بقلم : طارق الشناوى
كنت مثل الملايين أتابعه عبر شاشات الفضائيات وهو يحيل أي لقاء يظهر فيه إلى نوع من الرؤية العقلانية لا صخب ولا ضجيج ولا خروج عن الآداب ولا تجاوز لحدود الأدب، التي صارت مع الأسف هي شريعة اللقاءات التليفزيونية في برامج التوك شو، بلغت قدرة الأستاذ سعد هجرس في هذا الشأن إلى أنه كان يفرض على الجميع المختلفين معه قبل المتفقين أن يضبطوا إيقاعهم عل إيقاعه.
عرفته بالطبع قبل ذلك بربع قرن ككاتب سياسي واقتصادي من الطراز الأول، كان صوته قبل 25 يناير معلنا بكل قوة رافضا للتوريث وفاضحا لفساد مبارك ولهذا كان من أكثر الوجوه التي عشناها في بدايات الثورة داخل ميدان التحرير بينما العديدين كانوا منتظرين على الخط يترقبون الكفة الراجحة لإعلان الولاء والمبايعة.
كانت لقاءتنا عابرة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة حتى التقيته في مهرجان "السينما المصرية الأوروبية" الأول الذي عُقد قبل عامين في الأقصر، ـوفي عز حكم الإخوان كان رافضا بل وفاضحا لهمـ وعلمت من صفحات الجرائد بإصابته بالسرطان في الرئة و ما استوقفني وابهرني أنه تلقي العلاج بالكيموثيرابي وعاد مرة أخري إلى ممارسة نشاطه المعتاد في الكتابة والحديث عبر الفضائيات يمتعنا بفكره وصوته ولم يشعرني أبدا أنه يعاني من مرض شرس، كانت ابتسامته كما هي ووجه لم يحمل سوى الصحة والعافية وأيقنت أن هذا الرجل استطاع التغلب على المرض بإصراره على الحياة.
التقيته في السعودية في مهرجان "الجنادرية" قبل ثلاثة أشهر لم أجد شيئا مختلفا سوى عصا كان يتكئ عليها، ولكن لا شيء أخر وبمجرد أن وقعت عيني عليه لم أتركه، كان أكثرنا حرصا على حضوره للفعاليات والندوات التي تخصصت في تناول الإسلام السياسي وارتباطه عند البعض بالعنف وكثيرا ما كان يصحح المعلومات أو يضيف بُعدا تاريخيا أو نفسيا لما يتردد على المنصة، وقال لي في نهاية المهرجان الثقافي أنه كان يريد أداء العمرة ولكنه يخشي الإنهاك من السفر، وروي لي أنه عندما كان جنينا حجت والدته للبيت الحرام، وابتسم قائلا أنه يعتبر نفسه في هذه الحالة أصغر حج في التاريخ وضحكنا، والتقيته مرة أخرى وأخيرة بالصدفة في احد التسجيلات المسائية بقناة "سكاي نيوز" عربية، سبقني على الهواء في القضية السياسية وبعده كان لقائي الفني وهمس مسؤول المحطة في أذني بأن السيارة التي من المفروض أن تعيد الأستاذ هجرس إلى بيته تعطلت فهل أوافق على أن نستقل سيارة واحدة، وكدت أطير من السعادة بهذا اللقاء الذي سيمكنني أن أكون في صحبة الأستاذ وقلت له أنني استعد للسفر إلى مهرجان "كان" فحكى لي عن رسالة حملها إلى باريس كتبها بالفرنسية صلاح جاهين قبل نحو 30 عاما لكي تصل إلى داليدا وأن الصديق المشترك بينه وبين صلاح جاهين قال له غدا نذهب إليها وفي صباح الغد جاءهم خبر انتحارها وكان يقول لي هل لو قرأت خطاب صلاح جاهين لتراجعت عن الانتحار.
وقرأت في الصحف أن الأستاذ عاد للمستشفى واتصلت به فجاءني صوته قويا مؤكدا أنه سيتغلب على تلك الوعكة قريبا، حتى جاءني خبر الرحيل، وانا في الأيام الأخيرة في "كان" لأفقد أربعة من الأصدقاء، في تلك الرحلة التي لم تتجاوز أسبوعين فايز غالي، وحسين الإمام، ومدحت السباعي، وسعد هجرس، ويجعلها الله أخر الأحزان!!
