بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
توقفنا في المرة السابقة عند المعضلة الجدلية الأزلية والتي عالجها بعض المصريون بخفة ظل مؤلمة .. فادعوا أن الرجال فقط لهم حور العين في الجنة وأن النساء في الآخرة سوف يعذب بهم الكفار والمشركين نكالا لهم على تعذيبهم للرجال في الدنيا ، ولا شك أن صراع التنكيل بين المرأة والرجل قد أثارته كثيرا من تفسيرات القرآن على أهواء السلف وفي حدود تخيلاتهم القاصرة دون التركيز في معان الآيات وتدبر آيات القرآن التي تفسر وتشرح بعضها بعضا .
ولو أمعنوا التدبر في آيات الله لاكتشفوا أنهم ليسوا مخطئين بقدر ما هم مجرمين في حق الله تعالى ثم في حق البشرية بتغليب نوازعهم ورغباتهم البشرية على حقائق علوم خلق الله ، فأولا لم يعد الله جنسا بعينه بشيئا في الجنة بل دوما يكون الخطاب بـ .. (لهم) والأهم أن الله سبحانه وتعالى يؤكد في خمسة مواضع في سور (النساء/1 – الأنعام/98 – الأعراف/189 – لقمان/28 – الزمر/6) على أن خلقه للإنسان كان من سديم نفس واحدة متكاملة ، ثم شطرها لجزئين ذكر وأنثى وجعل منهما الأجيال المتعاقبة والمستخلفة على الأرض ، ثم يؤكد سبحانه وتعالى في سورة لقمان أن النفس كما بدأت في خلقها (نفس واحدة) قبل انقسامها لذكر وأنثى لابد وأن تعود (كنفس واحدة) مرة أخرى بالبعث وذلك بقوله {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 بل ويزيد التأكيد بقوله في معرض ذكر علامات يوم القيامة في سورة التكوير {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ليؤكد للبشر أن يوم القيامة تبعث النفوس وحدات متكاملة لا ذكر ولا أنثى ولذلك فلا عجب لو أقر الله تعالى بقوله سبحانه {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، وكيف يكون هناك أنساب وقد تلاشى وجود الذكر والأنثى .
وبالتالي فالحور العين هي مكافأة من الله للنفس المتكاملة يوم القيامة وليست للذكر دون الأنثى ويبقى الحديث والنقاش كيف يكون الحساب للنفس المتكاملة (ذكر + أنثى) والمختلفان في الخير والشر وربما الزمان ، وكيف ومن سيجمع على من ؟؟ وكيف تستمتع النفس المتكاملة بالحور العين ونحن نتخيل أن الحور العين إناث ولسن ذكورا وأسئلة كثيرة أعفانا الله من التفكير في كيفيتها ولا قبل لعقولنا ببلوغها والتدبر فيها ونحن على الأرض في أجساد لها قوانينها طبقا لناموس الله فيها ، ولو علمنا ما لا نتخيله ولا مثيل له بين أيدينا ، فمن المؤكد سوف تكون له أضراره الجسيمة على نفوسنا وعقولنا كبشر يحيا على الدنيا ، بل إن الله أراح البشر فيما يحلمون به في الجنة وقال لهم عما لهم في الجنة {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ }يس57 ، بل وقال لهم أيضا {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ }فصلت31 فجعل لهم في جنته كل ما يدعونه ويحلمون به ويتخيلونه بل وقال عنها رسول الله (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) .
وقبل أن ننتقل لجانب آخر من النفوس لابد وأن نقف عند تحليل سيجموند فرويد وإجماله لحركات النفس وتوجهاتها كنتيجة مباشرة للشهوة الجنسية فهو تحليل جانبه الصواب إجمالا ولكنه صحيح جزئيا من وجهة نظر سعي كلا من نفس الذكر ونفس الأنثى للتكامل ، فسعي البشر للتكامل والعودة للأصل هو السديم الواحد والوحدة المتكاملة يشكل دافعا متميزا لحركة الحياة لتحقيق الغرض الذي خلقنا الله من أجله وهو إعمار الأرض كخلفاء له عليها ، ولكنه ليس الغرض ولا المحرك الوحيد ولا الرئيسي لحركة الحياة وإن كانت المعاشرة الجنسية لشخصين تحديدا تتوفر بينهما درجات من التوافق النفسي هي أجمل الدوافع وأرقاها لتوفير جوا من السعادة والرضا بين النفوس بجرعات التكامل الجسدي والنفسي ولكنه ليس الأساس في الحياة ولا الغرض منها ولا هو سر سلوكيات حتى الأطفال في نموها كما يقول فرويد وبالتالي لا يجب أن تكون ممارسة الجنس تعاملا متفشيا بين الجنس البشري عامة دون قيوده وحدوده وإلا تحولت الحياة لبيت دعارة كبير .
