بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
أخيرا آتى عيد الفطر المبارك .. وانتهى أطول وأشد رمضان حرا مر على المنطقة منذ عقود ، فكل عام وكل البشر بألف خير وليس المسلمين فقط ، ولا لا ستطيع بشرا أن ينكر أن رمضان بالفعل كان وسيظل شهر خيرات وبركة على البشر بشتى أنواعهم وألوانهم برغم كم الشرور البشرية النابعة فقط من النفوس دون تأثيرات خارجية من وسوسة شياطين هي بالفعل مصفدة طوال هذا الشهر الفضيل .
ودوما مع حلول شهر شوال وبدء أعياد الفطر تواتيني كثيرا من الأفكار من نوعية ( فن الممكن ) ، وهي أفكار مستوحاة مما يباغتني من سلوكيات بشرية تتسم بضيق الأفق في خضم تزاحم البشر على الغب من متع الدنيا كأنها الفرصة الأخيرة أو كأنهم لم يروا أجازات من قبل رغم أن كثير من المصريين يعيشون حالة أجازات مستديمة مدفوعة الأجر في محل أعمالهم سواء كان ذلك نوما على المكاتب أو ممارسين لفن (فوت علينا بعدين ) أو حتى مستمتعين بفنون ( التزويغ ) والمأموريات الوهمية .
وأول هذه الأفكار هو سؤال للسيد المبجل الهمام رئيس الوزراء ، لماذا سيدي الفاضل لم يسطع في مخيلة الوزارة الاستفادة من الأجازة التي امتدت رغم أنف الجميع لأسبوع كامل أن تنشط السياحة الداخلية وتدر عائدا للدولة لا يقل عن المليارين بأبسط قواعد الاقتصاد بالإعلان عن الأجازة قبلها بأسبوع مع التعاقد بين الوزارات والشركات السياحية التي تعاني الركود والكساد على رحلات مخفضة أو حتى غير مخفضة مثلما تفعل ذلك كثير من دول العالم وكما فعلنا مرات قليلة في منذ سنوات قليلة ماضية .
ثاني هذه الأفكار واتتني وأنا أتابع خبر الإعداد لزواج شاب وفتاة من عائلتين كبيرتين اتفقا على إقامة حفلة الزفاف في ليلة خلال العيد في أحد الفنادق الكبرى تتكلف ما يقرب من ربع مليون جنيه ولكنهم اختلفوا قبل العيد بيومين فقط وكان الخلاف تافها وبين الأمهات كالعادة ومن نوعية تكلفة الستائر والأبليكات ولا تساوي أكثر من واحد في الألف من تكلفة السهرة ولكنهم اختلفوا بل وتشاجروا وألغي الزواج كلية بل ووصل الشجار لشبكات التواصل الاجتماعي مع تهكمات وإهانات وصور تحولت مع العيد لبلاغات ومحاضر وتحقيقات نيابة ، ولم يجدوا أحدا يهديهم لحول وسط ترضي الجميع أو لما نسميه فن الممكن .
وثالث هذه الأفكار باغتني وأنا أرى عربتين ميكروباس سرفيس بالعجمي وهما (يحشران) بينهما عربية ملاكي سبور حمراء متعمدين إصابتها واصطناع حادثة ليعلما صاحبها الأدب مع عربات السرفيس وليكون عبرة لكل السيارات الملاكي ألا يتجرأ أحد منها على المرور أو تحدي سطوة السرفيس في شوارع الإسكندرية ، وتساءلت كثيرا أين مرور الإسكندرية وكان يكفي من منطق فن الممكن تواجد كمين واحد بكل محطة رئيسية ليصنع انضباطا مطلوبا في الأعياد خاصة وأن السائقين في خضم شجارهم تباهوا باختفاء المرور والشركة خلال العيد .
رابع الأفكار بشأن جرائم الأسر في تربية أبناءهم وعدم إدراكهم لأهمية تعليم أبناءهم لفن الممكن في الحياة والنتيجة شباب من الجنسين لا يعرف سوى أنه لابد وأن يحصل على ما يريده مهما كان الثمن كما عودوهم أن أحلامهم أوامر من منطلق تجنيبهم المعاناة في الحياة ، وهي مواقف متعددة اعتدنا رؤيتها مرات ومرات في اليوم الواحد ولكنها تصبح خطيرة عندما تصدر من زوجة شابة تحيل حياة زوجها جحيما بالعتاب على كل موقف وكلمة ونظرة لا تتواءم مع فكرها وكأنها تزوجت رجلا لتصنع منه مسخا يتصرف تبعا لأهوائها وتخيلاتها ومن واجبه ألا يراعي في الدنيا سواها بل وترفض بشدة مجرد التفكير في راحة زوجها أو التوافق مع فكره إلا مرغمة وبعد أزمة تكاد تعصف بزواجها ، متناسية أو ربما لم تتعظ من كم حالات الفشل بين الأزواج الشباب أو حتى كم العوانس والمطلقات لأسباب الأنانية النفسية .
خامس هذه الأفكار كما يقول أحد أبنائي من هذا الجيل المفتكس سو وات (So What) ، وهو تعبير أسمعه كثيرا عندما تلوح في الأفق بوادر اختلاف بين الأجيال وعندها أتوقف تماما وأعيد تقييم الأمور منعا للوصول (لقفلة) كما كنا نقول في أيامنا وهو درس تعلمته من والدي رحمه الله وهو من أجمل دروس حسن التغافل ، وهو درس يحتاج له كثيرا من الآباء والأمهات في مواجهتهم لشطحات أبناءهم ومستجدات سلوكياتهم التي لم يعتادوها خلال عقود مضت ، فلابد للجميع أن يتعلموا فن الممكن .
وإذا كنا في زماننا تعلمنا فن الممكن من صعوبة الحياة منذ أيام الراديو الخشب بديكوره العتيق وتليفون المانوفيلا ومكاتب التلغراف المزدحمة من أجل كلمتان سريعتان تصل غدا أو بعد أيام ، مرورا بالتليفون المباشر فالتليفون المحمول فشبكات التواصل الاجتماعي وصولا للآيفون والميكروتاب وما يستجد غدا سيكون أسرع وأفظع ، وهو ما يجب أن ننتبه له أن أبناءنا لم يعيشوا هذه التجارب وبالتالي من الضروري أن نجد نقاط التقاء معهم بهدوء وحكمة وابتسامة رقيقة فالغضب والانفعال يغلق النفوس ويسرع بالوصول لنقاط الاختناق في أي مشكلة .
ويعد حسن التغافل هو أهم وأبرز الدروس التي يجب أن نتعلمها من ديننا الحنيف خاصة بين الأزواج ومع الأبناء وفي البيوت وبين العائلات ، فكل شيء ممكن ما لم يكن حراما أو فواحش أو فوق القدرات المادية والنفسية في أعراف وظروف البشر ، ولا مانع من إعادة التفكير دوما في خيارات مختلفة تتوافق مع الجميع وأهم من ذلك أن يكون التعامل بين البشر في إطار المودة والرحمة فالراحمون يرحمهم الله والود يصنع المعجزات خاصة مع النفوس المأزومة وما أكثرها في زمن التويتر والفيس بوك والواتس اب .



