الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

لا شك أن النفس البشرية هي من أروع من خلق الله في حدود ما علمنا سبحانه وهي أصل الإنسان وهي صاحبة القرار والسيطرة وهي المحاسبة على كل ما تكسبه من نوايا تضمرها وهي التي تحتل جسدا من طين لتسمى بشرا وتتعامل به مع الحياة على الأرض لأجل مسمى ، فإذا انتهى الأجل فقدت هذا الجسد وعادت حرة بلا جسد وبلا قدرة على التعامل مع أي حياة نعلمها ، ثم ينشئها ربها في جسد آخر في مكان آخر ربما بتكليف مكمل للأول وربما مختلف ، فما شاء الله أن نعرف النشأة القادمة من الآن ، وإلا لرغب كثير من البشر في إنهاء حياتهم الحالية ليعجلوا بالوصول للأخرى .

 ومن أروع تعاملات النفس البشرية والتي تمتعها بحق هي تجربة التكامل النفسي لو اكتملت أركانها بين نفسيين لذكر وأنثى ولا نعني بذلك مثالية أو قمة المتعة في العلاقة الجنسية بين ذكر وأنثى فهذه تأتي كنتيجة مباشرة ومنطقية لنجاح التكامل النفسي أولا بينهما ، ولذلك ينصح رسول الله الرجل أن ينظر لمن يريد زواجها قائلا (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) .. فإذا لم يؤدم (يحدث .. التوافق .. التناغم .. الانسجام) فلا يصح إتمام زواج .

ويعتبر القبول النفسي بين أي رجل وامرأة مقدمة منطقية لقبول بل لتمني وربما (وله) كل منهما بالوصول للاتصال الجسدي بينهما ولو خيالا وأحلاما ، ولذلك فغض البصر فرض وأمر أكد عليه رب العزة في قرآنه تصنيفا بقوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا) ، ثم قوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن .. ) فلا يصح إطالة النظر لو حدث صدفة أو عرضا ولا التركيز في النظر خاصة على عيون النساء فالفتنة قائمة دوما ما دام البشر ما زالوا مقسومين ذكرا وأنثى .

وتبقى دوما المعضلة الأبدية أن البشر دوما يتجاهلون ويتغافلون عن حقيقة أن البشرية خلقها الله ذكرا وأنثى لتتكامل لا لتتقاتل وتتصارع ولا لتتنافس وتتسابق ، بل إن لكل جنس مهمة في الحياة على الأرض ويحدث الخلل عندما يتلاشى الهدف الرئيسي وهو التكامل والتعاون ليصبح صراعا فيستخدم كل طرف نفسه (فيما لم يخلق له) لتبدأ وتتفاقم سلاسل رحلة الانهيار البشري بكل صورها وتشعيباتها وتنوعاتها رغم كل ما نحاوله من تعتيم وخداع لإخفاء معالم الانهيار .

فمثلا .. منتهى الغباء البشري وقمة التخلف العقلي نراها جلية وواضحة وفجة في الإصرار على عمل المرأة بل والاستزادة منه مدعين قدراتها الخارقة وتميزها وتفوقها على الرجل في شتى المجالات فيخزينا ويكذب كل ادعاءاتنا ويفضح الحمق البشري ذلك التزايد الرهيب لعدد العاطلين من الرجال والذي يماثل ثلاثة أضعاف النساء العاملات كمتوسط عام لدول العالم الثالث ، وما يقابلهم منطقيا من عدد أكبر من النساء بلا زواج ، وكان أولى أن لا نفقدها كأم وراعية ومربية بل وملكة وهي مهمة مقدسة وعظيمة سقطت ببهتان تحقيق الذات المزيف .. فيما لم تخلق له من الأساس .

ولا أحد يستطيع أن ينكر حجم الدمار النفسي ثم المادي الذي يحدثه غياب الأم عن أولادها للعمل خاصة في سنوات التربية الحرجة حتى نهاية المراهقة والذي نتج عنه وما زال يتزايد كم الأجيال المختلة نفسيا والتي كانت وما تزال سببا في تفاقم وتردي مستويات الأخلاق وبالتالي التدهور السريع لأي تطور بشري مرتقب ، والتي حسمها رب العزة بقوله تعالى (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى .. ) ، ولكن البشر يرون أنهم أعلم بشئون دنياهم أكثر ممن خلقهم (والعياذ بالله) ، ويلقون الأسباب والتبريرات والأعذار والله قد فضح خيبتهم منذ أربعة عشرة قرنا بقوله (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) .

ولأن الله شاء أن يكون جسد ابن آدم من طين فكل مخلوق جسده أخف كثافة منه يستطيع أن يعبر خلال ابن آدم ويحيا معه في نفس حيز الفراغ الذي لا يشغله ولن يراه الإنسان أو يعوق حركة حياته لاختلاف حيز الوجود والتعامل درجة وارتقاء ، فالجن يرون البشر ويعيشون معهم في نفس الحيز ولكن البشر لا ترى ولا تشعر بوجود الجن لأنهم أخف كثافة وأرقى جسدا ، ولكن ابن آدم هو العنصر المكرم الجديد والذي سجد له الجن أمرا من الله تكريما لمهمته التي خلقه الله من أجلها كخليفة لله على أرضه ليعمرها بما يأمره ربه ويعلمه وهو المخلوق البديل للجن الذي فشل في تنفيذ هذه المهمة وفسد في الأرض وأفسدها فطردهم رب العزة واستبدل مكانهم الإنسان بل وأمرهم بالسجود له .

