الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

 

تذاكرنا معا من قبل خواطر حول آيات الله تعالى في خلق النفس البشرية وتعلمنا منها ما غفلناه قرونا طويلا وأهمها حل اللغز الأبدي وفك طلاسم الخلط واختلاط الفهم التاريخي ما بين النفس والروح والجسد وأرسينا ثوابتا من الحقائق التي لا تقبل الجدال ولا النقاش وكان أهمها :

1- النفس هي الكينونة المعنية بالخلق والمكلفة والمحاسبة وصاحبة المسئولية ، فقد خلقها الله على هيئته سبحانه وتعالى لتعمر جزءا من كونه كخليفة له ، ولذلك وهبها كل نوازع الخير والشر ، ومنحها قدرات وإمكانيات الفهم والتدبر والإحساس والمشاعر والشهوات والإبداع لتكون له عونا لها على أداء مهمتها التي خلقها الله من أجلها والتي استحقت عليها التكريم بسجود الملائكة لها وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها .

2- الجسد هو المطية التي منحها الله للنفس لتحيا بواسطتها على الأرض وقد خلقها الله تعالى من طين الأرض لتكون متوائمة مع البيئة التي ستحيا عليها النفس ، ويبقى الجسد حيا ما دام فيه سر الإحياء لكل جماد وهو الروح ولكن الجسد يحتاج لسر الإحياء للجماد وهي الروح ، فإذا خرجت الروح وتركت أي جسد فإنه يتحلل ويعود ترابا كما كان .

3- الروح هي سر الإحياء لكل جماد في الكون بدءا من الخلية الحية التي هي أساس كل مخلوق حي وتدرجا للنبات والحشرات والحيوان وكل خلق حي ينمو ويتحرك ويساهم في حركة الحياة ، فالروح هي سر الله تعالى في إحياء خلقه وهي لازمة لإحياء جسد الإنسان ليكون حيا ومستعدا لاستخدام النفس .

شاء الله سبحانه وتعالى أن تنقسم النفس لشطرين ذكرا وأنثى وهما متكاملين أصلا لكونهما من وحدة واحدة وذلك لحكمة إيجاد الدافع لاستمرار الحياة بينهما حيث تتولد من هذا الانقسام كل مشاعر الحرص على التكامل والاستخلاف بينهما جسديا ونفسيا ، ومنح سبحانه كل شطر من النفس جسدا يتناسب مع تكوينه ونوازعه النوعية ووظيفته الفطرية في الحياة فأصبح من النوازع الفطرية إعجاب كل جنس بجسد الآخر واشتياقه للتكامل معه وهو ما نسميه الشهوة للجماع وهي في الأصل رغبة متقدة للتكامل مرة ومرات بين الجنسين لا تخبو ولا تموت مهما طال عمر الإنسان في الدنيا .

ويمثل الجسد الحي للنفس كمركبة فضائية متكاملة ففيها غرفة القيادة وهي الجسم الصنوبري في قاع المخ بين فصيه الأيمن والأيسر ، ثم الحاسب الرئيسي وهو المكون من مجموعة وشاشات العرض وشبكة اتصالات تعد معجزة ربانية في الخلق ، وخازن للمعلومات المؤقتة ووحدات حساب ومنطق ومشاعر وتقييم ومقارنة ، وهو متصل بمجموعة الإدخال والإخراج ومعدات الحركة والتغذية والتنفس والصيانة وكل ما يلزم ممارسة حركة الحياة ، فالجسد بالنسبة للنفس هو عالمها الخاص ومستودع أسرارها ومطيتها في كل حركة الحياة رغم أنفه فهو مستخدم ولا إرادة له فيما تفعله النفس ، ولكن هذا في إطار منظومة الخلق للأشياء دون تجاوز الحدود أو تعريض الجسد للتلف أو التدمير ، حيث أن الخاسر الأول من تلف الجسد هو النفس التي تخسر وسيلتها في التواجد في صورة الحياة على الأرض .

والنفس تذوق الموت ولا تموت ولا حيلة ولا شفاعة في ذلك ... {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، والموت هو مغادرة الروح للجسد ، فيصبح الجسد غير صالح لاستخدام النفس ، وبعد أن تذوق النفس الموت ويسترد الله سر الإحياء وهو الروح يتحلل الجسد الميت ويعود ترابا كما كان ، أما النفس وهي أصل الإنسان فتعود لربها ، ينشئها فيما لا نعلم (وينشئكم فيما لا تعلمون) وهي النشأة الثانية التي لم يشأ الله أن تعلم النفس عنها شيئا ولكن تجربها النفس بعد أن جربت النشأة الأولى ( ولقد علمتم النشأة الأولى ، فلولا تذكرون) ... والتي جربتها النفس من قبل عندما دخلت جسد إنسان فأصبحت بشرا محكومة بقوانينه على الأرض ، ولكنها اليوم تتحرر من قوانين البشرية وربما ترتقي لقوانين أخرى وخلق أرقى أو تنحدر لقوانين أقل حسب نجاحها في نشأتها الأولى كبشر .

