الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

توقفنا من قبل عند أحوال النفس البشرية والتي حددها الله عز وجل في كتابه العزيز ، وقلنا أن الله خلق النفوس جميعا من سديم واحد وبالتالي تشترك جميعها في المواصفات الرئيسية للنفوس ، ورغم ذلك فهي تتنافر وتتجاذب تبعا لنوعياتها ، والتي تختلف تماما عن أحوالها ، حيث أن أحوال النفوس هي ردود أفعال النفوس تجاه نتائج حركة حياته على الأرض وهي مشتركات وهبها الله عز وجل لجميع النفوس وتتفاوت تبعا لطبيعة ونوعيات وبيئات نشأة النفوس وتربيتها .

وكنتيجة مباشرة للتغيير المتكرر لأحوال النفوس طبقا لنوازعها ودوافعها ما بين التطلع والرضا والسخط واللوم والاطمئنان والشك والتفكر تختلف رؤي الإنسان وآراءه وميوله يوما عن الآخر ، ولعل من أخطر الأسباب على استقرار حياة الإنسان هو قبوله أو رفضه شيئا تبعا لأحواله النفسية متعارضا مع خطوط نفسه العريضة كأن يتزوج الإنسان من شخص ولعا أو طمعا في جماله أو ماله أو نسبه أو حسبه ونسبه مثلا وهو في الأصل صاحب نفس تختلف وتتعارض خطوطها العريضة مع نفسه ومواصفاتها الأساسية .

والحالات التي يتقلب الإنسان بينها نفسيا هي نفسها المؤثرة بقوة لتصنع الفوارق الواضحة بين نوعيات النفوس وذلك باعتياد أو ميول الإنسان لممارسة هذه الحالة تبعا لخطوط نفسه العريضة والتي تتأثر بوضعه وبداية واتجاه حركة حياته مع مؤثرات الكون من حوله والتي يوضحها علم الفلك بدقة والمتعلقة بالأبراج الكونية وتأثيراتها عليه وعلى حياته ، فمواليد فترة معينة مثلا متقلب المزاج ولا يستقر على رأي أو قرار أبدا ، وآخرون بطبعهم شكاكون في كل شيء وغيرهم حالمون في أفكارهم وقراراتهم وغيرهم جادون ولا يصدقون في الرومانسية والمشاعر كثيرا وهو ما نراه واضحا في ممارسة العلاقات الاجتماعية .

ومما لا شك فيه أن الزواج هو أكثر أنواع العلاقات البشرية تقاربا وتأثيرا على الإطلاق حيث تتكامل النفوس والأجساد ولا يكتشف الشخص عدم توافقه مع شريك حياته غالبا كنتيجة لمخالفة قواعد الاختيار البسيطة مدفوعا بولعه وطمعه إلا بعد محاولات التكامل الجسدي المجردة فيتنافرا وتبدأ المشاكل دون سبب واضح أو مبرر ماديا وربما نفسيا ، ولذلك فعند الزواج ينصح بالتروي واختيار صاحب الأخلاق الكريمة النابعة من خوفه من الله وليس لسبب آخر كالتربية والبيئة والاعتياد ، فخوف النفس من الله سيجبرها على إرضاء الله في شريك حياته حتى ولو لم يتوافقا كنفوس تزاوجت ولكنها فشلت في التوافق .

وعند توافق النفوس بغض النظر عن اختلاف الأوضاع والأحوال فيمكن أن تستمر الحياة ولا يتولد كرها بين النفوس مطلقا مهما اختلفا أو حتى تشاجرا ولو بالأيدي ولكنهما لا يتنافرا كنفوس تعشق تكاملها مع بعضها فلا يفرقهما شيء أو اختلاف ، وهو ما نراه كثيرا في اختلاف البيئة والتربية والمستويات الاجتماعية والمادية وربما الوطن والجنسية ومع ذلك فزواجهما ينجح ويستمر لنهاية العمر ، ولذلك فأبسط النصائح هي نصيحة رسول الله (أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) وهي نظرة لابد وأن تخلو من محاولة اكتشاف أو التمتع والانبهار بالجمال الجسدي ولكنها نظرة مجردة لما تخبر به العيون من نوايا وأسرار وقبول أو رفض .

ولذلك يقول رسول الله في حديث أبو هريرة في الصحيحين (النفوس جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف) والحديث أصح لفظا بالنفوس وليس الأرواح ، فلا علاقة لنا بالروح التي هي سر الحياة لكل جسد حي بشرا أو حيوانا أو نباتا كما أوضح رب العزة (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ، فالنفوس تتعارف أو تتنافر ويحدث بينها الألفة أو الاختلاف ، وهو السر وراء أن ترى إنسانا للمرة الأولى وتشعر أنكما تعرفان بعضكما البعض منذ سنوات وآخر تشعر أنك  لا تقبله وهو ثقيل على قلبك  .

