الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

استعرضنا من قبل توضيح الخالق في كتابه العزيز لخلقه كيف خلق نفوسهم ومنح كل نفس جسدا تعيش بواسطته وتتعامل بواسطته مع الحياة على الأرض وجعله جسدا حيا مكون من مادة (طين) تحييه الروح والتي هي سر إحياء المخلوقات في الكون ، واستعرضنا حديث الله تعالى عن النشأة الأولى للنفس في الجسد ثم النشأة التالية لها بعد مغادرة هذا الجسد ليتحول ابن آدم لحياة أخرى لم يشأ الله أن نعلم عنها شيئا قبل انتهاء أجل النشأة الأولى .

وتعرضنا لنوع من المخلوقات الأخرى من فئة العمار مثلنا وهم الجن وعرفنا أننا جئنا للدنيا لنعمرها كبديل لهم كعقاب مستحق لهم على إفسادهم في الأرض قبلنا واستهانتهم بتهديد الله ووعيده (وإن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد) وهو ما نستهين به الآن كبشر ونكرر فساد الجن على الأرض وغافلين أننا سيحيق بنا وعيد ربنا مثلهم ويستبدلنا بخلق جديد لو أصررنا على حمقنا وفسادنا ، والذي يدفعنا له كفرة الجن انتقاما من استبدالهم بنا كعمار للأرض عقابا لهم .

ومما يغفل عنه الإنسان ولا ينتبه له أن حياته على الأرض ما هي إلا رحلة قصيرة جدا مقارنة بعمره أو عمر المخلوقات في الكون أو حتى على الأرض ، بل وللإنسان حياته الأصلية قبل دخوله الأرض من بوابة رحم أم ربما تكون آلافا من السنين قبلها وربما تكون آلافا من السنين أخرى بعدها ، ولا يستفيق ابن آدم من غفلته إلا يوم مماته ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) .

ومن حكمة الله في خلقه وعدله بينهم أنه يمنحهم الفرصة ليحيوا الدنيا دون تأثير عليهم بذكرى سابقة فشاء الله أن لا يتذكروا شيئا مما كان قبل دخولهم في الجسد البشري الجديد بالنشأة الأولى ، وأيضا دون معرفة بالحياة القادمة في النشأة الأخرى فأخفى عنهم ما يلي حياتهم على الأرض إلا من حتمية حسابهم على كسبته نفوسهم بحق أو اكتسبته  دون وجه حق وهو ما يحدثنا الله عنه في وضوح معجز في سورة الواقعة عند حديثه سبحانه عما يلي تذوق النفس للموت بقوله تعالى {َ فلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ، وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ، فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } {83 : 96} .

فعندما يحين أجل النفس (أن تغادر الجسد بلا عودة) فلابد لها أن تذوق الموت كما كانت تتذوق الشهوات والألم من قبل ولكنه ألم مختلف وشديد على النفس ، فهي ستذوق آلام نزع الروح من الجسد وهي حالة أشبه بنزع الشوك من الصوف ونحن نعلم أن الروح قد دخلت هذا الجسد في سلاسة منذ أن كان خلية تتشكل لتكون حيوانا منويا في جسد رجل أو بويضة في جسد أنثى ولم تذق هذه النفس دخولها في الطين (المادة) ولكن الله شاء أن تذوق هذه النفس آلام خروج الروح من هذا الجسد الذي استخدمته لفترة زمنية (أجل مسمى) ، فلا موت للنفوس ولكن انتقال من حياة إلى حياة أخرى لا يعلم عنها شيئا عند نهاية الأولى وبداية التالية .

فإذا بلغت الروح حلقوم ابن آدم وهو المريء لحدود الحنجرة ، والبشر ينظرون إليه من حوله ويشاهدونه وهو يفتح فمه محاولا استدراك ما يخرج منه ، والله أقرب إليه من كل البشر حوله ، فتخرج روحه لتعود لبارئها ولا علاقة له بها سوى أنها كانت تحي له جسدا يستخدمه ، فيسكن الجسد وتفقد النفس وسيلتها للتعامل مع الحياة على الأرض ، وعندها تبدأ أول مراحل الحساب للنفس والتي تبدأ بمجرد خروجها من الجسد والتي عندها يحدد مصير النفس وإلى أين ستصير في حياتها أو نشأتها الأخرى، وهي خيار من أربعة، الأول خيار صعب مشروط وهو في حالة ما إذا كانت النفس مدينة (عليها ديون في الدنيا لم تستوفيها) ثم كانت النفس صادقة في حسابها معترفة بديونها فإنها تعود للدنيا لتسدد ديونها فتولد من جديد في جسد آخر وهوية أخرى وصورة أخرى للحياة في مكان آخر ولكنه في النهاية يحقق شروط وقوع ابن آدم تحت طائلة استيفاء الديون السابقة تماما كما يعيد الطالب الراسب الاختبارات فيما رسب فيه في (الملحق) .

