الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

ذكرنا من قبل أن النفوس لها أحوال تتفاعل مع أنواعها وهذه الأحوال متغيرة ومتدرجة بداية من كونها (أمارة بالسوء) إلى استيقاظ حالتها (اللوامة) فتسأل وتحاسب وتنتقد نفسها وتصحح مواقفها وصولا بالنفس لحالتها (المطمئنة) والمستقرة ، وتتغير أحوال النفس ما بين هذه الحالات في تنوع فريد ومعجز واختلاط عجيب حتى أن الأحوال الثلاثة قد تمر على النفس في يوم واحد أو ساعة واحدة وقد تجتمع حالتان منها في النفس في توقيت واحد وموقف واحد .

ولكن بالقطع تختلف تأثيرات هذه الأحوال على النفس وسلوكياتها تبعا لنوعيات النفوس وبيئتها الزمانية والمكانية ولا توجد أنماط مثالية لسلوكيات البشر يمكن القياس عليها وضبط أبعاد ونتائج تعاملاتها على حركة الحياة ، ولكن هناك إطارات مكانية وزمانية نسبية مرتبطة بأعراف المجتمعات وميراثها التاريخي تسمح بالتفاوت بين النوعيات لتكون مقبولة فيما بينها أو شاذة تحتاج لتقويم المجموع أو لفظهم لها .

ولكن عند الحديث عن نوعيات النفوس تختلف تقسيمات النوع تبعا لوجهة النظر والهدف من التقسيم وتعد أساسيات التقسيمات الرئيسية سبعة هي (التفاعل – الكثافة النفسية – العطاء – التزكية – التكامل – الرصانة - العواطف) وتلك هي أبرز نوعيات التقسيم الرئيسية ، ويعد (التفاعل) يعد من أهم تقسيمات النوع ، فالنفوس جميعا تنقسم لنفوس فاعلة (إيجابية) ومحركة لما حولها ونفوس أخرى (مفعول بها) سلبية تتحرك بناء على توجيه ودفع غيرها من النفوس وبينهما الكثير من التفاوت والاختلاف حيث توجد دوما النفوس الإيجابية المشروطة والتي يمكن أن تكون سلبية في موقف زمني ومكاني وبيئي مختلف ولكنها تحتفظ دوما بأصل نوعها كنفس فاعلة إيجابية وكذلك نفوس سلبية تضطر في موقف أو حالة محددة أن تكون فاعلة وإيجابية ولكنها قد لا تستمر طويلا وتعود لنوعها سريعا ومن أبرز النفوس الإيجابية تاريخيا بغض النظر عن مواصفات أخرى هم الرسل والزعماء المؤثرين في العالم مثل الإسكندر وجنكيزخان وهتلر وتشرشل ومصطفى كامل وعبد الناصر وكلها نفوس إيجابية صاحبة رؤى وهدف وتحركات أثرت في تاريخ البشرية .

وتقسيم آخر من حيث (الكثافة النفسية) حيث تجد نفوسا ثقيلة الكثافة لا تقبل نفوس غيرها ولا تقبلها النفوس بيسر وسهولة وأخرى نفوس خفيفة الكثافة تقبلها النفوس وتسعد بالتوغل في نفوس غيرها ، وهو ما يعرفه الناس ويتبادلون الحديث عنه بخفيف الظل أو ثقيل الظل ولا حيلة للشخص في ذلك بل إنه يولد به فترى ذلك واضحا وجليا بين الأطفال في عمر اليوم الواحد ويزيد اتضاحا كلما زاد عمره وأمثلتهم كثيرون نتعامل معهم يوميا فنشعر بخفة ظلهم أو ثقله .

وتقسيم ثالث لنوعيات النفوس من حيث (العطاء) فهناك نفوسا بفطرتها معطاءة ويسعدها أن تعطي غيرها وتفيده وتخدمه وتساعده ونفوسا أخرى بفطرتها بخيلة شحيحة ويؤلمها أن تعطي غيرها ويرعبها أن يؤخذ منها وتلك أيضا يولد بها الأطفال ولا حيلة لهم بها مهما عوده والداه فهو في النهاية شحيح حتى على نفسه وتزداد تأصلها في نفسه كلما تقدم به السن ، ولا تأثير جذري من التربية أو المجتمع يمكن أن يغير النوعية الفطرية إلا ما رحم ربي وقد رسول الله كان أكثر البشر كرما وسخاءا وعطاءا ويذكر أيضا في التاريخ حاتم الطائي .

والتقسيم الرابع يعتمد على مقدار (زكاء النفس) وهو ما نتعلمه من قوله تعالى ( ونفس وما زكاها ، فألهمها فجورها وتقواها ) والإزكاء ليس الذكاء والغباء فقط ، فالتزكية أوسع وأشمل وتحوي داخلها عناصر الفهم والتدبر فالنفس الزكية بالفطرة تتفهم وتدرك الحقائق وتسعى دوما أن تعلي وتعزز قدرها وتعاملاتها في الحياة سريعا والنفوس الزكية تجبرك على احترامها بمجرد النظر إليها والتعامل معها ، وعكسها النفس الدساسة التي ترفض الفهم والتزكية فلا تدرك الحقائق مطلقا وتهوى التشبث بما تعرفه أو جبلت عليه في تربيتها وربما في ميراثها التاريخي ولا تغيره مهما ثبت خطأها .

