بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
توقفنا في المرة السابقة عند حركة النفس دخولا وخروجا من مطيتها ووسليتها للتعامل مع الحياة على الأرض وهي الجسد ، وقلنا أن النفس تحتل الجسد لتستخدمه وبمعنى أدق تستأجر الجسد )لأجل مسمى( وحق على المستأجر أن يكرم الأجير خاصة لو كان حياة المستأجر تتوقف على صحة الأجير وقدراته .
فالنفس لا تمتلك الجسد ولا حق لها في تدميره أو تغيير معالمه الأساسية والجوهرية كما خلقها الله ولا حق لها في الشذوذ أو مخالفة ناموس الخالق في خلقه في التعامل معه وبواسطته ، خاصة وأن الخالق قد وضع في خلقه ضوابط وضمانات خلق إبداعية تفسد الجسد وتدمره (خلايا تدمير ذاتي) إذا ما خالفت النفوس شروط وقيود ناموس التعامل المفروض من الخالق ، وهو ما نراه جليا في تفشي السرطانات والأمراض الخبيثة بالزنا وانتشار الإيذز بالشذوذ وتدمير الكبد بالمسكرات وذهاب العقل بالمخدرات ، فليس منطقيا أن تقفز بسيارتك في الماء ثم تغضب لغرقها وغرقك داخلها .
وعلمنا أن النفس دخلت في الجسد لأول مرة في لحظة النشأة الأولى بعد أن اكتمل الجسد في رحم الأم بنهاية الشهر الرابع ليبدأ رحلة الحياة بالتدريب على استخدام الجسد في رعاية كاملة في رحم الأم ويستمر في الانفصال عنها تدريجيا حتى يبلغ الحلم ثم الرشد ، وخلال عمر الإنسان فهو يترك الجسد ويرحل عنه مرة واحدة على الأقل في اليوم الواحد للنوم ، وهو الرحيل الإجباري ليعيد الجسد صيانة ما تلف منه نتيجة تلبية طلبات ورغبات وشهوات النفس أثناء تواجدها .
يتوفى الله الأنفس عند النوم .. أي يسمح لها بالخروج من الجسد إلى كونه الفسيح بكل ما فيه من خلق ومخلوقات ، والنفس لا تغادر الجسد بالكلية ولكنها تترك جزءا منها لحراسة الجسد وتحقيق الاتصال (اللاسلكي) بالنفس أثناء تجوالها خارج الجسد ولتستدعي النفس للجسد إذا لزم الأمر وتبلغها الضرورات المؤثرة فقط والتي تستقبلها سماعا بواسطة الجلد والأذنين واللتان لا تنامان أبدا ، بل وتستقبل هذه المؤخرة من النفس المتروكة داخل الجسد كل ما تراه النفس وتتعامل معه ثم تسجله على خلايا شاشات العرض المخية لتراجعه بعد الاستيقاظ .
والإنسان المستيقظ في حياته لا يملك قدرات الرؤية إلا في حدود قدرات الجسد فهو لا يرى النفوس من حوله ولا يرى ملائكة ولا شياطين ، فكل مخلوق يحيا في حيز مختلف عن حيز الرؤية التي يحيا ويرى خلالها الإنسان سواء كان في حيز الأشعة فوق الحمراء أو فوق النفسجية أو دون الحمراء أو فيما لم نصل بعد للقدرة على تسجيله ، ولكن النفس قدراتها أعلى من قدرات النفس بكثير فهي ترى ما لا يراه الجسد عند التجرد والتخلص من قدرات الجسد سواء للنوم أو الإغماء والغيبوبة أو بالتدريب على تقوية استخدام قدرات النفس خلال الاستيقاظ أو الوجود داخل الجسد ، وهو ما نرى بعضا منه متميزا في إحساس الأم بأولادها عند الخطر رغم بعدهم عنها ، وما نجريه من تجارب التخاطر عن بعد بين بعض المتميزين في هذا المجال ، وهي أيضا في بعض حوادث التاريخ الشهيرة مثل تخاطر عمر بن الخطاب مع قائد جيوشه في فارس وتحذيره (الجبل .. الجبل .. يا سارية) .
