بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
حقا .. لله في خلقه شئون .. وبالرغم من تعارضها الشديد مع رؤى وفهم بعض الناس الذين يرون أنهم الحق المطلق وأصحاب الوصاية والقيومية على كل البشر ، ولكن تظل هذه القاعدة الربانية هي أصدق وأكثر قواعد ناموس الله في خلقه تأثيرا وانطباقا على البشر ، فلا أوصياء من بشر على بشر فيما يعتقدون ولا قيومية من بشر على بشر فيما يريدون ، وعدم الإيمان والعجز عنفهم هذا المعنى الرباني هو السبب والسر وراء الفساد والإفساد المدمر بين البشر .
وليس هذا قاصرا على فصيل تجار الدين من شتى الملل وبمختلف نوعياتهم والذين يرون أنهم أصحاب الحق المطلق ومن خالفهم فهو كافر لا يستحق الحياة فهم ليسوا شواذا ولا مختلفين كثيرا عن الغالبية العظمى من البشر ولكنهم حالات متقدمة من المصابين بنفس المرض العضال والمتفشي في البشر على ظهر كوكبنا العامر ، ولا عجب فالجميع اتفقوا على ألا يتفقوا ولكن في بعض المجتمعات القليلة اتفقوا أن ينحوا اختلافاتهم جانبا ولو إلى حين ويتعاونوا للنهوض بمجتمعاتهم ، وهو تقدم نفسي واجتماعي محمود ومطلوب لاستمرار الحياة على الأرض .
إلا المتأسلمين وتجار الدين ممن ينتمون كذبا للإسلام فهم يرون أن غيرهم ومن يخالفهم لا يستحق الحياة وقتلهم هو قربة لله والتمثيل بجثثهم هو عين الجهاد لإرضاء الله ، وبل وصنعوا لأنفسهم دينا جديدا لا علاقة له بكل الأديان السماوية وابتدعت أهوائهم المريضة قيما جديدة وشاذة ومفجعة لا تنتمي لأي من أصول الأخلاق ومكارمها بل تهدم كل أساسيات الأخلاق الإنسانية وتضع قواعدا ترضي هوس وجنون قادتهم وتابعيهم .
ورغم أنهم بشرا يملكون عقولا وقلوبا من المفترض أنها تعمل وتفكر وتتدبر وتعي الحق من الباطل ولو بعد حين ، إلا أنهم أعموا العيون وصموا الآذان وأغلقوا القلوب فصدق فيهم قول الحق أنهم كالأنعام بل هم أضل فعم المغيبون الغافلون كما قال فيهم رب العزة {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179 ، ولسنا نناقش أفعالهم المشينة فهم أحقر بكثير من مجرد مناقشة أفكارهم والعته النفسي الذي يعانون منه سواء كانوا من داعش أو النصرة أو الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أو ميليشيات أيا كان اسمها .
ولكننا نلوم عليهم حمقهم وتغافلهم عما لا نستطيع التغافل عنه من حقائق تلقي بنفسها فرادى سواء من وثائق سرية أو تآمرات تفضح أو تصريحات انفعالية لبعض السياسيين و مذكرات شخصية مثل ما تفصح عنه اعترافات هيلاري كلينتون وتسجيلات اجتماعات مندوبي المخابرات الغربية والأمريكية واسرائيل بعنوان (شل مصر بعد 30 يونيو) ، ثم توالي اعترافات المنشقين عن الإخوان والجهاديين وكذا المقبوض عليهم تباعا في مصر وخارجها .
ولا أحد ينكر أنهم أحدثوا بلبلة فكرية واسعة النظاق في نفوس الكثيرين من المسلمين في مصر وخارجها ، إلا أن إصرارهم على الغباء والحمق الفكري وممارساتهم وأفعالهم المخبولة قد حسمت كثيرا بسبب هذا التخبط حتى أن بعض الأذكياء من العملاء والمأجورين بثمنهم سواء في الإعلام أو السياسة قد غيروا بالفعل اتجاهات وأساليب الحديث وانتقلوا لمربع النحنحة ودس السم في العسل سواءا للمحافظة على وجودهم أو بتوجيهات ممن يدفع لهم .
وتتصاعد كثيرا نداءات بل وصراخ المصريين بضرورة القبض على هؤلاء وتطهير الوطن منهم كرد فعل انفعالي مجرد من كل الحسابات وتقديرات الموقف رافضين فهم طبيعة الموقف والمرحلة ، فالقائمين على شئون مصر اليوم يتعاملون بمنطق وحكمة رجال المخابرات وهو أنسب أسلوب يمكن اللجوء إليه خاصة فيما نحن فيه وما يحيط بنا من أخطار ومؤامرات ، وهو أسلوب خاضع لحسابات المكسب والخسارة البعيدة المدى ويعتمد على إسقاط العميل بحبله يلفه حول رقبته بيده حتى يختنق ويسقط دون مساس به ما أمكن ، إلا إذا أصبح ضرره أكثر من فوائده وهي الحالة الوحيدة التي تستدعي التدخل الجراحي فورا وبلا نقاش أو حسابات عواقب .
