الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

لا شك أن قسم الله سبحانه وتعالى بالنفس وتكراره للقسم بها في مواضع متعددة يجعل منها شيئا فريدا يختلف في خلقته وطبيعته عن كل ما هو سواها من مخلوقات وربما كان أروع أنواع القسم بالنفس هو ما يقول فيه رب العزة  {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } الشمس 7 ، 8

حيث يقسم رب العزة بخلق النفس وأسباب روعة الخلق التي تستحق القسم هي أن هذه النفس منحها الله قدرات التعرف على الطريق والتفريق بين النقيضين في أسلوب الحياة سواء بالفجور أو بالتقوى ، فالله ألهم النفس قدراتها على اختيار وتخطيط وتدبير أسلوب الحياة الذي يناسبها دون غيرها .

ولا شك أن العلماء الأوائل وحتى يومنا هذا .. قد اختلفوا كثيرا حول النفس ومنهم من خلط بينها وبين الروح ومنهم من جعلها شيئا خليطا من الروح وبعض المادة حتى أن آخر تفسير يدرس في الأزهر حتى اليوم هي أن النفس والروح هما شيء واحد وله صوره وتجلياته ، وهذا هو قمة الجهل والضلال والتزوير المخالف لصريح آيات الله في كتابه .

ولقد تحدث الله عن خلق الإنسان من روح في ستة آيات وحكمها بقوله تعالى  {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، وهو تحريم وتحذير قطعي أن نحاول إقحام الروح في أي فهم أو تفسير فهي سر الإحياء لأي جماد وذلك مبلغ عملنا الذي شاء الله أن نعلمه ، وعندما تحدث عن خلق الإنسان من ماء ذكره في ستة آيات ومن تراب في ستة آيات مثلها ، وعندما تحدث عن خلق الإنسان من طين ذكره في سبع آيات أما عندما تحدث عن خلق الإنسان من نفس وتقسيم وحركات النفس وأحوالها وأنواعها فقد ذكر هذا في أكثر من (300) ثلاثمائة آية موزعة على كتاب الله .

ولذلك فقد أوضح الخالق تفصيلا حركات النفس وتقسيماتها ، والتي لا يمكن بالقطع تقسيمها لأنواع فلا توجد نفس بفطرتها خبيثة وأخرى بفطرتها طيبة وجميلة ، ولكنها أحوال تصل إليها النفس كنتاج منطقي وعملي لمعطيات الإنسان في دنياه ومواقفه المتراكمة والمتعاقبة في حياته .

وبالتالي لايمكن القول بأن النفس لها أنواع ولكننا نستطيع أن نقول أن النفس لها حالات سبعة كما يعلمنا رب العزة في كتابه العزيز كالتالي :

1- المطمئنة ... هي تلك النفس عندما تنتهي حياتها على الأرض وهي واثقة في رضا الله وكرمه

2- اللوامة ... وهي النفس عندما تحاسب صاحبها وتلومه وتعاتبه وتقوم سلوكه وأخطائه

3- الأمارة بالسوء .. وهي عندما تأمر صاحبها بالشرور والذنوب والأخطاء

4- الراضية .. وهي النفس عندما ترضى بما قسمه الله لها .

5- المرضية .. وهي النفس عندما يرضيها خالقها .

6- المتفكرة .. وهي النفس عندما تتفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما .

7- الملهمة والمبدعة .. وهي النفس عندما تأتي بالجديد في مهمتها الأزلية بإعمار الأرض .

ولكننا في النهاية نجد أن النفس لها أحوال ثلاثة رئيسية هي المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء وباقي الحالات المرصودة هي حالات فرعية تنبثق منها أو تتدرج خلالها لتصل لحالة مختلفة ، والتي من الممكن أن يعيش ابن آدم أكثر من حالة في توقيت واحد أو توقيتات متتالية متقاربة أو متباعدة طبقا لمواقف الدنيا وحركة الحياة ، ويجب أن ننظر إلى النفس على أنها كائن حيّ يتطور ويتغيّر، ولذلك يجب أن نغيّره باتجاه الأفضل، وينبغي أن نعلم أن التغيير يبدأ من الداخل، وهو ما يشير له بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد:11]. فالنفس قد تكون تارة أمّارة وتارة لوّامة وتارة مطمئنّة في اليوم الواحد، بل في الساعة الواحدة يحصل لها هذا وهذا، وهنا موضع مجاهدة النفس وتزكيتها؛ التي تعني أن تنقل نفسك من حمأة النفس الأمّارة إلى إفاقة النفس اللوّامة ثم إلى نقاء وطهارة النفس المطمئنّة والثّبات على ذلك، وحتى تعرف أين موقع نفسك أمام هذه الدرجات وأين يقف المؤشر فانظر إلى الصفة الغالبة.

وإذا اعتادت النفس حالا بعينه مثل الأمارة بالسوء فإن الحالة تتحول لصفة ملازمة ولكنها محددة في نوعية أو بعض نوعيات من الجرائم فتصبح صفة ثابتة لابن آدم قد تلازمه بعد موته ، ولا يقبع ابن آدم على حال واحد أبدا ولا صفة واحدة باستمرار ولكنه يتغير ويتبدل من حال لحال حتى يتجاوز سن الرشد فيتصف بمجموعة من تشكيلة الصفات النفسية تصنع شكلا مميزا ومختلفا عن غيره وهو ما نسميه بالشخصية .

والنفوس لها قدرات عظيمة خاصة في مجالات الإحساس والحصول على المعلومة والتنقل من مكان لمكان والتعامل مع حدود الزمان ونطاقاته ، ولكنها مقيدة داخل الجسد المادي الثقيل ومحكومة بقدراته ، وقد يستطيع أيا منا في يوم ما من حياته أن يكتشف قدراته النفسية ويستخدمها بقدرات أعلى مرة أو اثنتين ولكنه لا يستطيع الاستمرار في ذلك كثيرا ، كأن يشعر أو يتخاطب مع شخص غائب ، أو يستطيع تركيز قوة جسده كلها في لحظات قليلة فيرفع مثلا عربة وزنها أكثر من ثلاثة أطنان بمفرده .

والنفس البشرية تمثل في تكوينها قمة البساطة والتعقيد في آن واحد  وهو قمة الإعجاز في الخلق حيث من المتعارف عليه في علوم النفس البشرية التي تم تأليفها كالعادة بواسطة علماء مارسوا تجاربهم على المرض ، أن النفس ابشرية لابد وأن تأخذها باللين حتى يمكن إصلاح عوارها وأمراضها ، ولكننا نجد مثلا أن أقدم فروض العبودية هو الصيام والذي فرضه الله على كل خلقه منذ آدم ، والمعروف أن النفس إذا حرمت ما هو حق لها فإنها تصبح غاضبة وشرسة وقابلة للإنفعال وربما الإنفجار فكان أولى طبقا لعلم النفس الحديث ألا يفرض الله على النفوس الالتزام الأخلاقي وهي محرومة بل وطبقا لقواعد علم النفس لا يجوز فرض الصيام على الإنسان أصلا ، ولكن الله سبحانه وتعالى يؤدب النفس بتدريبها على الالتزام في ظل الحرمان من كل ما هو حق لها ولذلك نقول دوما أن قدرات النفس غير محدودة ويمكن أن تسيطر هذه النفس على أي جسد مهما كان تكوينه ومادته ومنشأه وهو ما سوف نستعرضه لاحقا...                                                                                                                                                               

تم نسخ الرابط