وتختلف النفوس عن بعضها كثيرا سواء لنوعياتها أو تأثيرات تراتيب الكون عليها لحظة اتصالها بالجسد في نشأتها الأولى فهناك نفوس نشطة وحساسة لأي متغيرات نفسية أو مادية حولها ، ونفوس ثقيلة كسولة ونفوس مرتعشة قلقة ومضطربة ونفوس هادئة وديعة ومستقرة وتتفاوت النفوس في قدور سماتها تفاوتا كبيرا فلا تتطابق نفسين مطلقا منذ بدء الخليقة وإلى نهاية الدنيا ، ولكن النفوس تتوافق أو تتنافر وقد تتفق أو لا تتفق ونفوس قادرة على احتواء غيرها ونفوس خلقت ليحتويها غيرها ونفوس متمردة لا تقبل وصاية أو احتواء من أية نفس مهما كانت .
والنفس في جولتها أثناء النوم يتحدد المجال والمكان الذي تدخله على قدر قوتها وحمايتها ثم على قدر صفاءها وتصالحها مع غيرها من النفوس في الدنيا ، فالنفس الرقيقة السمحة المتسامحة والقوية تستقبل في أي عالم أو مجال في تجوالها أثناء النوم والعكس صحيح فترى الشخص البغيض يستيقظ مكتئبا وحزينا وواجما فهو لم يستطع أن ينفث عما يعانيه حتى ولو أثناء النوم على العكس النفوس الطيبة والمتسامحة ، بل إن النفس المكروهة كثيرا ما تعاني من اعتداء وقصاص نفوس منها أثناء النوم وربما لا تتذكر سوى هروبها المستمر مما تخشاه ويهددها ويؤرق نومها كثيرا .
وهذا هو النوع الأول من رؤيا النفوس أثناء النوم وهو رؤيا متقابلة مع أحداث حركة الحياة حيث تنفث فيها النفس عن بعض ما لم تستطع فعله في الحياة الدنيا بمحاولة محاكاته أثناء النوم ، وهذا ما يراه كثيرا منا في لقاء حبيب لا يستطيع لقاءه مستيقظا أو قصاص من شخص لا يستطيع الوصول إليه .
أما النوع الثاني من الرؤى فهو عبث الشياطين بالنفس وفيه ترى النفس أشياء ومواقف لا علاقة لها بحياته ولا سبيل لتحقيقها ولكنه يخرج منها منهكا يشكو الرهق بعد النوم ، وربما يستيقظ مذعورا نقول أنه رأى كابوسا في نومه ، ولا شك بالقطع في تعرضه لعبث نفوس الشياطين والمردة والتي هي أكبر سنا وأكثر خبرة من هذا المخلوق الذي يعد عمره بسنوات الأرض عبر عقود قليلة لا تتجاوز العشرة بينما عمر الجن وكفرتهم الملقبين بالشياطين قد يصل لأكثر من عدة آلاف من السنين .
والنوع الثالث من الرؤى وهو رؤى الأحداث سواء حادثا مضى أو حادث سوف يحدث مستقبلا ، وكلها في قانون الله قد حدثت بالفعل وصدر بها الأمر قبل حدوثها على الأرض بخمسمائة سنة مما نعد على الأرض ، وهو ما يقرره رب العزة بقوله تعالى في مطلع سورة النحل {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ثم فصله في الآية (5) من سورة السجدة بقوله تعالى {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } ، فالأمر أي الحدث قولا وفعلا حيا ينزل من اللوح المحفوظ في رحلة مدتها 500 سنة ليحدث على الأرض ويعاد تبليغ تمام حدوثه قولا وفعلا حيا في رحلة عروج تستغرق 500 سنة أخرى ، ويمكن للنفس في جولتها أثناء النوم أن تصادف حدثا سوف يحدث بعد مدة وتستيقظ ربما ناسية ذلك حتى يحدث أمامها في الحياة فتتذكر أنها رأت ذلك تفصيلا ولا تملك تغيير شيئا منه مطلقا وتلك رحمة من الله ليقدم لعباده قبل الحدث وهو ما قال عنه رسول الله أنها الرؤية الصادقة .