خاصة لو نظرنا للصورة كاملة وتذكرنا كم الفساد المتفشي في مؤسساتنا عبرر عقود وأعداد الفاسدين والفاشلين والذين ما زالوا قائمين على أمور الغالبية العظمى من مؤسسات وهيئات الدولة وبخلاف عدد الخونة والمتآمرين من عناصر الإخوان والسلفيين وتجار الدين وعناصرهم الساكنة ، وهو أمر يحتاج لكثير من الحكمة والصبر والتأني قبل البتر والتطهير الكلي فلعل بعضهم يتوب ويرجع ولعل فائدة بعضهم أكبر من ضرره في هذه المرحلة ، فضلا عن ضرورة إيجاد البديل المناسب في التوقيت المناسب قبل تنفيذ أسلوب الإقصاء المناسب وهي رؤية تحتاج للتروي والصبر والحكمة بل والذكاء في إدارتها على المدى القريب والبعيد .
وقد لا ننسى أن هناك رجل أعمال بادر بالاستئساد على إعلامي فضحه بتسجيلات عمالة عقابا له على جرأته ولكننا لن ننسى أن هناك الكثير من العملاء المستترين والخونة ما زال يسترهم غياب الحقيقة ، وأن هناك من يملك فضحهم في أية لحظة وما حدث وردود أفعاله حتى الغير مرضية منها ليس إلا مخطط بدقة وحكمة شديدين وهو تحذير شرس وأنذار ربما الأخير لكل خائن يلف حبله حول رقبته بيديه ليشنق نفسه ، والموضوع كله رسالة شديدة اللهجة ومفاجئة لأذكياء (لانجلي) وحرق متعمد لأفضل كروتهم السحرية في توقيت حرج .
ولا شك أن معارك مجلس النواب القادمة ستكون شرسة ولن تخلو من بقايا نظام مبارك بصور جديدة ولا بقايا تجار الدين في أثواب تخفي وخداع بالية ومهلهلة ومفضوحة ولكنها أيضا ستحمل الكثير من المفاجأت لمجمل المتآمرين والعملاء من النخب والنشطاء بثمنهم ومن وراءهم بل وخيبة أمل جديدة وإهدار لكم لا يستهان به من أموال عربية وتركية وإيرانية وأمريكية وغربية بدأت سيولها تنهمر لصالح مجلس النواب القادم وهو وعد لا جدال فيه .
وقد لا تنقضي أشهر العام الحالي قبل أن تكتشف الإدارة الأمريكية المحبطة أنها وقعت شهادة وفاة حقيقية ليس لمصر كما تدعي في أروقة الاستخبارات ولكن للإمبراطورية الأمريكية الغربية وجبروتها وعربدتها المخبولة على رقعة الكرة الأرضية ، وهو أمل الكثيرين في العالم والذي قد يرونه بعيدا ولكنه أقرب مما يتخيلون ، لسبب واحد هو أنهم يمارسون العبث في مقدرات الله بين عباده سواءا بالخداع والتآمر أو القتل أو نشر الأمراض البيولوجية في دول بعينها وهو سبب كاف للتعجيل بكيانهم المهتريء من الداخل أكثر مما ترصده عيون المتابعين .
وأخيرا .. دعوة لكل المغيبين أن يراجعوا أنفسهم ويحاولوا رؤية بلادهم بعيون محايدة وأمينة ويبحثون عن حكمة الله فيما حدث ويحدث دون فكرة مسبقة وقرار أحمق بالوقوف في وجه ناموس الله في خلقه ، ولو كانوا يملكون الحد الأدنى من الإيمان بالله لفهموا سريعا ما لقنهم الله من دروس في أبلغ العبر والآيات فيمن جاهدوا وتعذبوا ثمانين سنة ليصلوا للحكم ومقاليد الأمور فلما وصلوا نزع الله منهم الملك في أقل من عام واحد ، ومؤكد أن نزع الملك منهم لم يكن اختبارا كما يدعون على الله وإلا كيف يفهمون قول الله تعالى فيمن ينعم عليهم {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }الأنفال53 ، ولو أنهم صدقوا الله ما فضحهم ولا نزع الملك منهم ولا أذلهم فكما يقول سبحانه وتعالى { ... فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }محمد21 .
افعلوا أو لا تفعلوا فهو شأنكم وربكم والله محاسبكم عليه في الدنيا قبل الآخرة ، ولكن لتعلموا أنكم تزدادون كراهية وبغضا من الناس يوما بعد يوم ، وأخشى ما نخشاه أن ينفذ صبر الناس عليكم فتخسروا حتى القدرة على الحياة في هذا البلد ويكون انتقام الله بأيدي الناس منكم عظيما وتاريخيا ، وهو ما لا نستبعده من شعب مثل المصريين قد يشعل نارهم كلمة أو حرفا رغم قدرتهم العجيبة على الصبر والتحمل .
لست مؤرخا ولا منجما ولا قاريء جيد لأحداث الغيب والمستقبل ومدلولاته الفلكية ، ولكني قاريء جيد للتاريخ البشري ، وهو ما يمنح قدرا من فهم توجهات والشعوب واستقراء ملامح أفعالهم المستقبلية بوضوح ، فاحذروا غضبة المصريين واحذروا أكثر من القائمين على هذا البلد فهم لا يلعبون ولا يسمحون ولن يسمحوا لمخلوق أن يعبث بمقدرات أموره ، حفظ الله مصر والمصريين من كل سوء .



