تغيرت طبيعة الأزمات الاقتصادية، فقد كان العالم يتعامل مع الأزمات بيقين قائم على أن استمرارها سيضر الجميع، وأنه من الصالح العالمى الانتهاء منها فى أقرب فرصة، وفى الغالب ما كان يتم احتواء الأزمات فى المدى الفورى أو المدى القصير، وتابعنا كيف نجحت الولايات المُتحدة الأمريكية خلال نحو 7 أشهر فى أن تحتوى أزمة انهيار بنك سيلكون فالى فى مارس 2023 وتمنع انتشار تلك الأزمة لقطاعات الاقتصاد الأمريكى، والعالمي. ورغم أن الصين استغرقت وقتًا أطول لاحتواء أزمة الرهن العقارى لديها والتى انكشفت بانهيار شركة إيفرجراند الصينية العملاقة، إلا أنها نجحت بالفعل خلال أسابيع من أن تُحاصر تلك الأزمة وتجعلها لا تخرج خارج القطاع العقارى، ولا تمتد لقطاعات الاقتصاد الصينى والعالمي.
لكننا نجد أن الأمر يختلف فى أزمات أخرى، فقد كان المتوقع للحرب الروسية الأوكرانية التى اندلعت فى 22 فبراير 2022 أنها سوف تستغرق أيامًا أو أسابيع على الأكثر، وتم التعامل معها عالميًا من خلال مُسكنات المدى القصير، ولكن مع استمرار الحرب لأكثر من عامين وامتداد آثارها عالميًا، بدا وأن الانحياز لسيناريو المدى القصير للحرب كانت تكلفته باهظة، وهو الأمر الذى خلف آثارًا اقتصادية بالغة الخطورة على الكثير من دول العالم بما فيها مصر التى أنهكتها آثار تلك الحرب، إلى أن صححت مسارها من خلال برنامج إصلاحى مُتكامل بدأ بدعم من سيولة نقدية كبيرة بلغت نحو 35 مليار دولار دخلت مصر بمناسبتها صفقة رأس الحكمة مع الإمارات العربية الشقيقة.
ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية فى 28 فبراير 2026 كان المُرجح أن هذه الحرب وهذا الصراع لن يستغرق سوى أيام، ولكن الأمر امتد ليتجاوز مداه الفورى، وينتقل لمداه القصير، مع إمكانية استمراره للمدى المتوسط سيما وأن تأثير تلك الحرب سيمتد بالفعل للمدى المتوسط حتى تم إنهاؤها بفعل ما ستخلفه من أضرار سيحتاج الأمر لشهور وربما سنوات لتجاوزها.
وفى مصر بدا واضحًا أن الإدارة المصرية لم تراهن كثيرًا على الإنهاء الفورى لتلك الحرب، ولم تلجأ لسياسات المُسكنات، فبمجرد اندلاع الحرب، التى كان أثرها الفورى هو بداية خروج نحو 7 مليارات دولار استثمارات للأجانب فى الديون، نجد أن الحكومة بدأت بتقرير إجراءات استباقية تركزت أهمها فى التمسك بسعر صرف مرن، وعدم اللجوء إلى دعم العملة المحلية، وهو الامر الذى وإن كان سبب تراجعًا فى قيمة الجنيه، إلا أن أبرز آثاره كان هو عدم ظهور سوق موازية للعملة وعدم استنزاف الاحتياطى من النقد الأجنبى، وهو الأمر الذى شجع الأجانب على اتخاذ مسار العودة لاستثمارهم فى الديون الحكومية. إذا كان تبنى الدولة لسعر محروقات وكهرباء أكثر مرونة كان له تأثير سلبى وفورى على التضخم، إلا أنه حافظ على استقرار الأسواق مع عدم ظهور مُمارسات المُضاربة على السلع والمُنتجات والتى إذا كانت قد حدثت لخلفت آثارًا أكثر إضرارًا على الاقتصاد ودفعت التضخم لمستويات قياسية.
عنوان السياسات الحكومية للتعامل مع الأزمة، كان خيار الإجراءات الاستباقية القائمة على دفع ضرر أكبر بضرر أصغر للتعامل مع أزمة ليس لمصر دور فى اندلاعها، ومن غير المعلوم على وجه الدقة توقيت انتهاء آثارها. تبنت الحكومة إجراءات ترشيد قياسية، فسمحت بتناوب العاملين بها يوم الأحد من كل أسبوع بما يُخفض من الطاقة المُستخدمة فى المصالح الحكومية وفى انتقالهم للدواوين، وقررت الإغلاق المُبكر للمحال التجارية قبل أن يتم التخفيف منه بعد ذلك، وخفضت من إنارة الشوارع، ووجهت دعوات الترشيد للمواطنين، وغير ذلك من إجراءات اتسمت بأنها ذات طبيعة مرنة يتم تقييمها أسبوعيًا بما يتناسب مع مُستجدات الأحداث، وهذا الأسلوب من الإدارة هو ما نجح فى أن تتجاوز مصر الآثار الفورية لتلك الحرب، وتسير فى مسار تجاوز آثارها الضارة للمدى القصير، وفى محور آخر من محاور العمل نجد أن الحكومة مُستمرة فى مسارها الإصلاحى بما فيه تحفيز نشاط القطاع الخاص سيما فى الصناعة والقطاعات الإنتاجية، وتنفتح فى التشاور مع المؤسسات الدولية التى نُتابع تصريحاتها عن جودة السياسات المصرية فى مجال التعامل مع هذه الأزمة، وهو الأمر الذى يُمكن مصر من الحصول على الدعم الفنى والتمويل الذى يُساعدها على الاستمرار فى صمودها أمام هذه الأزمة التى تأتى بعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية العالمية غير المسبوقة، وتؤثر فى مسار الاقتصاد العالمى وتحد من نموه.
كان للسياسات الحكومية المصرية آثار اجتماعية صعبة معلومة ومتوقعة، وهو ما جعل من تطوير إجراءات الحماية الاجتماعية أحد أهم مسارات تعاملها مع تلك الأزمة، بما فى ذلك ما تقرر من زيادة فى الرواتب والمعاشات، بما فى ذلك رفع الحد الأدنى للأجور وتقرير إعانات للعمالة غير المُنتظمة، والتوسع فى تغطية الدعم النقدى المشروط «تكافل وكرامة» وغيرها من إجراءات تدخل مجال التنفيذ مع بداية الموازنة المالية فى يوليو المقبل 2026 مع استمرار مُراقبة تطورات تأثير تلك الأزمة على المواطن حال استمرارها.
لم يكن تجاوز مصر لأضرار الأثر الفورى، ومُضيها فى تجاوز أضرار المدى المتوسط أمرًا سهلًا، ولكن هذا النجاح تم بإدارة رشيدة من الحكومة، وتفهم من المواطن بما يُعبر عن زيادة الوعى الوطنى، وهو ما يُعد أساسًا للبناء عليه لتحقيق التطلعات الوطنية خلال ما هو قادم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