وربما لأسباب عديدة ومتنوعة لا تكون النفس مؤهلة لرؤية الحدث جليا وبتراتيبه وتفاصيله فتراه من وراء حجاب بمعانيه المطلقة كرموز للأشياء والأحداث وهذا النوع منتشر ومتفشي بين عامة البشر وفي هذا النوع من الرؤى لابد من معبر لها يفهم ناموس الكون وملم بالنماذج الربانية والمعان المطلقة لها مع وعي كامل لمعان الأشياء والظروف الخاصة بحياة صاحب الرؤيا ومجتمعه وتاريخه ومعدلات فهمه النفسي للأمور ، ونقصد بالنماذج الربانية كرؤية شخص أنه يضرب شخصا ضربا مبرحا فالمضروب سيستفيد من الضارب كثيرا ، ورؤية الآذان مثلا تعني أن هناك حالة من اثنين إما بشرة حج أو ظهور سرقة تبعا للرائي ونوعيته وظروفه وأحوال رؤياه .
وربما ترى النفس في جولتها أمرا قد حدث بالفعل ولا تعلم عنه شيئا وتلك إحاطة من الله لعبده بهذا الحدث ، ولا يثير هذا جدلا بشأن حساب الله على أحداث قد سطرت بالفعل قبل أن نولد ، لأن حساب الله للنفوس لا يكون على الفعل ولكنه يكون على النوايا لقول الله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 أي أن كل نفس مرهونة ومحاسبة بما تكسب والنفوس لا تملك سوى النوايا والتي يوضحها حديث رسول الله (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) والنوايا المضمرة في النفوس لا يعلمها إلا الله وصاحبها ، ولذلك يأمرنا الله ألا نقول سنفعل كذا أو كذا بل أمرنا أن نقول (إن شاء الله) أمرا واضحا وصريحا في سورة الكهف {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }الكهف 23،24 .
ولا تعارض بين حدوث ما يأمر به الله ونوعية النوايا حيث يجري الله الخير على يد صاحب النوايا الحسنة والشر على يد صاحب النوايا السيئة كقاعدة عامة ولا مانع من شذوذ القاعدة كمثال وعبرة لتفرد الله وتدبيره الأمور ، والنفوس لا تملك إلا التسليم لله وتقويم نواياها لتتوافق مع مراد الله ناموسه في خلقه وهو ما يسمونه جهاد النفس والذي أسماه رسول الله بالجهاد الأكبر نظرا لصعوبة صراع النفس بين ما تعرفه من مراد الله وبين شهواتها ورغباتها وهو ما تستحق عليه النفوس الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة .
ولا شك أن الله تعالى رحيم بعباده فلا يحاسب ابن آدم على نيته إلا إذا تحققت وأصبحت حدثا مطابقا لإصراره على هذه النية ، فمثلا .. كثير منا ينتوي في نفسه فعل شيء يعلم أن الله حرمه ولكن الله يمنعه عنه مرة ومرات ولا يجريه له إلا إذا أصر على نيته رغم آيات الله وعلاماته له بمنعه عن الفعل مرات متتالية ، فإذا أصر رغم علمه ويقينه النفسي بأن الله يحفظه منها فقد حكم على نفسه واستحق العقاب وهو ما يوضحه رب العزة في كتابه العزيز بقوله تعالى {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }يونس11 ، فالبشر لا يدرون أين ومتى وكيف يكون الخير لهم ، فيريدون وينتوون فعل الشر مرات ومرات ولكن الله يمنعهم لعلهم يرجعون أو يتذكرون فلا ينتشر الفساد في الأرض كنتيجة لتنفيذ بعض نواياهم وليس كلها وهو ما يقرره سبحانه وتعالى بقوله {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، والله يستخدم عباده ليمنع انتشار الفساد في الأرض وهو ما يقرره سبحانه بقوله { .... وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }البقرة251 .
ولا شك أن تعاملاتنا في الدنيا هي في حقيقتها تعاملات نفوس خالصة تؤكدها أو تنفيها وربما تخادعها شكليات الرؤى الجسدية المادية ولكنها في النهاية تعاملات نفسية بحتة مهما أنكرنا أو حاولنا فرض الماديات والملموسات على مجريات الحياة لنثبت غير ذلك خاصة وأن ما تراه النفوس بواسطة العيون الجسدية مما هو حولها من حقيقة الدنيا والحياة والكون لا يتعدى أكثر واحد في المليار مما هو حولها بالفعل ، ولا ترى كثيرا منه سوى النفوس المجردة والتي غالبا ما لا تستطيع وصفه سواء لحجبه عنها أو عدم وجود شبيه له في الحياة وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..



