الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

حينما كتبت المبدعة الراحلة فتحية العسال مسرحيتها "نساءٌ بلا أقنعة"، والتي زامَنَتْ مناهضَتَها لاتفاقيةِ "كامب ديفيد عام 1977؛ لم تكن تعلم أنها على موعدٍ مع تجربة ثريّة ستدخل بها بعد سبعةٍ وثلاثين عاما بيوتَ وقلوبَ ملايين المشاهدين العرب، وتحديداً في شهر رمضان من هذا العام 2014 بعد رحيلها بأسابيع قليلة؛ فقد زجَّ هذا الموقفُ السياسيّ برائدة الكتابة المسرحية (النِسْوية) إلى داخل السجن، لتقضي شهوراً عدة كشفت لها واقعاً اجتماعيا واقتصادياً مريراً تعانيه المرأة بعيداً عن معترك السياسة وتوازناتها، واقعاً لا يعرفُ عنه حتى المطالبون بحقوق المرأة والمهتمون بشئونها إلا نذراً يسيراً جدا، فما كان منها إلا أن دونت ملاحظاتها عن زميلات سجن النساء بالقناطر في دفترٍ صغير، لتخرج إلى الحرية وبين يديها ثالث نصوصها المسرحية الفارقة والذي حمل عنواناً هو: "سجن النساء".

جرعةٌ مكثفة من الخطوط السردية المتوازية ضفرتها ببراعة وعالجتها درامياً المتميزة "مريم نعوم"، معمّقةً شخصيات المسرحية بإضافات وتفاصيل جديدةٍ تماماً تتناسب وتغيرات واقعنا الاجتماعي المعاصر، بينما شاركتها في الصياغة الحوارية الكاتبة الواعدة "هالة الزغندي" في تجربتها التليفزيونية الثانية بعد مسلسلها "موجة حارة" الذي عُرِضَ في شهر رمضان من العام الفائت. وقد جاءت هذه التركيبة الدرامية نِسويّةً في معظم مفرداتها الدرامية وعناصرها التمثيلية وجوانبها التنفيذية، بدءاً من التأليف وكتابة الحوار والسيناريو، ومروراً بالاكسسوارات والملابس، ووصولا إلى قمة العمل الفني الذي توجّته برؤيتها المتميزة المخرجة المبدعة "كاملة أبو ذكري"؛ واضعةً اسمها عبر هذه التجربة وبجدارة في مصاف المخرجين الكبار في الدراما العربية المعاصرة.

وقد أسهمت عدّة عناصر لافتة وبقوّة في منح هذا المسلسل "نوط الامتياز" من عموم مشاهديه ومتابعيه، لعل أهمها تغييب الإحالة على زمنٍ متعيّنٍ تدور داخله أحداث هذا العمل، حيث تحددت الفترة الزمنية للأحداث بكونها فقط في العشر سنوات الأخيرة تقريباً، بعيدا تماماً عن ارتباط الوقائع لا من قريبٍ ولا من بعيد بالثورة وأحداثها، بينما التقطتْ أذُنُ المشاهدين إشارةً زمنيةً وحيدةً في المسلسل كله، وذلك في منطوق حكم إعدام "رضا (الفنانة روبي)" في الحلقة قبل الأخيرة من المسلسل، إذ جاء نصُّ الحكم في المشهد (عام "2006" وصادَقَ عليه السيد/ محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية)، دونما ثمة إشارة لتاريخ تنفيذ الحكم وهل هو قبل أحداث الثورة أو عقب وقوعها، حيث غطت الموسيقى التصويرية للرائع (تامر كروان) على صوت ضابط التنفيذ الذي يتلو القرار، في قصديةٍ واضحة من القائمين على العمل لتغييب زمن وقوع الأحداث بصورةٍ قطعية.

إن المبدعة "مريم نعوم" عمدت إلى فرض زمنية خاصة للمسلسل وأحداثه، والتي باتت ترتهن فقط لزمنية الوقائع التي تفرضها حركة الشخصيات/الأبطال وحكاياتهم، وقد نجحت "مريم نعوم" في الابتعاد بالمسلسل عن الارتباط بالمشهد السياسي المتوتر الذي يعيشه المصريون والوطن العربي كله في السنوات الأخيرة، في تجريد نجح في الخروج بالمشاهدين من وطأة الأحداث السياسية والأزمات الاقتصادية، داخلاً بهم زمناً جديداً هو "زمن المسلسل"، ليستغرق المشاهدون في هذا الزمن الخاص ملاذاً، إذ خلق لهم سياقاً جديداً يختلف عن سياق يومهم المُعاش، حتى ولو كان هذا السياق الجديد "كئيباً" إلى درجة كبيرة مقارنةً بواقعهم المتوتر، الذي نجح المسلسل في مجاوزته عبر خطوطه الدرامية، مهوّنا على المشاهد عناء همومه اليومية بجرعةٍ مكثفة من المكابدات، وكأنما نحن أمام المثل الشعبي الشهير: "من شاف بلوة غيره ...".

وعلى جانبٍ آخر كان كشف الأقنعة عن معاناة المرأة عموماً والمرأة المصرية خصوصاً بعيداً عن غطاء الجمال الذي تفرضه أنوثتها أو يفترضه الـ (MAKE UP) عنصرا رئيسياً في نجاح المسلسل وبجدارة، فرغم تنوع الشخصيات النسائية وتفاوت مستويات جمالهن وملامحهن، فإن مكابدةَ واقعٍ شديد القسوة ظلَّ القاسم المشترك الأكبر بينهن جميعاً، فمن ملامح البراءة التي يتمتع بها وجه (نيللي كريم) إلى نحت خطوب الزمن لوجه "غالية" بالتجاعيد، ومن ملامح الغواية التي تحولت بجسد "دلال (دُرّة)" من اضطرار البداية إلى شراهة الاحتراف، ومن نظرة الانكسار والخضوع في عين الخادمة "رضا (روبي)" حتى نظرة التشفي والانتقام في متابعتها لاحتراق جسد مخدومتها "دليلة (ثراء جبيل)" ومن ثم انكسار تلك النظرة مرةً أخرى بالندم والمرارة، ومن عفوية جمالٍ متوسط لـ "حياة (دنيا ماهر)" إلى ذهول وجهها وانحرافه جنوناً، ومن استغلالٍ رخيص لفتنة الجسد "زينات (نسرين أمين)" إلى اكتشاف ضعفه وذبوله تحت وطأة الامتهان والمرض. كانت كل هذه الشخصيات بأجسادهن وملامحهن مشتركات في مصير واحد هو التحول (من .. إلى) متجرداتٍ من الأقنعة العابرة، طبيعيةٍ كانت أم مُصطنعة، ليكشف "سجن النسا" لمشاهِدِهِ (الرجل هنا تحديداً) أنه لم يُخرج حواءَ من ضلعٍ في قفصه الصدري إلا وسجَنها داخل قفص عقله وتصوراته، وأنه يعاني بالفعل من ضآلة وضحالة تقييمه للأنثى، التي ربما تُخفي تحت نعومتها وجاذبيتها وبجانب ضعفها وغوايتها، قدرةً على احتمالٍ ما قد تنوء بحمله الرجال، بل وربما الجبال أيضاً.

تم نسخ الرابط