أما الخيار الثاني فهو لنفس من النفوس المقربة لله بصلاحها في الدنيا وهنا يؤذن لها بنشأة طيبة وروح وريحان وجنة نعيم ولا ينتظرون الحساب ولا يوم القيامة ، أما الخيار الثالث وهو أن يكون من أصحاب اليمين ومن هم حسناتهم أكبر من سيئاتهم ومن تاب الله عليهم وغفر لهم قبل موتهم ، وهؤلاء سالمون من عذاب الله ولهم نشأة جديدة لا عذاب فيها ولا تعب ولا نصب إلى يوم الدين منتظرين الحساب ، أما إن كان مكذب وكاذب وضال مضلل في حسابه ولم يعترف بديونه وسيئاته فقد اختار أن تكون نشأته الجديدة في الجحيم والتي ربما تكون كما يقول عنهم رب العزة في سورة الإسراء { قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً ، يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } {50 : 52} الإسراء ، فيظل في صورته الجديدة المتدنية (حجارة ، أو حديدا ، أو خلقا مما يكبر في صدورهم ) يعذب فيها حتى يوم الدين ، وتلك هي الأحوال الأربعة للنشأة الأخرى التي تصير لها النفس بعد مغادرتها للجسد .

والعجيب أن أحدا من المفسرين لم يتعرض لهذا الشرح التفصيلي لأحوال وحركات النفس بعد الموت واكتفوا بالإعلان والتدقيق والتأكيد على عذاب القبر وكأن ابن آدم سيظل في قبره ينتظر يوم الحساب ، وهو طبقا لأحاديث متعددة لرسول الله بعضها مجازيا لأحوال النفس فيما بعد دفن جسدها والأخرى ضعيفة متعددة الألفاظ ومتواترة لا يمكن أن تتوافق مع كتاب الله وآياته وحديثه المعجز عن حالات وحركة النفس ومآلها والتي تستوجب كحد أدنى للإنسان أن يعتاد على الصدق وقول الحق في الدنيا حتى لا تتورط نفسه فيما اعتادت عليه من كذب وتضليل فتخسر كل شيء بالخلود في العذاب .

ولذلك لا نعجب كثيرا من آلاف الحوادث التي تؤكد أن فلانا تذكر فجأة أنه كان يعيش في مكان آخر ويعرف أسرارا كانت لشخص آخر قد مات من قبل ولا نعجب لذكريات بعض الناس عن حياة سابقة متقطعة أو باهتة الوضوح ، بل وهو ما يجعلنا كثيرا ما تنطق ألسنتنا بقول (له في خلقه شئون) ردا على اعتراض البعض على إصابة أو حتى موت طفلا أو صبيا أو شابا بلا سبب وفجأة ودون مقدمات وسواء لأسباب طبيعية أو غير طبيعية ، فمحكم القول في مثل هذه الحالات أنها ديون تستوفى وشئون للخالق مع خلقه لا يعلمها سواه ، هذا بخلاف التداخلات بين الإنس والجن في حركة الحياة .

ولابد أن لا نتغافل عن كون النفس البشرية تكون مكتملة الأركان والنوازع يوم نشأتها الأولى أو بمعنى أدق يوم ولادتها ولكنها في حينه لا تملك جسدا قادرا على تلبية نوازعها ورغباتها أو شهواتها ، وتحيا سنوات متتالية تتعدى الخمسة عشرة تتدرب على استخدام هذا الجسد وتنمية مهاراته حتى أن يصبح الجسد قادرا على تلبية رغباتها ، ثم يحيا حتى أربعين سنة قبل أن تستطيع النفس الوصول لمراحل الاتزان والموائمة ما بين رغباتها وقدرات جسدها الفعلية وهو ما يسمى بسن الرشد وقد تتفاوت من شخص لآخر ولكن في بضع سنوات قليلة والتي إن اختلت عند البعض تصبح مرضية وتحتاج لعلاج نفسي أو جسدي طبقا لموضع العلة والمرض .

ولا ننسى أن النفس كلما كانت ماهرة في استخدام الجسد كلما كانت حياتها على الأرض أكثر يسرا وسهولة وهو ما نطلق عليه تجاوزا أو ربما جهلا بالتوافق العصبي العضلي قاصرين الأمر على قدرات الجسد ومعطياته ولكن الحقيقة أن الأهم لارتفاع مهارة الشخص في استخدام جسده هو التوافق النفسي الجسدي ومهارة النفس في استخدام قدرات الجسد وهو ما يثبته بالفعل بعض المعوقين بقدور وقدرات أعلى بكثير من الأصحاء كمن يكتب بأصابع قدميه أو يمشي على كفوف يديه .

ولا شك أن استخدام الإنسان لقدراته النفسية على مستوى العامة من الناس يتراجع بنفس سرعة التقدم العلمي والتي يتراجع معها أيضا قدرات النفس على استخدام الجسد ومعها المهارات والقدرات الجسمانية للبشر ، وهو ما نراه واضحا في تزايد ضعف مستويات القدرات الجسمانية للشباب جيلا بعد جيل ، والأخطر هو تدني القدرات النفسية بصورة مفزعة للشباب اعتمادا على التقدم السريع للتكنولوجيا ، وهو ما يجب أن يتنبه له الوالدين ثم المدرسة ودور التعليم المختلفة ثم الإعلام وما يجب أن تخطط له الدولة لإعادة الاتزان الطبيعي للنفوس وقدراتها وتوافقها مع الأجسام للأجيال القادمة .

تم نسخ الرابط