ولا شك بالتالي أن الحياة هي نتاج حركة وتعامل النفوس مع بعضها فدوما نجد نفوس تقبل سيطرة نفوس أخرى عليها ولا تقبل حتى مجاورة نفوس أخرى لها ونفوس أخرى من الممكن أن تقبل مجاورة نفوس ولكنها تأبى تعديها أو سيطرتها عليها ولكنها تقبل التعدي ولا يؤذيها حتى سيطرة نفوس بعينها ، ولذلك ينجح القادة ويفشلون فبعض القادة الأذكياء يعرفون نوعيات النفوس ويجيدون التعامل والسيطرة على مختلف أنواع النفوس وإدارتها ، وهنا لابد وأن نذكر أن بكرم الأخلاق وحدها تستطيع أي نفس أن تكون مقبولة حتى من النفوس التي تتنافر معها .

ولعل كثيرا من الأزواج والأكثرية من الزوجات يقبلن استمرار الحياة مع شريك تتنافر معه نفسيا ولكنها تراه أفضل الأزواج أخلاقا ولن تعوضه لو خسرته فتتحمل رفض نفسها وربما تتغلب عليه من أجل الفوز بكريم الأخلاق ولو لأطول فترة ممكنة فاختلاف النفوس وتنافرها غير مأمون العواقب ولا يضمن أحدا استمراره ومفاجئاته مهما طالت العشرة بينهما عبر الزمن خاصة لو التقت النفس بمن يتوافق معها ويتناغم ولو بعد حين .

ويعتبر العشق أحد أشد حالات التوافق النفسي بين ذكر وأنثى ولكنه في النهاية ليس كافيا لقيام علاقة زواج أو استمرار هذه العلاقة بين هاتين النفسين العاشقتين ، فالشروط الأخرى المادية والنفسية قد تكون حاكمة وقاطعة ولا يمكن التوافق معها كعشق الرجل لامرأة متزوجة من غيره أو وجود فوارق اجتماعية وبيئية كبيرة بينهما تسقط إحتماليات قيام أي نوع من العلاقة بينهما ، فالنفوس تعشق كما تشاء ولا يملك الإنسان إلا أن يتوافق مع معطيات حياته وبيئته والتي على رأسها حدود دينه وأعراف مجتمعه .

وبعيدا عن أحوال النفس فيمكن التفريق جيدا بين نوعيات للنفوس الخفيفة وأخرى نوعيات نفوس ثقيلة فالنفوس الخفيفة يقبلها أي شخص ويستسيغ التعامل معها ، أما النفوس الثقيلة فيجمع الغالبية على كراهية التقرب أو التعامل معها ، وقد يؤدي مرضا بالنفس لوصولها لحالة النفس الثقيلة كاعتياد التعدي على حقوق الغير منذ الصغر تبعا للبيئة المحيطة ولكنه قد لا يكون ثقلا أصيلا فيها ولا من مواصفاتها ولا يستطيع أحدا اكتشافها إلا عند توافقها مع نفوس خفيفة بعينها .

وتوافق النفوس واختلافها ربما نراه في بيت وأسرة واحدة بين والد أو والدة والأبناء وبين الأبناء وبعضهم البعض ولا يحكم العلاقات بينهم سوى حدود الدين لأن الأخلاق والأعراف تسقط مع المواقف الحادة وما أكثرها في حياة البشر ، وكذلك ربما تنشأ حالة التنافر كنتيجة لرفض النفوس لوضع غيرها كنتيجة طبيعية لحركة الحياة مثلما نراه واضحا في عدم ارتياح نفوس الأخوة الذكور لزوج أختهم الأنثى خاصة في البيئات المتزمتة مثل الصعيد والأرياف خارج المدن حيث يكون من نتاجه مثلا رفض تمكين البنت من ميراثها كرها لذهاب المال لرجل غريب وأبناءه وكفاه أنهم رضوا أن يتزوجها ويعاشرها وهي أختهم (وكأنهم كانوا يتمنون عدم زواجها حتى لا يعاشرها رجل غريب) .

ولو علموا أن حالات الذكر والأنثى ما هي إلا حالة استثنائية لضرورات الحياة على الأرض ولحكمة استمرار الاستخلاف عليها ، وأنها ستزول بمجرد الخروج من الدنيا والوصول ليوم القيامة وأنهم جميعا سيعودون كما بدأوا نفوسا  كاملة لا ذكر فيها ولا أنثى ما نشأت بين النفوس هذه الحالات من المشاكل والتطاحن والتقاتل وجنون وجرائم العشق بل وحالات التنافر والاختلاف وهو ما يوضح رب العزة بقوله تعالى  {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 وقوله تعالى عند قيام الساعة  {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ثم قوله تعالى  {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 .

تم نسخ الرابط