بقلم : د. شوكت المصري
يرى الرجلُ نفسَهُ دائما محورَ الحياة والموت للمرأة ووجودها، وبؤرة اهتمامها الذي يجب عليها أن تدور حولهُ كما تدور الكواكب السيّارةُ حول الشمس، في منظومةٍ لا يمكن لها أن تهتز أو تختل وإلا لسقط الوجود كله واندثر!! هذه الرؤية المهيمنة التي قرّت في المخيلة الذكورية (العربية منها تحديداً) هي ما عمدت كاتبات وفريق عمل ومخرجة مسلسل "سجن النسا" إلى تفجيرها وتدميرها، وليس فقط محاولة المساس بها وخلخلتها، في المسلسل الذي انتهت حلقاته مع انتهاء شهر رمضان المعظم منذ أسابيع قليلة وتعيد بثه حاليا عدة قنوات.
لقد وضع هذا المسلسلُ الرجالَ على هامش الحضور النِسْوي الطاغي، بدءاً من اختيار معظم الطاقم الرئيسي للعمل (باستثناء موسيقى المسلسل التصويرية للمبدع "تامر كروان")، ووصولاً إلى مركزية الشخصيات النِسوية التي تدور الحكايات حولها وترصد الأحداث تحولاتها وتطور حركتها في سياق العمل الدرامي. غير أن مجموعة شخصياتٍ "رجال" جاء حضورهم لافتاً في أحداث هذا المسلسل، الذي ترك بصمته في عقول وقلوب مشاهديه، وأفسح لنفسه مكاناً في تاريخ الدراما العربية كلها وباقتدار، رغم اختلاف مساحة هؤلاء الرجال داخل العمل، واختلاف موقف المشاهدين منهم تعاطفاً وكراهيةً سلباً وإيجابا. وقد جاء على رأس هذه الشخصيات (صابر سائق الميكروباص) الذي جسد دوره الفنان المبدع "أحمد داوود"، تلك الشخصية النفعية المعقَّدة التي لا ترى في المرأة سوى وسيلةٍ لتحقيق الأهداف وصفقةٍ ترتبط فقط بحسابات المكسب والخسارة، وكذلك (الحاج حجاج) الذي أدى دوره باقتدار الفنان د.علاء قوقة الأستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ذلك "المِعَلّم" المُوهِم بوجاهته وتصدّرِهِ للقيادة؛ بينما هو مجرد تابع لزوجه المِعَلِّمة (عزيزة "سلوى خطاب") التي صُدِمَتْ بـ قلة أصل زوجها بعد أن دخلت السجن بدلا منه، حيث تزوج بـ "صبيّتها"، لتنتقم منهما "عزيزة"؛ ويتكبد هو للأبد إصغارها وإذلالها له أضعافاً مضاعفة.
وعلى جانب آخر عمدت الكاتبة المبدعة "مريم نعوم" إلى إبراز جانب وفاءٍ في شخصيةِ "الرجل"، لكنه وفاءٌ مجروح منقوص حيث تأتي به شخصيةٌ لا يمكن اعتبارها نموذجيةً أو سويّة، حيث الـ مجرم "نَفَسِين" صبي "المعلمة عزيزة" الذي يفي المِعَلّمة حقَّها ويقف بجوارها نصيرا لها في محنتها، لكنه في النهاية "مجرم" يعمل في تجارة المخدرات، وهو الدور الذي جسَّدَهُ الفنان الشاب (محمد فاروق)، وأثبت به حضورَه وقدراته الفنية المبشّرة بمستقبلٍ واعد؛ إذا نجح في الخروج من دور "البلطجي" في أعماله الفنية القادمة مجسّداً شخصيات أخرى متنوعة، وأحسبه يستطيع.
"ربما لا يكون (الرجل) مجرماً ولا مُستغِلاً، لكنه للأسف قد يكون مشوَّهاً سلبياً تجاه (المرأة)"، إنها إحدى الرسائل الضمنيّة التي حملها مسلسل "سجن النسا" مُجَلِياً إياها عبر شخصية (شوقي) زوج (حياة "دنيا ماهر")، الذي أدى دوره المخرج الفنان "أسامة أبو العطا"، حيث الزوج المبتعد كليةً عن رغبات زوجته وآلامها وتوتراتها، والذي يدفعها جانياً عبر سلبيته وبرودته إلى الانهزام نفسياً وعاطفياً ومن ثمّ إلى الجريمة الفاجعة، لتتلظى وحيدةً ذاهلةً في جحيم الألم والندم والجنون.
وفي مقابل كل أولئك الرجال المشوهون جاء رجلٌ وحيد ف مسلسل "سجن النسا" سوياً معتدلاً (صامتاً)، مجسداً "العاشق" المخلص الذي لم تلتفت إليه البطلة (غالية "نيللي كريم")، بل ولم تر فيه شخصاً جديراً باهتمامها، حتى بعد أن لفتت انتباهها إليه صديقتها السجانة (إحسان "سلوى عثمان" ابنة الفنان القدير "عثمان محمد علي)، إنه (الأمين حسن) الذي جسّد دوره ببراعة الفنان الواعد "سليم سليمان"، ولا أدري هل كانت "مريم نعوم" تضع في اعتبارها حكاية "الشاطر حسن" وهي تختار اسم شخصية العاشق، أم أن الصدفة وحدها هي التي ألقت بظلال الحكاية الشهيرة لعاشق الأميرة المنتَظَر على حكايتنا المعاصرة؟!! وهل عمدت المؤلّفةُ ضمنياً إلى إلقاء اللوم على نساء لم تكتشفن عشاقهن المخلَصين ولم ترين في أولئك العشاق الموءودين خلاصهن وتحررهن من مصيرٍ مجهولٍ بائس؟!! أم أنها رأت في اكتمال العشق أسطورةً لا يمكن لها التحقق حتى في الروايات والحكايات الدرامية المُتَخَيّلة؟!! ستة مشاهد وليس أكثر جاءت كفيلةً عبر أداءٍ فريد لـ "سليم سليمان" حاملةً حالات متنوعة لعاشقٍ ظلمته بالإهمال معشوقَتُة، نظراتٍ صامتة تطورت إعجاباً إلى حب وانتقلت من اللوم والمكابدة إلى الشفقة وبكاء سوء المصير، حملتها عيون (الأمين "الشاطر" حسن) إلى وجه (غالية) التي لم تلق له ولنظراته بالاً، وتركته ليس فقط على هامش حكايتها الدامية وإنما خارجها تماما في أقاصي المسافة والغياب.
لقد عمدتا "مريم نعوم" و "كاملة أبو ذكري" إلى التأصيل والتأكيد المتنوع على استحضار "الرجل" هامشاً في حكايات تلعب "المرأة" بطولتها وتكابد وحدها تقلباتها ووقائعها المتلاطمة، حتى وإن تعددت أشكال حضور هذا الرجل وتأثيراته في خلفية المشهد والحكاية. ليقبع الرجل بهذا التصوّر في مرمى الحدث الدائر فاعِلاً مهمِّشاً نفسَهُ حيناً ومفعولاً به مهمَّشاً عمداً في أحايين أخرى، معشوقاً ظالماً تارةً وتابعاً خائناً أو مجرماً وفيّاً تارةً أخرى، بارداً سلبياً جانياً يدفع بها إلى الجنون والجريمة، أو عاشقاً مغلوباً يقبع في البدء والمنتهى خلف أسوارها، سجينا فيها ومعها داخل "سجن النسا" أو خلف أسوارٍ شاهقة لعشقه الأبدي اليائس.