*عن التحرير
كنت مثل الملايين أتابعه عبر شاشات الفضائيات وهو يحيل أي لقاء يظهر فيه إلى نوع من الرؤية العقلانية لا صخب ولا ضجيج ولا خروج عن الآداب ولا تجاوز لحدود الأدب، التي صارت مع الأسف هي شريعة اللقاءات التليفزيونية في برامج التوك شو، بلغت قدرة الأستاذ سعد هجرس في هذا الشأن إلى أنه كان يفرض على الجميع المختلفين معه قبل المتفقين أن يضبطوا إيقاعهم عل إيقاعه.
عرفته بالطبع قبل ذلك بربع قرن ككاتب سياسي واقتصادي من الطراز الأول، كان صوته قبل 25 يناير معلنا بكل قوة رافضا للتوريث وفاضحا لفساد مبارك ولهذا كان من أكثر الوجوه التي عشناها في بدايات الثورة داخل ميدان التحرير بينما العديدين كانوا منتظرين على الخط يترقبون الكفة الراجحة لإعلان الولاء والمبايعة.
كانت لقاءتنا عابرة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة حتى التقيته في مهرجان "السينما المصرية الأوروبية" الأول الذي عُقد قبل عامين في الأقصر، ـوفي عز حكم الإخوان كان رافضا بل وفاضحا لهمـ وعلمت من صفحات الجرائد بإصابته بالسرطان في الرئة و ما استوقفني وابهرني أنه تلقي العلاج بالكيموثيرابي وعاد مرة أخري إلى ممارسة نشاطه المعتاد في الكتابة والحديث عبر الفضائيات يمتعنا بفكره وصوته ولم يشعرني أبدا أنه يعاني من مرض شرس، كانت ابتسامته كما هي ووجه لم يحمل سوى الصحة والعافية وأيقنت أن هذا الرجل استطاع التغلب على المرض بإصراره على الحياة.
التقيته في السعودية في مهرجان "الجنادرية" قبل ثلاثة أشهر لم أجد شيئا مختلفا سوى عصا كان يتكئ عليها، ولكن لا شيء أخر وبمجرد أن وقعت عيني عليه لم أتركه، كان أكثرنا حرصا على حضوره للفعاليات والندوات التي تخصصت في تناول الإسلام السياسي وارتباطه عند البعض بالعنف وكثيرا ما كان يصحح المعلومات أو يضيف بُعدا تاريخيا أو نفسيا لما يتردد على المنصة، وقال لي في نهاية المهرجان الثقافي أنه كان يريد أداء العمرة ولكنه يخشي الإنهاك من السفر، وروي لي أنه عندما كان جنينا حجت والدته للبيت الحرام، وابتسم قائلا أنه يعتبر نفسه في هذه الحالة أصغر حج في التاريخ وضحكنا، والتقيته مرة أخرى وأخيرة بالصدفة في احد التسجيلات المسائية بقناة "سكاي نيوز" عربية، سبقني على الهواء في القضية السياسية وبعده كان لقائي الفني وهمس مسؤول المحطة في أذني بأن السيارة التي من المفروض أن تعيد الأستاذ هجرس إلى بيته تعطلت فهل أوافق على أن نستقل سيارة واحدة، وكدت أطير من السعادة بهذا اللقاء الذي سيمكنني أن أكون في صحبة الأستاذ وقلت له أنني استعد للسفر إلى مهرجان "كان" فحكى لي عن رسالة حملها إلى باريس كتبها بالفرنسية صلاح جاهين قبل نحو 30 عاما لكي تصل إلى داليدا وأن الصديق المشترك بينه وبين صلاح جاهين قال له غدا نذهب إليها وفي صباح الغد جاءهم خبر انتحارها وكان يقول لي هل لو قرأت خطاب صلاح جاهين لتراجعت عن الانتحار.
وقرأت في الصحف أن الأستاذ عاد للمستشفى واتصلت به فجاءني صوته قويا مؤكدا أنه سيتغلب على تلك الوعكة قريبا، حتى جاءني خبر الرحيل، وانا في الأيام الأخيرة في "كان" لأفقد أربعة من الأصدقاء، في تلك الرحلة التي لم تتجاوز أسبوعين فايز غالي، وحسين الإمام، ومدحت السباعي، وسعد هجرس، ويجعلها الله أخر الأحزان!!
*عن التحرير