وفي معرض التوافق النفسي لابد وأن نقف عند حديث خطير لرسول الله يقول فيه (النفوس جنود مجندة ما تعارف منها ءأتلف وما تنافر منها اختلف) وهي حقيقة بشرية فالنفوس لا تقبل إلا ما يتوافق معها ولذلك نهى الله أن يجبر بشر على الزواج بما ترفضه نفسه وجعل موافقة الأنثى شرطا للزواج ، ويعد الزواج باطلا لو أكره طرف على الزواج ذكرا أو أنثى ، ونلاحظ التنافر والائتلاف في تعاملاتنا اليومية كثيرا بل ويمكننا أحيانا أن نقول فلان يتوافق مع فلان أو يختلفان من قبل أن يلتقيا لأنها توافقات نفوس وإن كانت مادية الحياة وتورطنا في الشهوات قد طغت على الكثير من البشر فساءت بينهما التقديرات وبالتالي العلاقات والتعاملات لأنهم أهملوا مراعاة التوافق النفسي في تعاملاتهم في الحياة .
والنفوس ككل شيء خلقه الله تعالى ففيها القوي وفيها الضعيف ولذلك نشعر بقوة النفوس فنقول عن شخص ذكر أو أنثى أنه صاحب شخصية قوية رغم أنه قد لا يمثل سلطة ولا مالا ولكننا نشعر بقوة شخصيته ، ولذلك فنجاح الحياة يعتمد كثيرا على توافقات النفوس وسيطرتها على بعضها البعض ، فبعض الرجال لا يحيا ولا يستمتع إلا في كنف شخصية قوية لامرأة أو رجل والقاعدة في النساء أنها ترتاح وتسعد في كنف شخصية قوية لرجل صاحب نفس مسيطرة والبعض منهن متمرد ولا يحيا إلا مسيطرا ، وفي الدنيا أنواع متباينة من النفوس والعلاقات ولا يوجد نمط مثالي في الحياة على الأرض لأنها ناموس النسبية الذي فرضه الخالق فمن هو قويا اليوم قد يقع ضعيفا في موقف أو مع أحد آخر وتلك حكمة الله لاستمرار الحياة بالأخذ والعطاء لتستمر الحياة .
والنفوس في خلقها تمثل منتهى التعقيد ومنتهى البساطة في آن واحد ، فلا تستطيع أن تفرض على النفوس قانون واحد أو نظرية يخضع لها كل البشر قسرا أو إجبارا ولكنك تستطيع أن تمتلك ملايين النفوس بالرضا والكلمة طيبة فقط ، فالنفوس جبلت على عشق الطيب من القول والفعل ، ولذلك فأبسط وأروع ما أوصانا به رسول الله هو البسمة والكلمة الطيبة فهما دواء للنفوس وتقريب بين البشر ، وإصلاح وتقويم للنفوس ، لأن اعتيادك الطيب من القول والبسمة في وجوه الآخرين سيعود عليك بكثير من حبهم ورضاهم وهو ما يثري في نفسك كل طيب وحب للبشر والحياة ويمكنك من التغلب على مصاعب الحياة والبشر وشرورهم .
ومن يريد أن يتعلم طبيعة خلق الله للنفوس فلينظر في نفسه وهذا مختصر لأمر الله تعالى للبشر {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، ولكن عندما تنظر لنفسك لا تنظر لمكمن الضعف والشر فيها بقدر ما لابد وأن تنظر لمكمن القوة والخير فيها فما تنتظره من الناس هو ما لابد أن تنظر إليه ، واعلم أن الله قد خلق ابن آدم وهو شديد الحب للخير {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، فإذا كنت مريض النفس ولا ترى خيرا في نفوس الناس فاعلم أنه ضعف في نفسك وانحراف وليس في الناس ، ولا تستشهد بكثرة ما تراه من شر فأصحاب الشر مثلك لم ينظروا سوى للشر في البشر فتبعوه وهم بالقطع قد أساءوا الظن بالله ولو أحسنوا الظن كونه سبحانه صاحب الأمر ولن يأتيهم سوى ما قدره الله ، لأتاهم كل الخير وجنبهم الله الشر ولكنهم أساءوا الظن بالله والذي أخبرهم من قبل (أنا عند ظن عبدي بي ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر) فالنفوس بما تضمره من نوايا ومخاوف من البشر ترتكب الشرك بالاعتقاد أن لمخلوق قدرة على تغيير أمر الله ، فتجر على صاحبها ما يستحقه .
ولا شك أن النفس البشرية صاحبة رغبات وشهوات عملاقة تتجاوز طاقات وإمكانات الجسد الذي تحيا من خلاله وتتعامل مع الحياة على الأرض ولذلك لا يتحمل الجسد النفس فيه كثيرا ولابد لها أن تغادره عند تعبه وعدم قدرته على الاستمرار ليستريح الجسد ويعيد صيانة ما أتلفه سوء استخدام النفس وطول فترة احتلالها للجسد ، وربما تغادر النفس الجسد عند شعورها بالإحباط أو الحزن الشديد أو عند تعرضها للهلع والخوف مثلما يحدث في الحوادث الخطيرة والمفزعة وفي جميع الحالات تغادر النفس الجسد ، والمعتاد أن تغادره يوميا لساعات محددة للنوم فتتجول خلالها في ملك الله فترى حقائق وربما أحداثا سوف تحدث أو قد حدثت بالفعل ولا تعرف عنها شيئا ، وربما ترى أكوانا وحيوات أخرى قد لا تستطيع وصفها ولا خطرت على قلبها من قبل وربما ترى ما لم تستطع فعله في وجودها في الجسد ، وهذا ما نراه في أحلامنا أثناء النوم وهو ما سوف نتعرض له لاحقا ...



