الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

   قادتني الصدفةُ وحدها منذ أيامٍ إلى أحد الروابط الدعائية على موقع التواصل الاجتماعي الشهير "فيسبوك"، حيث الدعوة إلى تحميل تطبيق (Instagram) لتبادل اللقطات والمقاطع المُصوّرة بين المشتركين من مختلف أنحاء العالم. صدفةٌ أعقبها تحميلي للتطبيق المشار إليه، ومن ثَمَّ تسجيلي بالموقع واستغراقي لساعات في تصفحه، حيث اكتشفت وجودَ كثيرٍ من أصدقائي في حساب فيسبوك عليه.

 
وجودٌ لا جديد يُذكَر فيه سوى تبادل المشتركين للّصور والفيديوهات، أو في القليل النادر تلحظُ تعليقاً يتركه على عجَلٍ أحد مشاهدي الصورة أو المقطع المنشور، قد لا ينتبه إليه أحد، بقدر الاهتمام باللقطات ومحتواها وعدد المشيرين بعلامة(قلب / u)؛ دليلاً على إعجابهم بالمنشور ومحتواه وتأكيداً على عبورهم به واهتمامهم بصاحبه.
 
      صدفةٌ عابرة لكنها حملت الكثير والكثير من التساؤلات لعل أولها: ما الذي يدفع كل هؤلاء المشتركين إلى التواجد على الـ "إنستغرام" رغم ضيق المساحة التي يسمح بها لهم الموقع مقارنةً بالـ "فيسبوك"؟! إنك تستطيع من خلال فيسبوك نشر تدويناتك وآرائك وأفكارك العابرة التافهة منها قبل الهامّة، وتستطيع كذلك التعليق بشكلٍ مطوّل على القضايا والآراء، والدخول في نقاشات وسجالات داخل مجموعات أو صفحات ذات اهتمامات مشتركة حول كتاب أو توجه سياسي أو ديني أو .. أو .. أو، دون أية عقبات، بل وتستطيع أيضاً تبادل الفيديوهات والصور بنفس الشكل الذي يسمح به "إنستغرام" بل وأفضل منه دونما شك، حيث يسمح لك "فيسبوك" بمشاركة هذه الصور والآراء وفقاً لسياسات الخصوصية التي يحددها صاحب الحساب آن نشره لمواده المختلفة. بل إن "فيسبوك" نفسه بدأ بالأساس مساحةً لتبادل الصور ونشرها للتعارف وفقاً لترجمته الحرفية الأولى (كتاب الوجه)، ووفقاً للفكرة التي لمعت في عقل مؤسسه (مارك زوكربيرج) وشريكيه (موسكوفيتز وهيوز) للتعارف بين طلاب جامعة هارفارد، والتي اتسعت ليتجاوز مستخدميه المليار شخص بعد عشر سنوات فقط على هذا التأسيس.
 
      ستة ملايين مشترك مصري من أصل مائتي مليون مشترك على مستوى العالم بتطبيق الـ "إنستغرام"، الذي تأسس في شهر يونيو عام 2010 وتجاوزت محتوياته المليار صورة، مقارنةً بستة عشر مليون مشترك مصري بالـ "فيسبوك" الذي تأسس عام 2003 وتجاوز مستخدموه المليار مشترك هذا العام. هروبٌ كبير يبدو أن مستخدمي "فيسبوك" قد قرروا التحرر فيه من سطوة اللغة والكتابة نحو الصورة ودلالاتها فقط، بعيدا عن التنابز بالأفكار والانتماءات والتوجهات وفوضى السياسة والشكوى والتدوين والثورة. هروبٌ ربما يحاولُ أن يكونَ نقيّاً من جدل التعليقات التي تصل حد الاقتتال والتخوين والتجريح والتحزّب، إلى حيث الصورةِ فحسب جالبةِ المتعةِ عبر تواصلٍ محكومٍ سلفاً ومعرفةٍ أحاديةِ التوجّه تبتعد عن الجدل والنقاش والتناحر.
 
