بقلم : د. شوكت المصري
"أثريون ضد الانقلاب" وراء شائعة انهيار هرم زوسر المُدرّج .. الهرم بخير وأساساته سليمة .. فضيحة وتعتيم عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بأقدم بناء حجري في العالم .. إسناد أعمال الترميم لشركة غير متخصصة عام 2008 وراء الكارثة .. وزارة الآثار الحالية تعلن رضاها الكامل عن أعمال الترميم !! مدير التوثيق الأثري يناشد رئيس الوزراء سرعةَ التدخل فوراً إنقاذا لسمعة مصر وتاريخها.
هذه كانت الأخبار المتناقضة التي تناقلتها وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية المختلفة وبرامج الـ (توك شو) في الأسابيع الأخيرة فيما يتعلق بحالة هرم "زوسر" أو "الهرم المدرّج" الشهير، والواقع بمنطقة سقارة جنوب الجيزة بالقرب من مدينة البدرشين. حجج واهية، واتكاء على فزاعة "الإخوان" كما جرت العادة مؤخّراً، حيث حاول المسؤولون من خلالها إخفاء عورات تقصيرهم في التعامل مع الكارثة غير المسبوقة ووصمة العار، التي ستبقى في جبين تاريخٍ لم يعد فيه أربعة آلاف سنة أخرى تحتفي فيها البشرية بمعلمٍ قارب عمره الخمسة آلاف سنة كهرم سقارة المُدرّج، الذي بناه الملك "زوسر" في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد (2700 ق.م) وصممه المهندس المعماري "أمحوتب" من ست طبقات ليصبح مُستَـقَراً لجثمان الملك، في عقيدة الفراعنة التي تحتفي بالحياة الأخرى، والتي تركوا لنا شواهدها ماثلةً بيننا لآلاف وآلاف السنين.
قفزت إلى مخيلتي وأنا أتابع هذه الكارثة التي حلّت بهذا الأثر الإنساني الفريد مشاهدُ محاكمةِ الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في "محاكمة القرن" كما سمتها وسائل الإعلام (لا أدري لهزليّتها أم لأهميتها .. سيان)، تلك المحاكمة التي اختُـزِلَتْ كوميديَتَها السوداء في قضية وحيدة أُدين فيها مبارك وعُرِفَت باِسم قضيّة "هدايا الأهـرام"، والتي سدد فيها متصالحًا ثمانية عشر مليون جنيها فقط إلى خزينة مؤسسة الأهرام الصحفية، بعد إهدار ما يقرب من ثلاثة مليارات جنيه منذ عام 1984 وحتى عام 2010 كما تضمنت أوراق الدعوى من أدلة ومستندات. هزلٌ لا يدانيه دون شك سوى محاكمة "حبيب العادلي" في قضية "اللوحات المعدنية" !! وعدم مُساءلته عن تقويض مفهوم الأمن، وإضعاف إمكانات وعقيدة جهازه تكنولوجيًا وفكريًا، وإفساد سياساته للعلاقة بين رجال الشرطة والشعب، وإهدار كرامة المصريين في المعتقلات والسجون لما يقرب من عقدٍ ونصف، وترك السجون وأقسام الشرطة لقمةً سائغة في فم أية تشكيلات إرهابية تهدد مصر وأمنها القومي؛ ليضحي المخطط الذي يشترك في تنفيذه بضع مئات من تنظيم مسلح كفيلاً بالإجهاز على منظومة الأمن الوطني وإدخال دولةٍ بحجم مصر في نفقٍ مظلم لا نعلم له نهاية.
