خطورة البيان الذى أطلقه حزب النور أنه يعيد إلى الأذهان الفتاوى التى تجرم الفن وتحرم الإبداع ويجرجر المجتمع إلى مستنقع التحريم والتجريم والمصادرة وفتح مجال جديد لطيور الظلام وعودة محاكم التفتيش ودعاوى الحسبة.
ففيلم (برشامة) الذى فتحوا امامه أبواب جهنم قد انتهت مدته فى السينمات ويعرض حاليا فى المنصات مثل كل الأفلام، ووقت عرضه حظى بإشادات نقدية وجماهيرية كبيرة لأن رسالته هى السخرية من التزمت والتشدد الدينى وليس من الدين، فى وطن يرفع الوعى والتنوير ويحث مؤسساته على استعادة الشخصية المصرية وجذورها الأولى لا يسمح بالتطاول على الدين ورموزه،بل إنه يدعو لإعلاء شأنه ورفعته.. راجعوا الترحيب الكبير ببرنامج «دولة التلاوة» الذى يستهدف اكتشاف أجيال قادرة على حمل الراية والوصول إلى الأجيال الحالية والقادمة.
أقول قولى هذا بعد أن تقدم رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور ببيان عاجل وغريب -الأحد الماضى -إلى رئيس مجلس النواب، وموجهًا إلى رئيس الوزراء، ووزيرة الثقافة، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للمطالبة بوقفة حازمة ضد ما وصفها بـ«التجاوزات والظواهر الدخيلة والجرأة الآثمة على المقدسات والثوابت الشرعية فى الأعمال الفنية»، معتبرًا فيلم (برشامة) نموذجًا صارخًا لتجريف وعى الشباب وهدم الهوية الإسلامية، وأن الفيلم يسلك مسارًا خطرًا ويرسخ لمعانى السخرية والاستهزاء من جوانب مهمة للمجتمع المصرى، ثم خرجوا فى وسائل الإعلام لتصدير فكرة أن البيان من أجل النصيحة الواجبة لصيانة الشريعة وأبنائنا حفاظًا على هوية الوطن الدينية والأخلاقية،ومطالبًا بوقفة حازمة لتحكيم الرقابة ومنع هذه التجاوزات.
البيان الغريب أبرز عدة نقاط وصفها بأنها تجاوزات وتمثلت فى زج اسمى الإمامين أبى حنيفة وأحمد بن حنبل فى «إيفيهات» لتمرير مغالطات شرعية وتسطيح مكانة الفقه، وتجسيد مشاهد كاملة تظهر استخدام بيوت الله ومنابرها وميكروفوناتها كأدوات لتيسير الغش والخداع، وتأجيل الصلاة عمدًا لأجل المعصية، كما تمثلت المخالفات حسب البيان فى الزج بآيات القرآن الكريم وغزوات التاريخ فى سياق «التراشق والردح الكوميدى الهدّام»، والوصول إلى ذروة التجاوز اللفظى بإعلان تفضيل «جهنم» علانية، والتعامل مع المعصية والستر الإلهى كنوع من الندية، فضلًا عن تحويل قيم الخوف ومفهوم المغفرة والعذاب الإلهى فى الآخرة إلى مادة للهزل والسخرية، مما يؤدى إلى تبلد عاطفة الغيرة الفطرية فى قلوب النشء.
فيلم (برشامة) يدور فى إطار كوميدى اجتماعى ساخر، حيث تقع أحداثه كاملة فى «يوم واحد» داخل لجنة امتحانات «الثانوية العامة» لنظام المنازل، وتحديدًا أثناء امتحان مادة اللغة العربية. وخلال الفيلم تتحول اللجنة إلى ساحة من الفوضى العارمة والارتباك والضغط الأخلاقى بعد تفشى «الغش الجماعى» بين طلاب من فئات وأعمار وخلفيات اجتماعية متباينة، مما يفجر مفارقات كوميدية ناتجة عن ارتباك الشخصيات وتخبطها وكلها فى اتجاه السخرية من التشدد والازدواجية، وهذا ما دفع اتحاد النقابات الفنية برئاسة المخرج عمر عبدالعزيز للتحرك سريعًا ورفض تخوين (برشامة) وجموع الفنانين, مؤكدًا حق النقد والحوار، ورفض التحريض والتكفير، والتأكيد بأن هذه الممارسات تمثل أحد أشكال نشر الكراهية، كما تُعد نوعًا من الإرهاب الفكرى الذى تجاوزه المجتمع، داعيًا إلى التصدى لها وعدم السماح بانتشارها داخل المجال الثقافى والفنى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



