الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

اليوم نتوقف عند هذه النفس العجيبة في خلقها والمتفردة بصفاتها وقدراتها الغير مسبوقة في تاريخ الخلق للعمار على هذا الكوكب ، فقد شاء الله تعالى أن تكون نفس ابن آدم فيها كثيرا من صفاته سبحانه بل وشاء سبحانه أن تكون نفوس كل ابشر من سديم نفس واحدة تتشابه في كل مكوناتها وطباعها وصفاتها ونوازعها ورغباتها وشهواتها ومبتداها ومنتهاها أولها وحياتها وآخرها .

وأروع ما فرض الله على ابن آدم منذ خلقه كان هو الصوم ، والصوم لغة يعني الامتناع عما هو محلل تنفيذا لأمر أو إرادة علوية وهو شرعا الامتناع عما أحل الله من الطعام والشراب والشهوة والرغبات المحللة اعتبارا من بزوغ فجر اليوم وحتى الغروب وقد فرضه الله تعالى كأقدم فرض من مناسك العبودية لله حيث فرضه رب العزة منذ خلق آدم على الأرض وذلك لتهذيب وتأديب وترويض النفس البشرية والتي لا يؤدبها ولا يروضها شيئا مثل الصيام لقوله تعالى  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183.

فالصيام كما يجب أن نعرفه هو في حقيقة الأمر ليس إلا استنفارا للنفس أن تكون غاضبة وحانقة غير راضية بمنع الطعام والشراب والمحلل من الشهوات عنها ، ولكنها لا تملك سوى الخضوع والإذعان والامتثال لأوامر الله بل ويزيدها ربها خضوعا وخشوعا بأن يفرض عليها أن تتماسك وتحسن التصرف وتتعود إحسان التعامل مع البشر بل وتكون خيرا على غيرها وأجود من الريح المرسلة في عطاءها وهو قمة تأديب وتهذيب النفس .

فكيف بنفس تجود بما هي محرومة منه بل وتكون سهلة الانقياد والتعامل مع غيرها وهي مستنفرة ومحرومة بل وترقى وتسمو فوق كل نوازعها فتعطي كل ما تملكه عن طيب خاطر وبرضا ونكران للذات ، فإذا انصاعت النفس لما يريده ربها منها فقد تأدبت وتهذبت وتعلمت ما أراده الله منها وأثبتت حق اليقين من إيمانها بربها وخضوعه لجلاله وسلطانه ، وهي لابد في النهاية فاعلة لما أراده الله وبالغة حدود الخضوع والخنوع لجبروت الله وسلطانه مهما كانت متعنتة أو حانقة في مطلع الشهر الكريم لكنها بالاعتياد والترويض تصل لما شرعه الله وأراده لها .

والصوم في مبتداه نية بين العبد وربه وفي تنفيذه إخلاص من العبد يضمره في نفسه لا يعلم مخلوقا عنه شيئا فلا يعلم حقيقة إخلاصه سوى صاحبه والله تعالى ، ولذلك يقول رب العزة (كل عمل ابن آدم له .. إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) لأن الصوم يتوقف على الإخلاص ليس فقط في الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات ولكنه أيضا صيام جوارح عما حرم الله فلا يجوز الصوم عما أحل الله ثم يرتكب بن آدم ما حرم الله والتي هي أولى للامتناع عنها وبذلك تتشعب الأمور والأحوال وتتشعب نوايا ابن آدم التي يضمرها وما تأتي رغما عنه وما ترضاه نفسه وهي مختلفات ومتباينات فلا يستطيع مخلوقا أن يرصد أو يعرف حقيقة الإخلاص سوى الخالق العظيم.

 

 

 

 

 

 

تم نسخ الرابط