ولذلك يبقى دوما الثأر الأبدي بين الجن والإنس والذين كرمهم الله على الجن وكذلك يبقى وعد الإنظار الذي منحه الله للجن أن لا يحاسبهم إلا يوم القيامة الجامع للإنس والجن والذي ينص ميثاقه على منح الجن القدرة على الوسوسة لابن آدم دون رؤية ، ولتكن هذه هي الاختبار الرئيسي للبشر بالحذر من كفرة الجن والملقبين بالشياطين ، بل وليحذروا أيضا أن يعرضوا أجسادهم ونفوسهم للجن دون حماية ، وذلك لقدرة الجن على مس الجسد البشري في مراكز السيطرة والتحكم في المخ فيؤذيها فإذا تمكن من هذا الجسد فسيفقد الإنسان سيطرته تماما على الجسد وتصبح نفسه أسيرة لدى الجن المحتل لجسده فيقال فلان (مجنون) .

ولا حماية لابن آدم نفسا وجسدا أفضل من القرآن فهو كلام وحروف معجزة في ترتيبها ومعانيها وأسرارها ، وبالتالي في قوة تأثيره والحماية التي يبنيها حول قارئه وهو ما يقوله رب العزة {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 ، وهو قرار بفرض الحجاب المستور بين قارئ القرآن وكل من لا يؤمن باليوم الآخر جنا أو إنسا أو أي نوع من مخلوقات الله (ويخلق ما لا تعلمون) ، فمن تخلى عن حمايته فقد اختار دمار جسده ونفسه ولا يلومن إلا نفسه ، وليس القرآن وحده هو ما يحمي ولكن يوجد كتبا سماوية سابقة لها قدرات ومستويا للحماية ولكنها أضعف من القرآن كثيرا خاصة بعد النجاح الباهر لخداع الشياطين للبشر وتزويرهم كثير من أساسيات الديانات السابقة وكتبها كالتوراة والإنجيل ففقدوا بها القدرة على الحماية بل أصبحوا باستخدامها أكثر خضوعا للشياطين وسخرة لهم مثل أسطورة الصليب وقدسيته المزيفة والتي توقع مستخدمها مباشرة تحت سيطرة إبليس وهو لا يدري .

ومن أجمل وأروع شهور السنة راحة وطمأنينة هي شهر رمضان وتلك حقيقة علمية تؤكدها التضاؤل لحد الندرة لتسجيلات الحركة في حيز الموجات تحت الحمراء وهو حيز حركة الشياطين ، والنشاط الهائل للحركة في حيز الأشعة فوق البنفسجية (حيز حركة الملائكة) خلال هذا الشهر بما يؤكد بالقياسات تقييد الشياطين وزيادة حركة الملائكة ، ولا ننسى أن حيز الإشعاعات الكونية كله من سديم واحد ولا تختلف أنواع الأشعة إلا في طولها الموجي وسرعة وكثافة تدفقها وترددها وهو ما يحدد بدقة حيز التواجد والإحساس والرؤية والتعامل للمخلوقات خلالها .

ولا نستطيع أن نغفل أن جميع تعاملات ابن آدم على الأرض هي في بدايتها وعمق أسرارها عمليات تعامل نفسية ، فكثير من البشر يسيطرون على غيرهم لقوة نفوسهم عليهم بل والأغرب هو قدرة ابن آدم على السيطرة على كثير من المخلوقات نفسيا ، وهو ما نجربه بأنفسنا من قدراتنا من السيطرة على الحيوان مثل الكلب والنمر والأسد ، ولو تطرق الخوف لإنسان وهو يتعامل مع مثل هذا الحيوانات فهو هالك لا محالة ، فالحيوان يشعر بنفسية الإنسان وقدراتها وخوفها وفرحها وجميع انفعالاتها ، والإنسان الواع هو من يدرك ويستطيع التعامل والسيطرة بنفسه على مخلوقات الله التي تشاركه الحياة على الأرض ولما لا وهو المخلوق الوحيد المستخلف على الأرض الآن ومكلف بمهمة إعمارها لله تعالى والكل مسخر ومأمور بالسجود له وطاعته .

وأخير لا نستطيع أن نتغافل عن حجم الجهل والتخلف والتنطع في محاولة فهم النفس البشرية عن طريق مؤلفات الكثير من البشر والذين يجرون تجاربهم ويستنتجون نظرياتهم من التعامل والمشاهدة والتجربة على مرضى النفوس البشرية ، فما بالنا لو كانوا مسلمين ولديهم كتاب اسمه القرآن يتحدث فيه خالقهم وربهم في أكثر من ثلاثمائة آية عن خلقه لنفوسهم ومواصفاتها وتداعياتها وتطوراتها منذ يوم نشأتها الأولى وحتى بداية نشأتها الثانية في أكثر ضعف عدد آيات الحدود والفروض التي بنيت عليها كل العلوم الدينية التي تدرس في الأزهر ، وكفانا قوله تعالى { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } فصلت - 53 .

وأخيرا .. صدق الله العظيم رب العرش الكريم في تقريعه لنا بقوله تعالى   {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21

تم نسخ الرابط