      بعدٌ طبقيّ يلوح أيضاً في الأفق ربما حاول فيه مستخدمو "إنستغرام" تأكيد زعمهم بشعبوية "فيسبوك"، الذي ازدحم داخله المستخدمون من مختلف الطبقات الاجتماعية والمستويات التعليمية والاقتصادية، حتى أصبح شبيها بـ "حوش بَمْبَه" بسبب عدم مراعاته للفوارق الاجتماعية، في مجتمعٍ يعاني في السنوات الأخيرة من تآكل طبقته المتوسطة التي يجتهد بعضها للحاق بعلية القوم والصفوة، بينما ينحدر بعضها الآخر بفعل تفاقم الأزمات الاقتصادية التي صاحبت الثورة معانياً الهبوط إلى القاع ومحاولاً التمسّك بطبقته التي تكاد تتآكل وتتلاشى دون جدوى. 
 
      فهل أراد مالكو الأجهزة المحمولة الأكثر تطوراً إثبات وجودهم الطبقي عبر "إنستغرام" الذي يشبع تميّزهم وامتيازهم عن سواهم عبر كاميرات أجهزتهم فائقة التطور؟! أم أن رواد "فيسبوك" زهدوا في موقعهم الذي يعد واحداً من النقلات الأكثر خطورة في تطور العالم الافتراضي وثورة المعلومات؟! وهل حدت سجالات السياسة والثورة برواد "فيسبوك" إلى الهرب من هذا الضجيج الكتابي اللغوي الذي هيمن على الصورة (التي في البدء كانت)، إلى حيث الصورة مهيمنةً بينما اللغة المكتوبة هامشية عابرة؟! أم أن فتنة "فيسبوك" بدأت في فقد زهوها إلى درجة شعور مالك موقع "فيسبوك" بخطورة هذا الذبول؛ مما دفعه في الثاني عشر من إبريل عام 2012 إلى الاستحواذ على الـ "إنستغرام" أيضاً بصفقة بلغت المليار دولار نقدا ؟!  
         
إنه صراع الصورة واللغة نحو المعنى والوجود، هذا الصراع الذي قال عنه "فريد الزاهي" في كتابه "الجسد والمقدس والصورة": "إذا كانت اللغة قادرةٌ على صياغة المرئي وجعل اللامرئي مفهوماً؛ فإن قدرة الصورة تكمن بالأساس في تحويل المرئي واللامرئي إلى كيانٍ محسوس ماثل هنا والآن... إن للصورة قدرة خارقة على الدلالة على الغائب واستحضاره، لتأخذ الصورة مكان ما تصوّره وترمز إليه، وتغدو بذلك بدلا للمرموز، حتى حال غياب لغته التي يعبر بها عن نفسه".

فهل ينجح هذا الهروب الكبير من "فيسبوك" إلى "إنستغرام" في إشباع شغف المستخدمين بالوجود والتواصل بعيداً عن السياسة والثورة ولوازمهما، أم أن فرضيات الواقع وشغف التعبير لغةً سيؤجلان هذا الهروب ليبقى "فيسبوك" متربعاً على عرش هذا الكوكب، كواحدٍ من وسائل الاتصال والتواصل التي حولت الكرة الأرضية إلى قريةٍ صغيرة مساحتها قاراتٍ خمس؟! سؤالٌ سيظلُّ مطروحاً ومفتوحاً على مستقبلٍ ليس ببعيد، في ظل حمى التسارع التي أصابت الجنس البشري منذ أن أسلَمَنا القرن العشرين إلى الواحد والعشرين ونحن في غفلةٍ عربية شرق أوسطية وتبعيّةٍ كاملة أُورِثْناها زاعمين تحررنا من الاستعمار الغربي، غفلةٍ نبرر استمرارنا فيها ومكابدتنا لنيرها الثقيل بوقوعنا ضحيةً صاغرةً مُستأنَسَة لما نسميه مُستَسلمين "نظريةَ المؤامرة".

تم نسخ الرابط