بل وتغادره يوميا للنوم أو الإغماء وربما الغيبوبة ليقوم الجسد بأعمال الصيانة وإصلاح ما تلف منه ويستعيد نشاطه وقدرته على الاستجابة لطلبات وشهوات النفس ، بينما تنطلق النفس عند النوم في الكون لمجال أوسع كثيرا في ملكوت الله ولكنها في حدود ما يسمح الله ويشاء به لها لترى من آيات الله وتمارس الكثير مما لم تستطع ممارسته بالجسد ثم تستيقظ ناسية أو متذكرة لتفاصيل رحلتها وهو ما نسميها بالرؤى والأحلام ومعرفة حقيقتها وأبعادها هو علم كبير ومتشعب سنتعرض له لاحقا.
والنفس البشرية هي من أعقد وأرقى ما خلق الله من مخلوقات على الأرض ولذلك نجد أنه من العجيب أن الله عندما حدثنا عن الحدود والفروض كانت في حدود المائتين آية ولكنه سبحانه عندما تحدث عن النفس وخلقها وحركاتها وتعاملاتها تجاوزت الثلاثمائة آية ، والأعجب والأغرب أن المسلم يتمسك ويأول ويحور في آيات الحدود والفروض حتى يفسدها ولكنه أبدا لم يقترب من هذه الآيات والنتيجة أننا ما زلنا نخلط خلطا أحمقا ما بين الإنسان (النفس) وبين الروح والجسد وما زلنا ندرس في كلياتنا ومعاهدنا هذا الخلط الغريب بل ويستعذب أساتذة وعلماء المسلمين أن يتحدثوا عن النفس بنظريات البشر بداية من أفلاطون فإدلر مرورا بباندورا وهافلوك ورايش إلى فرويد مؤسس التحليل النفسي فجالتون إلى ويليم جيمس وبافلوف ثم سيبرمان إلى يحى الرخاوي وانتهاء بشهيناز النجار وبينهم عدد هائل من العلماء والمحللين للنفس البشرية ولكنهم أبدا ما نتج عنهم فكر محدود بما أقره الله خالقنا وخالقهم فيما خلقه من نفوس ، وانتقل هذا الخلط الغريب بالطبع لأدبياتنا فأصبحت مغلوطة ومتجاوزة الحقائق العلمية المؤكدة بآيات الله في كتابه العزيز والذي يقول عنه سبحانه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42 .
فالنفس البشرية هي الإنسان وهي صاحبة الإرادة والقرار في كل ما يريده الإنسان وما الجسد إلا وسيلة للتعامل مع حركة الحياة على الأرض ، وهذه الوسيلة جعل الله لها مكونات محددة ولهذه المكونات قدرات وإمكانيات ، وأول المكونات هي المخ وهو مركز القيادة الذي تحتله النفس لتقود هذه المركبة الربانية في تلاحم وتناغم معجز فإذا فسد هذا المخ أو جزء منه لأي سبب فقدت النفس قدرتها في السيطرة على الجسد تبعا لمقدار التلف ، ولذلك فقرارات الإنسان جميعها نفسية وما المخ إلا وسيلة لعرض البيانات والمعلومات والبدائل كما تستخدمه النفس في السيطرة على باقي المكونات ، ولذلك فالفارق كبير بين المخ والعقل فالعقل هو النتاج المنطقي لعمل النفس باستخدام آلة العرض وهي المخ المادي ، ولذلك فالفهم هو صفة نفسية تتعلق بقدرات النفس على الوصول للحقائق وإدراك الأمور ، والذاكرة أيضا نفسية ولكن النفس تستخدم المخ لعرض وإظهار ذكرياتها وفهمها للأمور وفساد آلة العرض أو جزء منها قد يعطل الوظيفة ولكنها أبدا لا يلغي وجودها أو يمحوها ولذلك يمكننا القول بأن الذكاء هو نتاج تميز أداء النفس في عملها على جهاز مخ متميز ، وكذلك هو الفارق بين القلب والفؤاد والبصر والبصيرة والإحساس والمشاعر وغيرها من المترادفات الإنسانية .
هكذا علمنا من خلق الإنسان والكون من حوله ما هي النفس ، بل وزادنا توضيحا لطبيعة خلقها وانقسامها لذكر وأنثى ليتعارفوا وينتجوا أجيالا مستخلفة وكيفية عودة النفس للسديم الواحد كوحدة متكاملة يوما ما ، وهو ما يسقط ادعاءات وتخيلات البعض عن يوم القيامة ولمن تكون الحور العين وأين تذهب النساء في الآخرة .. وهو حديث المرة القادمة ...



