بقلم : د. شوكت المصري
"باسم رأفت محمد يوسف" مدرس جراحة القلب والصدر بكلية الطب جامعة القاهرة ومقدم برامج شهير ولدَ عام 1974م.
"محمود عثمان محمد السعدني" كاتب صحفي وساخر مصري عاش في العصر الحديث وتوفي في مايو 2010.
"أبو الغصن دُجين الفزاري" شخصية عربية ساخرة عاشت في الدولة الأموية، وناهضت الظلم والاستبداد.
"أبو نواس البغدادي" شاعر عربي واسع الحيلة عاش في عصر هارون الرشيد.
"الشيخ نصر الدين خوجة الرومي" ساخر تركي عاصر الحكم المغولي لبلاد الأناضول وانتقد السلطة والحكّام.
إنهم "جحا"، جميعهم حاز التسمية .. "جحا" الذي يتندر بمقولاته ومواقفه العامة والصفوة، الماكر الثائر، الساخر اللاذع، "جحا" الذي كأنما وصَف حالَهُ الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور إذ يقول في أغنيته الشهيرة التي غناها "محمد منير" "حدوتة مصرية" "رأيت كل شيء وتعبت على الحقيقة".
لعلنا لم نعرف عن كثيرٍ من هؤلاء الـ "جحا" سوى ما حفل به التراث الأدبي والتاريخ من حكايات ومواقف، وما نُسِبَ إلى بعضهم من أساطير وأعاجيب. بل ربما لم نشهد منهم أو نعاصر سوى كتابات الساخر "محمود السعدني" (الولد الشقي) الذي ناهض بسخريته وكتاباته سياسات الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والذي أطلق عليه محبوه لسخريته وشجاعته لقب "جحا المصري"، قبل أن يختار هذا الاسم لمسلسله الكاتب "يسري الجندي" في العمل الدرامي الشهير الذي قام ببطولته "يحيى الفخراني عام 2002 من إخراج المبدع "مجدي أبو عميرة"، والذي بعث برسائل لو فطن إليها النظام الحاكم آنذاك لما كنا اليوم نعاني توترات ثورتين.
لكن "جحا" واحدٌ ووحيد كان الملايين من المحيط إلى الخليج ينتظرون مشاهدته أسبوعياً وهو ينطق صائحاً جملَتَهُ الشهيرة "أهلا بكم في برنامج البرنامج"، قبل أن تعلو وجهه ابتسامةٌ لاذعة خاطفة تصاحبها صيحات الجماهير وهدير تصفيقهم الصاخب. إنه الدكتور "باسم يوسف" الذي تحوّل من جراحة القلب إلى رسم الابتسامة، ومن علاج أزمات الصدر إلى شرحه وتوسيعه ساكباً المطهرات على الروح والجروح.
كان "باسم يوسف" في الفترة من 2011 وحتى 30 يونيو 2014 بطلاً شعبياً يشبه العَيّارين والشُطّار في السير والملاحم الشعبية، وطنياً مخلصاً جابه صلفَ السلطة وكِبْرَ الحُكّام وسقطات الإعلاميين الكَذَبَة، كاشفاً عورات المجتمع عبرَ سخريةٍ انتقلت من المكتوب إلى المرئي ومن المقروءِ إلى المُمَسْرَحْ، ينتظر الملايين خروجه عليهم بفارغ صبر، متلقفين ومفندين زيتَهُ الذي يسكبه على النار لتتأجج جمرة الثورة، فلقَّبوُهُ بـ "جحا الثورة" لأنه وقف عاري الصدر إلا من سلاح سخريته في وجه سفاحين لم يرقبوا في مصر وشعبها إلّاً ولا ذمة. وأصبحَ "باسم يوسف" وجها من الجرافيتي يجاور وجوه الشهداء على الجدران، شهيدٌ حي .. يمشي بين الناس ويدخل المحاكم منتظراً إما رصاصة الغدر وإما وحشةَ القضبان.
