بقلم : د. شوكت المصري
تعاود قناة دريم الفضائية هذه الأيام عرض مسلسل "الأيام" المأخوذ عن سيرةٍ ذاتية بنفس العنوان لعميد الأدب العربي د. طه حسين، هذا المسلسل الذي أخرجه المبدع الراحل "يحيى العلمي" عام 1979، وتصدت لكتابة حواره والسيناريو المبدعة الراحلة "أمينة الصاوى"، التي اشتُهرت بكتابة المسلسلات الدينية في الدراما التليفزيونية المصرية بالسبعينات والثمانينات، ولعل مما يخلد لها في ذاكرة المشاهدين مسلسلَيْها "على هامش السيرة" و"لا إله إلا الله (4 أجزاء)"، وقد شاركها في كتابة سيناريو وحوار مسلسل "الأيام" الصحفي والفنان "أنور أحمد" في تجربته الثانية للكتابة بعد مشاركته في كتابة سيناريو فيلم "مصطفى كامل" عام 1952، من إخراج الراحل أحمد بدرخان الذي اختارَ "أنور أحمد" نفسه لأداء شخصية "مصطفى كامل" في الفيلم الذي يتناول قصةَ حياته. وقد جاءت كتابة مسلسل "الأيام" تحت إشراف المبدع الكبير الراحل يوسف جوهر أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما، والذي تركَ رصيداً يربو على سبعين فيلماً سينمائياً أُخذت عن رواياته وكتاباته القصصية، كما كتب عدداً من أشهر الأفلام السينمائية المصرية منها "الرجل الثاني" و"دعاء الكروان" و"البيه البواب" و"الرجل الثالث 1995" وهو آخر ما كتبه "يوسف جوهر" قبل رحيله في يومٍ حالت أحداثُهُ دون التفاتنا لفقد مبدعٍ كبير مثله، حيث رحل عن عالمنا في الحادي عشر من سبتمبر يوم سقوط برجي التجارة بمنهاتن بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2001.
ولعل مما يلفت الانتباه في مسلسل "الأيام"، والذي أدى دور البطولة فيه المبدع الراحل "أحمد زكي"، أن عدد حلقاته لم يتجاوز الثلاث عشرة حلقة، بما يقارب التسع ساعات من المادة الدرامية المُصَوَّرَة، أي بواقع حوالي أربعين دقيقة للحلقة الواحدة، وهي نقطةٌ غاية في الأهمية، حيث نعاني هذه الأيام من أزمة حقيقية تواجهها كثيرٌ من الأعمال الفنية، تتمثّل في تغليب "زمن العرض" على "زمن النص المحكي"، بمعنى تغليب المصلحة المادية (للمنتج وسياسات العرض والفواصل الإعلانية) والمرتبطة بالتزام الجهة المُنتِجة بتقديم ثلاثين حلقة من المسلسل، على الزمن الفني المرتبط بالحكاية والمعروف بزمن الحكي الذي يعتمد عليه السرد في تحقيق الحبكة الدرامية عبر تتابع الأحداث. هذا التغليب الذي قد يؤدي إلى الرتابة والتطويل في كثير من المشاهد دونما ضرورةٍ فنيّة، بل ودونما حرَفيّة في إطالة الحوار الذي ينقله المشهد كتلك التي كان يتمتع بها المبدع الراحل "أسامة أنور عكاشة" في مشاهده الطويلة، حيث كان "الديالوج" الدائر بين شخصيتين فيها قد يصل إلى عشر دقائق أو يزيد. ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه هاهنا هو: لماذا لا تعود الدراما التليفزيونية إلى فكرة "السباعيات" التي قامت عليها الدراما المصرية في الستينات والسبعينات، خاصةً في ظل الإيقاع السريع للعصر الذي نعيشه، وإمكانية تطويع مواهب الكتاب والممثلين الجدد في هذا الجانب بعيداً عن هيمنة شروط العرض والتسويق التي تأتي أحيانا على حساب فنيات العمل الدرامي ومستواه وتميّزه؟!