التقسيم الخامس يعتمد على (التكامل) ورغم أن كل النفوس بفطرتها ناقصة هي حكمة الحياة التي قضت بالنقص الفطري الناتج عن قسمة النفس لذكر وأنثى ، إلا أن هناك نفس تشعر دوما بنقصها بحدة وبالتالي تتقد حاجتها لامتلاك المزيد ولا تشبع مطلقا ويقابلها نفسا أخرى لديها قناعة بالاكتفاء السريع فلا حاجة لها للسعي والكد لامتلاك ما لا تملكه ، ويتضح الفارق بينهما بجلاء عند اجتماعهما سويا فيتضح الفارق بينهما دون عناء .

التقسيم السادس يعتمد على (الرصانة) وهي التي نسميها (الثقة الفطرية في النفس وقدراتها) ويولد بها الطفل ونلاحظها كثيرا كفوارق بين الأطفال فترى نفسا هادئة في سلوكياتها الفطرية بغض النظر عن كثرة حركتها وكلامها ولكنها رصينة تشعرك دوما بالثقة ونفوسا أخرى تشعر أنها مهزوزة غير مستقرة في معظم حركة حياتها وسريعة التقلب في قراراتها وأهوائها وتزداد فوارق الرصانة بين النفوس بالتقدم في العمر ، ولعل أبرز أنواع النفوس اهتزازا وتقلبا هم مواليد برج الجوزاء حيث يحتار المرء في أمورهم وتقلبهم وعدم استقرارهم على حال أو رأي .

التقسيم السابع يعتمد على (المشاعر والعواطف) فتجد نفوسا بالفطرة محبة ودودة لمن حولها ويسعدها التودد والتقرب لغيرها وعواطفها حاضرة وفطرية وجياشة وتظهر في الأطفال مبكرا وتزداد بالسن والتعامل والخبرة ويقابلها نفوسا أخرى بفطرتها شاردة نافرة تستقر وتتمتع بالوحدة والعزلة ولا تقترب من أحد ما لم يقترب منها ويزعجها كثيرا اقتراب أحد منها وتهرب سريعا عندما تشعر ببوادر مودة مع غيرها .

وما لا شك فيه أن كل إنسان على وجه الأرض يملك قدورا متفاوتة من هذه الصفات والنوازع وبهذا التفاوت والاختلاف بين قدروها في نفوسنا تتمايز شخصياتنا عن بعضها البعض فلا تتطابق شخصيتان مطلقا منذ بدء الخليقة وإلى قيام الساعة حيث أنه من المستحيل تتطابق عوامل التأثير المختلفة ، وهذا التفاوت هو ما يجعل الحياة مقبولة بل ويزيد من دوافع للتقارب والتعاون والتفاهم بين البشر ليتكامل كل منا مع من يشعر أو يرى حاجته له ، بل ومن العجيب أن عوامل تقارب النفوس لا تخضع لمنطق الحسابات البشرية العقلية ولكنها تخضع دوما لحسابات تركيبات النفوس الخاصة جدا والتي لا يدرك كنهها حتى صاحبها نفسه مهما طال عمره إلا فيما ندر ولا يعرفها بحق إلا من خلقها سبحانه وتعالى .

والبشر دوما يجتهدون أن يظهروا من سلوكياتهم ما يدل على اتزان صفاتهم النفسية وهو ما يضطرهم لتقويم الكثير من نوازعهم ومحاولة تجميل سماتهم بسلوكيات قد تكون مخالفة تماما لسماتهم الفطرية وهو ما يسقط قسرا في المواقف الحادة والخطيرة فتنكشف بعضا من السمات الفطرية على قدر حدة المواقف وتأثيراتها اللحظية والبعيدة ، ولكن يبقى دوما الاتفاق الجماعي الغير مكتوب في أي مجتمع على أنماط السلوك وبعض السمات التي يرونها تتفق مع العقل الجمعي للنفوس مرتبطة بتاريخها وميراثها المجتمعي ، ولذلك يصاب الكثير من البشر الغرباء عن مجتمع بالعزلة القسرية لتباين واختلاف السمات النفسية بينه وبين المجتمع الجديد الذي يتواجد فيه سواء مؤقتا أو لفترة طويلة قد تمتد لآخر عمره ، ولا يستطيع الفكاك من هذه العزلة إلا بإجبار نفسه على محاولات التأقلم والذوبان في المجتمع الجديد والتي لا يجيدها ولا ينجح فيها إلا القليل من البشر طبقا لتوافق خصائصه النوعية الرئيسية ، وغالبا ما يذوب خارجيا ويفرض على نفسه وسماتها عازلا نفسيا يخفي وراءه ما يتعارض مع ضرورات ذوبانه في المجتمع الجديد خاصة لو كان التواجد لمهمة عمل مثل رجال السياسة والعمل المخابراتي أو رجال الأعمال .

وعادة ما تكون سمات الأفراد في المجتمعات المستقرة في أطار المقبول للغالبية  ومن الغالبية ولا يهتز استقرار مجتمع إلا بشذوذ بعض الأفراد فيه فيمارسون بعض الحدود القصوى لشذوذ نفوسهم مع غيرهم ، فتحدث المشاكل وتتصارع النفوس وتتباين وربما تصل لمراحل التشرذم والتفكك وهو ما يلعب عليه خبراء تخريب الأمم وتقسيم الشعوب سواء باستغلال جهل بعض النفوس أو تدني بعضها لإحداث تغيير في نمط حياة المجتمع سواء كان مبررا لظلم يقع أو غير مبرر تحت شعارات كبيرة ورنانة مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان مع استخدام جيد لتباينات نفوس القائمين على الإعلام والمؤثرين في النفوس بقوة .

تم نسخ الرابط