لكن "باسم يوسف" انتقلَ بجحا إلى منطقةٍ جديدة، فلم يعد "جحا" ذلك الفرد الذي يتحرك منفرداً حسبما وكيفما تلقي به الأحداث والظروف، وإنما أصبح "جحا" المجموع، حيث الفريق الكامل الذي يؤكد بالجمعية تنويعاً في الوعي وتكثيفاً للمواقف والرؤى وتجديداً في الفنيات، "هند رضوان" و"خالد منصور" و"شادي ألفونس" و"أيمن وتار" و"أحمد الجارحي" و"عمرو إسماعيل" وغيرهم كثيرون، ومن ورائهم المنتج "طارق القزاز" والمخرج المبدع "محمد خليفة" قدموا في الموسم الثاني للبرنامج على قناة (CBC) إبداعاً غير مسبوق بكل المقاييس، استكمله فريق العمل موسماً ثالثاً في 25 أكتوبر بحلقةٍ وحيدة مذاعة وأخرى مسرّبة تخطت مشاهداتها الثلاثة ملايين مشاهد على الـ (YouTube) في أقل من أسبوع.
وبدأ الموسم الرابع على قناة (MPC مصر) في السابع من فبراير من هذا العام متوتراً سوداوياً، نسيَ الشعب بطلَهُ "جحا الثورة" الذي حملوه على الأعناق وكللوه بالغار بعد أن أضاء لهم محترقاً الطريق، أصبحوا أشد تطرفاً من سلطةٍ كان "باسم يوسف" نجار نعشها ومسماره الغليظ وشوكته الذابحة للحَلْق، وعاد جحا وفريقه واحداً وحيداً يجابه اتهامات العمالة والخيانة ووزر انحدار وانحلال الأخلاق. أصبح الجميع ثواراً وطنيين شرفاء، وأضحى "باسم يوسف" ضد الوطن والثورة والاستقرار والدولة !!
"ما أشبه (امبارح) بالبارحة" على حد تعبير الصديق "وائل مصطفى"، لقد جاء اليوم الذي يفخر فيه الفاشيون باسم "الدين" أنهم أكثر ديمقراطيةً من سواهم. فقد أسدل "باسم يوسف" في الثاني من يونيو 2014 الستار على "جحا الثورة" في مشهدٍ دراماتيكي ملتقطاً صورة جماعية لفريقه الذي حمل لوحةً كُتِبَ عليها بخطٍ عريض كلمة "النهــاية".
لقد كان "باسم يوسف" ولا يزال سليل عائلةٍ من المجاهدين العظماء بسلاح الابتسامة، سبقه أجداده "الجَحَوات" إلى الخلود في ذاكرة الإنسانية، وسبقه في العصر الحديث عددٌ من الساخرين اللاذعين منهم "عبد الله النديم" والشاعر "عبد الحميد الديب"، ثم "أحمد رجب" و"صلاح جاهين" و"محمود السعدني"، وزاملَهُ من المعاصرين عمنا "جلال عامر"، وأشبَهَهُ كتابٌ واعدون منهم الصحفي اللاذع "محمد عبد الرحمن" والصديقين "سامح سمير" و"وائل مصطفى" (صاحب صفحة "أدب ساخر من النوع الفاخر"). لكن باسم يوسف طوّر السخرية بالنص منتقلاً بها لا إلى المسرح بالمفهوم التقليدي فقط وإنما إلى المسرح التفاعلي الذي يجعل من الثورة سبيلاً للاتصال بالجماهير ومن المفارقة وسيلةً للإبداع ومن الابتسامة سلاحاً للتغيير والبناء.
والآن طال غياب "باسم يوسف" وخسرت الثورة ضد أعداء الوطن الذين ما يزالون يتربصون به صوت "جحا" الجهوري وجسده النحيل الصلب الذي تراكمت عليه الهموم والاتهامات. إنني أبعث برسالةٍ واضحة إلى النظام الحاكم ممثلاً في سيادة الرئيس ومعالي رئيس الوزراء ومراكز اتخاذ القرار: ابحثوا لنا ولكم عن مخرجٍ من هذه الملهاة السوداوية، فمصر بتاريخها وحاضرها أكبر من أن تزعزعها ابتسامةٌ تحمل الحقيقة وتُثمر التغيير والوعي، رجاءً .. رجاءً .. رجاءً .. لا تقتلوا "باسم" يوسف ولا تطرحوه أرضا فلن يخلُ لكم وجهُ وطنٍ لا يقوى على الابتسام فلن تكونوا من بعده قوماً صالحين.



