بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
استعرضنا من قبل توضيح الخالق في كتابه العزيز لخلقه كيف خلق نفوسهم ومنح كل نفس جسدا تعيش بواسطته وتتعامل مع الحياة على الأرض وجعله جسدا حيا مكون من مادة (طين) تحييه الروح والتي هي سر إحياء المخلوقات في الكون ، وعلمنا أنه النفس تدخل هذا الجسد للمرة الأولى بعد اكتمال مراحل تكوينه في رحم الأم في عملية إلهية أسماها الله النشأة الأولى ، وعرفنا أن النفس والتي هي أصل الإنسان لا علاقة لها بهذا الجسد الحي سوى الاستخدام لأجل مسمى خلال فترة حياة النفس على الأرض ، فإذا انتهى أجل فيسترد الله سر الإحياء وهي الروح ويعود الجسد ترابا للأرض ثم ينشئ الله هذه النفس نشأة أخرى في ما لم يشأ الله أن يعلمنا بها الآن في حياتنا لتحقيق عدالة الفرص في ممارسة الحياة بإرادة مستقلة دون تأثير بين جميع البشر على الأرض .
وعرفنا أن الله جعل لهذا الجسد قدرات محدودة أقل بكثير من رغبات النفس التي تحتله وهو ما يجعل ابن آدم دوما يشعر بأنه يستطيع فعل أكثر مما يستطيع جسده خاصة في المراحل السنية المبكرة كالأطفال ثم سنوات المراهقة وحتى يبلغ الإنسان سن الرشد والتي عندها يصل ابن آدم لقمة الاتزان ما بين رغباته وشهواته ومعطيات حياته وقدرات جسده الفعلية .
وتعرضنا لما تراه النفس عند مغادرتها للجسد يوميا للنوم والتي هي الفرصة المتكررة للجسد لإعادة صيانة أنسجة وأجهزة جسده دون معوقات وجود النفس في الجسد ، حيث تنطلق النفس لعوالم أخرى وتتعامل نفسيا معها وتستيقظ ما بين متذكر أو ناسيا تماما ما رأته في تجوالها ، واستعرضنا أنواع الرؤى التي تراها النفس ما بين العبث وتنفيذ رغبات مكبوتة لم تستطع تنفيذها بواسطة الجسد وبين رؤية أحداث لم يكن يعلمها قد حدثت أو سوف تحدث في المستقبل كرحمة من الله تعالى والتي أرقاها ما يسمى بالرؤية الصادقة وبين زيارات لأماكن وأزمنة أخرى قد لا يستطيع وصفها لانعدام الشبيه لها على الأرض أو في ماضي ذاكرته .
وتوقفنا عند حركة النفس وقدراتها وذكرنا أن الجسد بقدراته لا يستطيع أن يرى أو يسمع أو يشعر إلا في حيز محدود ، وهو ما أثبته العلم أخير أن الإنسان لا يستطيع أن يرى إلا في حيز محدود جدا وفي حدود طول موجي معين من الأشعة المرئية ، فلا يستطيع رؤية ما يحدث أو هو موجود في حيز الرؤية للأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية كأمثلة وهو الحيز الذي ترى فيه الجن وبعض المخلوقات من الملائكة مثلا والتي يراها مخلوقات أخرى الحمار والكلب والقطط والأوز وبعض الزواحف بل والحشرات .
وليس غريبا بالطبع أن نعرف أن قدرات السمع عند البشر أيضا محدودة في حيز ترددات محدد وضيق جدا ولا يسمع ما هو أعلى أو أقل من هذا الحيز من الترددات والتي يسمعها الكثير من المخلوقات بخلاف الإنسان وهو ما نلاحظه في هروب الحيوانات من مكان معين قبل حدوث الزلازل والبراكين وقبل هبوب العواصف والأمطار الغزيرة .
والأعجب وهو ما اكتشفه العلم حديثا أن جسد الإنسان يهاجمه ملايين بل مليارات المخلوقات الدقيقة والمنتشرة في الهواء المحيط به ولولا قدرة الأجهزة الدفاعية العالية لجلد الإنسان لاحتلت هذه المخلوقات جسد الإنسان في ثوان معدودة ، وهو ما نعانيه عند نجاح بعضها في اختراق جسد الإنسان وما تسببه من أمراض .