نقطةٌ ثانية أثارت انتباهي إليها إعادة عرض مسلسل "الأيام" ألا وهي تناول الشخصيات الأدبية أو الفكرية الشهيرة في الأعمال الدرامية، خاصة ونحن نتحدث عن غياب القيمة أو القدوة التي نقدمها للأجيال الجديدة، ونتشدق فحسب بأن الثقافة هي "القوة الناعمة" التي تستطيع تغيير المجتمع وبناء الفرد وإعادة الدور الريادي لمصر عربياً وإقليميا بعد ثورتين متتاليتين، فهل يعجز مبدعونا عن تناول شخصيات شهيرة ورموز في الحركة الأدبية والفكرية المعاصرة داخل أعمال درامية يمكن لها التأريخ للأحداث والتحولات التي مر بها وطننا في الخمسين سنة الأخيرة؟! ألا يمكننا تقديم مسلسل كـ "الأيام" أو كمسلسل "العملاق" الذي تناول حياة "العقاد" والذي أخرجه عام 1979 أيضاً المخرج الراحل يحيى العلمي؟! وأين دور قطاع الإنتاج ووزارة الثقافة من مثل هذه الأفكار والمشروعات التي تدخل في صميم اختصاصها توجيها وتمويلا وتسويقا؟! علماً بأن شركات الإنتاج العربية الخاصة تصدت في الأعوام الأخيرة لمهمة مماثلة واستطاعت تحقيق أرباح عبرها، حينما أنتج "فراس إبراهيم" مسلسل "في حضرة الغياب" عن سيرة الشاعر الفلسطيني الكبير "محمود درويش"، والذي تم عرضه حصرياً على خمس قنوات فضائية في رمضان عام 2011، ومن قبله حينما أنتجت "شركة الشرق السورية" من إخراج "باسل الخطيب" مسلسل "نزار قباني" عام 2005، والذي تمتع بنسب مشاهدة عالية جدا، بعيداً عن الاعتراضات التي لاقاها المسلسلين، والتي اعتدنا وجودها خاصةً حينما تتناول الأعمال الدرامية شخصيات معاصرة سياسية كانت أم دينية أم فنية.
إني أتوجه لكتاب السيناريو والدراما وللجهات المهتمة بالإنتاج الفني والثقافي بنداءٍ أتمنى أن يجد صدىً في أسماعهم ويحظى باهتمامهم والتفاتهم إليه: إن حياة الشاعر الكبير الراحل "أمل دنقل" وشخصيته تحملان عمقاً ودرامية ومواكبة للأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر في العقود الثلاثة الأخيرة، وقد حررت زوجه الكاتبة "عبلة الرويني" كتاباً يحمل سيرته الذاتية بعنوان "الجنوبي"، وهو نواة يمكن لأي كاتب الاعتماد عليها في كتابة مسلسل يروي قصة هذا الشاعر الكبير، خاصةً وأن كثيرا من مجايليه ما يزالون على قيد الحياة ويمكنهم الإسهام بأحداث ووقائع حقيقية عن حياة الشاعر وتفاصيلها، وكذلك حياة الشاعر "محمد عفيفي مطر" التي ضمّن جزءاً منها في سيرته الذاتية المُسمّاة بـ "هوامش التكوين"، أو حياة الشاعر "نجيب سرور" أو "صلاح جاهين" أو "نجيب محفوظ" وغيرهم كثيرون .. لقد ترك الأدباء والمبدعون المصريون أثراً في حياتنا ومجتمعنا العربي وتشكيلنا الثقافي والفني والحضاري حريٌّ بأن نلقي الضوء عليه مقدمين حياتهم وتجربتهم للأجيال الجديدة؛ حتى لا تفقد هذه الأجيال الدليل والقدوة والقيمة في زمن تخلخلت فيه القيمة وغابت القدوة وعزَّ الدليل.