ولا أدري عن أي معدنٍ كانت المحاكمة واجبة "معدن اللوحات" أم "معدن الإنسان"، وعن أية أهرامٍ كانت المحاكمة أولى وأجدر "أهرام الهدايا" أم منطقة الأهرامات التي تركتها الحكومات المتعاقبة لتصبح مرتعًا للبلطجية والمستغلين المشوِّهين للسياحة والثقافة والتاريخ، دونما تصور مكتمل للمنطقة واستغلال جيد لمواردها ومحيطها الجغرافي والاجتماعي؟!! أم عن آثار مصر الفرعونية والقبطية والرومانية التي تم تهريبها عمداً أو عجزاً .. تواطؤاً أو تقصيراً؟!! أم عن هرم سقارة الذي أسند "أيمن عبد المنعم" سكرتير "فاروق حسني" أعمالَ ترميمه عام 2008 لشركة غير متخصصة لا ندري من أين جلَبَها، على مرأى ومسمع من الدكتور "زاهي حواس" رئيس المجلس الأعلى للآثار آنذاك، ليستسلم الهرم الأول في مصر والأثر الأقدم في العالم متهالكاً ضعيفاً في يد الفساد والإهمال والتقصير، حتى شارف على الانهيار وكادت أن تنطمس معه صفحةٌ من صفحات حضارتنا الخالدة، صفحةٌ لن تفتأ تلعننا إن طواها مرار النسيان وفداحة الفقد.
ولعل هرم زوسر لا يعاني وحده من هذه المهازل العبثية التي تكابدها آثارنا العظمى حجمًا فما بالنا بالقطع الصغيرة مما سهل حمله وغلا بالملايين ثمنه، فهرم "هوارة" بالفيوم يتعرض هو الآخر لمأساة بكل المقاييس منذ عشرات السنين، حيث انتشر الحفر خلسة في المحيط المجاور له، وبخاصة في منطقة "المتاهة" التي كادت أن تنتهي تماماً وتُطمَس معالمها, كما أن الأملاح انتشرت داخل أرضية الهرم وعلى جدرانه بشكل كبير, ناهيك عن مياه الصرف الزراعي، وما طاله من تلفيات بسبب تعدي الأهالي على أرض الموقع الأثري بالزراعة والحفر بشكلٍ ممنهج في ظل غياب الدولة وأجهزتها التنفيذية والرقابية !!
أفلا تستحق أهرامنا وتحديداً "هرم زوسر" وكذلك "هرم هوّارة" وغيرهما مؤتمراً صحفياً عالمياً تُدعى إليه كافة الهيئات الدولية والثقافية المهتمة، بحضور المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء ومجموعة وزارية تشمل وزراء الآثار والثقافة والسياحة والمالية للوقوف على حالة "الهرم" وحقيقة ما وصل إليه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ؟!! أم أن "هدايا الأهرام" التي اشتراها الفاسدون ليداهنوا مبارك ورجال نظامه أغلى وأثمن لتصبح جلسات محاكمتهم فيها مذاعةً على الهواء شاغلةً الشارع المصري عن ماضيه الحقيقي وحاضره المُشتبك ومستقبله الموعود ؟! أم أن حكومتنا الحالية ستستورد لنا دفعةً جديدةً من شماعات (فزاعات) الإخوان لنعلّق عليها جميعاً عجزنا وفشلنا، كما علقت حكومة الإخوان السابقة عجزها وفشلها على (فزاعات) الفلول والدولة العميقة بعد أن وصلت خلسةً وغدرًا وبـنـيّةٍ مُعتَلَّة ودونما أية خبرة أو رؤية إلى سدة الحكم .. وكأنما قدرنا أن ننظر إلى أنفسنا دائمًا في المرآة فلا نرانا إلا تركةً ثقيلة على كاهل أنظمتنا، تركةً ربما أثقل وزنا من "هرم زوسر" نفسه، ذلك الهرم الذي يبدو أنه ناء بحملنا فوق مصاطبه الستة أحياءً كما ناء بخلود الموتى داخله؛ فقرر بعد نفاد صبر الفناء والرحيل، الرحيل حاملاً معه حتى الموت ذاته بكل أسراره وعظمته وجلاله، هربًا من وحشة هذه الحياة العبثية القاسية.