وهنا نوقف عن عند حدود الرؤية للإنسان حيث لا يرى ابن آدم عدوه اللدود والمتربص به من الجن وأخطرهم بالقطع هم كفرة الجن أو ما يسمون بالشياطين ، والجن يعيشون حولنا في كل مكان وهم يروننا ولا نراهم لمحدودية قدراتنا على الرؤية وهي حكمة الله في خلقه لتجنيب ابن آدم التشتت برؤيتهم وعدم القدرة على التركيز في شئون حياته ، وهو ما يؤكده رب العزة بقوله تعالى .. {... إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ... }الأعراف27 ، فالججن ترى البشر ولكن البشر لا يستطيعون رؤيتهم إلا في ظروف خاصة جدا مثل قدرة الأطفال تحت سن العامين وبعض كبار السن .
ولا تكشف القدرة على رؤيتهم بوضوح هم والملائكة وغيرهم من المخلوقات إلا عند لحظات الموت والتي يقول عنها سبحانه {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، أو عند النوم وهي حالة قد لا يستطيع ابن آدم التمييز فيها جيدا أو تذكر أو وصف ما يراه إلا نادرا وبما يشاء الله سبحانه وتعالى وتلك رحمة الله وحكمته التي يمن بها على خلقه .
والجن مخلوقات لها نفوس هي في غالب الأمر نفوس تماثل نفوس البشر ولكن الله منحها أجساد من نوع متقدم ومتطور من النار تماما كما أن الإنسان في نوع متقدم ومتطور من الطين ، ولقد كان الجن هم المستخلفون على الأرض قبل الإنسان ولكنهم فسدوا وسفكوا الدماء فيها ولم ينتبهوا لوعيد الله .. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ }فاطر16 ، 17 ، فسلط الله عليهم ملائكته فطردتهم لخرائب الأرض واستخلف بعدهم الإنسان ليعمر الأرض بدلا من الجن ولذلك فهناك عداء فطري وثأر قائم بين كفرتهم وبين ابن آدم ، بل وهناك ميثاق منحه الله للجن وبمقتضاها منحهم القدرة على الوسوسة للإنسان ليضلوه عن سبيل الله ، وبمقتضاها أقسم إبليس ليوسوسن لابن آدم ما دام حيا ، وفي مقابلها أقسم الله بعزته وجلاله ليغفرن لابن آدم ما يستغفر منه ولو كان مثل زبد البحر أو حجم الجبال .
ولأن الجن قد خلقهم الله من (مارج من نار) أي نوعيات متقدمة من تطور النار فهو قادر على يتجول داخل جسد ابن آدم ، فيستطيع أن يتحرك داخل جسده كيفما يشاء ما دام ابن آدم بلا حماية والتي تتمثل في القرآن وبعض آيات الإنجيل والتوراة وهو ما يقرره رب العزة في القرآن بحماية من يقرأه بقوله تعالى .. {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 ، فلا يستطيع أن يؤذي ابن آدم مخلوق لو محميا بقراءة القرآن .
وقد يستطيع جني أن يمس ابن آدم فيؤذيه لو كان بلا حماية وهي حالات كثيرة يجب الحذر فيها ، كأن يدخل مكانا يعيشون فيه دون حماية مثل دورة المياه والخرائب والصحراء والأماكن المهجورة ، خاصة لو كان غير متمالك لنفسه للحزن أو والاكتئاب والنعاس أو كان طفلا صغيرا أو ضعيفا ومريضا .
ولقد تحدث الكثير من العلماء والباحثين عن مس الجن للإنسان ولكنهم أبدا لم يصلوا لتعريف واضح للمس وكيف يحدث ، إلا أنهم حددوا ظواهر وعلامات لحدوث المس ، فهناك مس عرضي ومتكرر ومؤقت وهناك يتمكن فيه الجني من التواجد في جسد الإنسان فترات طويلة وهناك الاحتلال الكامل للجني لجسد الإنسان ، وتتدرج هذه الحالات الثلاث من أخفها إلى أخطرها وأكبرها وهي التي تصل بابن آدم للجنون الكامل وفقدان سيطرته على عقله وجسده .
وقبل تحديد كيفية المس وسيطرة الجن على جسد الإنسان لابد وأن نعرف كيف يسيطر الإنسان على جسده والتي يفقدها تدريجيا لصالح من يمسه من الجن ، تماما مثلما نتحدث عن سيارتك التي تسرق منك وأنت تقودها إجبارا أو تسرق منك وأنت تاركها دون حماية في مكان تكثر فيه المخاطر ، فالنفس تسيطر على الجسد من مركز القيادة الرئيسي في المخ ومنه تستشعر وتسيطر على مختلف أجزاء وأجهزة الجسم ، ويشارك النفس في سيطرتها ويساعدها أحيانا قرين الإنسان من الجن وهو جني كافر يولد مع ابن آدم ويشاركه حياته ما لم يمنعه ابن آدم بذكر الله دوما قبل أي فعل ، وهذا القرين يظل مرتبطا بحياة ابن آدم حتى يموت ابن آدم فيصبح حرا بلا قرين وهو يحزن كثيرا لموت قرينه الإنسي لأنه يفقد وسيلة سهلة للحياة على الأرض معتمدا على مخلوق آخر وممارستها من خلاله .