وفي نهاية المطاف عندما ينفخ في الصور ليوم القيامة فتعود كل نفس لتتكامل وتصبح نفسا واحدة مكتملة ، فلا ذكر ولا أنثى  {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 وهو ما يؤكد رب العزة عند وصفه لأحداث يوم القيامة في سورة التكوير  {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } ولذلك يؤكد سبحانه أنه لا أنساب بينهم عندئذ بقوله تعالى  في سورة المؤمنون  {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ } ، وبالتالي يسقط ادعاء الجهل بقول البعض أن للرجال حور العين في الجنة دون النساء .

ولا شك أن النفوس تمرض وتشفى وأمراضها دوما من سوء تورطها في حالات ومواقف مخالفة لفطرة خلقها التي فطرها الله عليها أو مخالفة لأوامر ونواهي الخالق في تعاملاتها وممارساتها لحركة حياتها ، ولا شفاء لها إلا بتصحيح مواقفها وأحوالها ويبقى شفاؤها التام والنهائي فقط يوم خروجها من هذا الجسد يوم يكشف عن كل نفس غطاؤها  {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، وساعتها فقط تكتشف النفس حقيقة أوهامها التي رانت عليها فضللتها وأمرضتها .

وتختلف نوعيات النفوس عن بعضها ولكنها في الحقيقة يحكمها تغلب حالات تعتاد النفس على ممارسة متطلباتها فتصبغ بها ، فكل النفوس ألهمها الله فجورها وتقواها  {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }الشمس7،8 ولكن هناك تفاوت في تغلب مواصفات للنفس على غيرها كنتيجة منطقية لتأثيرات قوانين خلق الكون على النفوس ، ولا نكتشف حقائق النفوس إلا عند تعرضها للمواقف الحدودية أو الكاشفة والتي نسميها بالفاصلة وهي تتكرر منذ الطفولة وحتى الوفاة والتي تكشف بجلاء الصفات السائدة عند النفس البشرية التي نتعامل معها والتي تفاجئ بها النفوس بعضها البعض عند الاحتكاك المباشر مثل حالات الزواج فتعشق بعضها بعضا أو تتنافر للأبد ولا تلتقي مطلقا أو تتعايش مع بعضها دون الاقتراب من مناطق الاختلاف كما يحدث في غالب الأحيان لتستمر الحياة دون أضرار قد تصيب نفوسا أخرى لا ذنب لها .

ولا شك أن كثيرا من  المفاهيم قد اختلطت عند البشر وشابها التحريف والتزوير وربما الضلال لخضوعها لتخيلاتهم وأحلامهم بل وتوهماتهم والتي تأتي دوما مطابقة لمشاهداتهم في الدنيا ولكنها لا علاقة لها بالحقائق والثوابت المحدودة بقدرة الله تعالى خاصة فيما يتعلق بكثير من الغيبيات مثل موضوع عذاب ما بعد الموت وهو ما يلقبونه بعذاب القبر ، وحيث الاعتبار دوما لمجازية أحاديث رسول الله خاصة في الأمور الغيبية التي قد تحدث لغطا ولا تستطيع العقول فهمها فكان يحدثهم بما يتناسب مع حدود عقولهم وميراثهم التاريخي ، فضلا عن الخطأ في نقل الألفاظ مثل قولهم (الأرواح جنود مجندة) بدلا من (النفوس) في حين أن الأرواح لا علاقة لها بتعاملات الإنسان وحركة حياته فهي سر الإحياء من الله ولا نعلم عنه شيئا  {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 .

وأخيرا كان لابد لعلماء النفس المسلمين أن يدرسوا علوم خلق النفس وحركاتها في الحياة من كتاب الله الذي خلق النفس ويعلم مستقرها ومستودعها وهو بكل شيء عليم  {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 وذلك قبل أن يتورطوا في دراسة أوهام وتخاريف ونظريات البشر التي استنبطوها من مراقبة للمرضى والمخبولين والموتورين نفسيا فيصدق البعض بل ويؤمن أن الطفل يستمتع جنسيا عند رضاعته من ثدي أمه مثلا .. وغيرها من تخاريف البشر وجهلهم .

ولا يستطيع بشرا أن يدعي أنه قد أحاط علما بما خلق الله في كونه خاصة نفوس البشر ، فهو علم أكبر من أن يحيط به شخص أو أشخاص أو حتى جيلا من البشر وسيظل الإنسان يكتشف في كل يوم الجديد عن نفسه ليظل قول الله تعالى  في الآية الواحدة والعشرين من سورة الذاريات  {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } قائما وصادقا ولواما لابن آدم ما دامت السماوات والأرض .

 

تم نسخ الرابط