والقرين هو نتاج الميثاق الذي منحه الله لإبليس بتأجيل محاسبته بقوله {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }الحجر36 فأذن الله له بقوله تعالى {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ }الحجر37 ، فتعهد إبليس أن يغوين البشر جميعا عن صراط الله المستقيم لقوله تعالى .. {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ }الأعراف16 ، وهو أوضحه رسول الله في حديثه الشريف (ما من بشر إلا وله قرين ، قالوا حتى أن ، قال حتى أنا ولكن الله أعانني عليه فأسلم ) وهو ما يذكره رب العزة عن مشاهد يوم القيامة وشهادة القرين على الإنسان في قوله تعالى .. {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ }ق23 ، ثم تنصل القرين وتنكره للإنسان {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ }ق27 .
ونظرا لإختلاف أعمار الجن عن الإنس حيث تقاس أعمارهم بالألف سنة وليس بالسنوات مثل الإنسان فهناك مليارات من الجن أحياء وقد مات قرناءهم من الإنس بخلاف من كانوا أحياء قبل بدء رحلة الإنس على الأرض ومن هؤلاء جميعا من يتوق دوما للعبث مع الإنس واحتلال أجسادهم واستخدامها ، ولكنهم يصطدمون دوما أولاد بقدور حماية الإنسان لجسده ثم أخيرا دفاع القرين من الجن عن جسد قرينه من الإنس ومنع مشاركة غيره فيه ، وهنا يحدث الصراع عند سقوط حماية الإنسان المقروضة ولا يتبقى سوى صراع بين القرين من الجن وغيره من يريد أن يحتله الجسد وهو ما نراه بعيوننا في حالة الصرع التي تنتاب البعض في حالات المس الشديدة والمزمنة .
ويبدأ المس باعتياد الجن الغريب أن يتجول في جسد الإنسان والأخطر وصوله لنقط سيطرة بعينها في مخه ، فإذا أصاب مركز السيطرة على بعض أجزاء من جسده أصيبت هذه الأجزاء ببعض العلل وتعطلت وظائفها وحدث قصور بها دون أسباب عضوية ، ولا علاج لها سوى برحيل الجني عنه نهائيا وعدم قدرته على الوصول لهذه المراكز مرة أخرى ، ولتبسيط الموضوع فملا يوجد بشرا لم يمسه الجن ولكن الخطورة في وصول الجن لمراكز السيطرة ، وأبسط صور المس نراها في سرعة انفعال البعض وعصبيتهم الزائدة ، وقد تبدو في مشكلة صغيرة في أحد الأطراف دون وجود أسباب عضوية لذلك ، وأكثرها شيوعا هو فشل العلاقات الحميمية بين الزوجين رغم عدم وجود سبب عضوي أو نفسي .
ولا يصل الجن لمراكز السيطرة إلا في لحظات تخلي النفس عن سيطرتها على هذه المراكز وهو ما يحدث كثيرا لضعاف النفوس كالطفل في حالة الفزع والخوف منفردا أو في النساء في حالات الحزن والاكتئاب خاصة كعادات كثير من البنات والنساء بالبكاء في دورة المياه وتذكر أحزانها واحباطاتها في دورة المياه أو أبسطها دخول الإنسان لدورة المياه وهو في حالة نعاس شديد أو شبه إغماء ودون حماية ، وتلك أخطر مراحل تخلي الإنسان عن مراكز السيطرة العصبية والتي يستغلها الجن ويحتل ما يصل إليه من هذه المراكز العصبية في مركز القيادة (المخ) ، وهو ما يحتاج لنوعيات خاصة من العلاج وهو حديث مؤجل لمرة قادمة .
وخلاصة القول هنا أن الإنسان لا يجب أن يتخلى عن حماية نفسه بقراءة القرآن وأقلها الالتزام الصارم بالصلاة ثم اعتياده قول بسم الله الرحمن الرحيم قبل فعل أي شيء ، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم خاصة عند دخول الأماكن الخلاء والمهجورة ودورة المياه وقراءة آية الكرسي عند الخوف أو الفزع واعتياد قول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فذكر الله يزيد الحماية خاصة عند التعرض لأنواع الجن الخطيرة والقوية والتي لا يعرفها ولا يراها بان آدم فالحرص بالاستزادة من القرآن أولى له من الخسارة والندم ، ومن الضروري أن تقرأ أو تسمع سورة البقرة في البيوت والدور وأماكن العمل والمحال لطرد الشياطين باستمرار .



