بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
من المؤكد أن لكل شيء أسبابه المنطقية والعلمية فلا يوجد شيء في كون الله لا يخضع لناموسه وقوانين خلقه ولكن ذلك يعتمد أساسا على قدور العلم ومدركاته في العقول والنفوس ، واليوم نتوقف عند عبارات اعتاد البشر في كل مكان وزمان ترديدها عندما يفاجئهم كلمات أو سلوكيات من أطفالهم سابقة لسنهم ولم يتوقعوها منهم مثل (إحنا ما كناش كده) ، (العيال بتتولد عفاريت دلوقتي) ، (جيل آخر زمن) ، (هيا دي علامات يوم القيامة) ، (العيال دي اتولدت مرتين قبل كده) ، (الله يرحم أيام زمان وعيال زمان) .
وقبل الخوض في أسباب هذا لابد وأن نتذكر أنه من المؤكد والمحسوم أن النفس كانت موجودة قبل هذه الحياة وستظل موجودة بعد انتهائها حيث أن النفوس كما علمنا خالقها أنها أصل الإنسان لقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، والله قد أنشأها في جسد من مادة الأرض لقوله تعالى {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ }السجدة7 ، هذا الطين تحييه سر الإحياء وهي الروح لتستخدم النفس هذا الجسد الحي وتتعامل به مع حركة الحياة على الأرض فترة زمنية هي (الأجل) ، وبانتهاء الأجل تغادر النفس هذا الجسد بعد أن تذوق آلام خروج الروح من هذا الجسد ليسترد الله الروح وهي سره ولا علاقة لنا بها لقوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، ويعود الجسد ترابا كما كان ، وتبقى النفس لينشئها ربها نشأة أخرى ربما في جسد جديد على الأرض وربما في كينونة أخرى في كوكب آخر وهي تلك النشأة الأخرى التي شاء الله ألا نعرف شيئا عنها ونحن أحياء في هذا الجسد لقوله تعالى في الآية رقم 47 من سورة النجم {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى } ثم قوله تعالى } نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ { الواقعة {60 : 62}
كما أنه من المعلوم لدينا أن الله تعالى لم يكلف البشر بكل حدوده وتعاليمه جملة واحدة ببداية خلقه لهم على الأرض بل تدرج في تكليفاته وحدوده عبر أكثر من خمسة آلاف سنة (خمسون قرنا) حتى إنزاله سبحانه وتعالى لآخر رسالة سماوية مكتملة منذ ألف وأربعمائة سنة فقط ، وما كان هذا التدرج إلا ليتوافق مع تزايد ثم اكتمال الميراث التاريخي للبشر حيث تتوارث الأجيال من بعضها البعض معلوماتها وخبراتها عن الحياة على الأرض تباعا وتواصلا جيلا بعد جيل ، وبالتالي فالطفل المولود اليوم لن يبدأ من الصفر ولكنه قبل أن يولد (قبل أن يدخل في جسد جنين) لابد وأن يعرف آخر ما وصلت له البشرية من خبرات ومعلومات عن الحياة ثم يبدأ التعامل معها عن قرب بعد الإذن له باحتلال الجسد الذي اكتملت مراحل نموه ليتدرب على استخدام هذا الجسد في بطن أمه وهي النشأة الأولى التي يقول عنها رب العزة {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، ثم يستكمل تلقي باقي معلوماته عن الحياة تعاملا مباشرا بعد الولادة وهو طفل في رعاية لصيقة بأمه متدرجا حتى بلوغه سن التكليف والرشد من بعده .
فالنفس البشرية تولد مكتملة الأركان والصفات وخبراتها مواكبة للعصر المولودة فيه ، ولذلك نلاحظ أن الأطفال حديثي الولادة اليوم أكثر معرفة وإدراكا لما يحدث في الدنيا عن المولودين منذ أعوام سابقة فميراثهم التاريخي من المؤكد أنه أكبر ممن ولدوا سابقا ، وهو أمر لابد أن ننتبه له جيدا ، فالطفل مدرك لأبعاد السلوكيات والتصرفات ومعانيها المجردة سواء البسيطة أو المعقدة ، فطفلك يعرف نظرة عيناك فرحة أو غاضبة وهو يدرك جيدا تعاملات النفوس مع بعضها جيدا والتي قد لا يلاحظها الكثير من الراشدين من البشر .
ولذلك فمن الضروري مراعاة تواجد الأطفال عند التعامل مع بعضنا البعض لأنهم مدركون جيدا ويعون ما يجري حولهم خاصة الانفعالات وتدفق المشاعر وتبادل الأحاسيس أو الاختلاف والصراعات النفسية ولو بدون كلمات وإن كان معظمهم لا يجيد التعبير عما يفهمه لأنه ما زال يتدرب على استخدام إمكانيات جسده للتعامل مع حركة الحياة ، بل ومن الأهمية عدم الاستخفاف بمشاعرهم وانفعالاتهم وعدم محاولة تقليدهم في مخارج ألفاظهم أو حركاتهم لأن هذا يؤلمهم كثيرا ويفقدهم الثقة فيمن حولهم ، ولعلنا جميعا نلاحظ جيدا صدق مشاعر الأطفال تجاه الآخرين فالطفل يشعر بالشخص الشرير والثقيل النفس والغاضب حتى ولو لم يتكلم أو يصدر أفعالا تدل على ذلك ولا يتعامل معه مطلقا ولا يقبل تقاربه منه وربما يأنس لشخص غريب فينام على يديه وقد لا يقبل ذلك مع أقرب الناس إليه وهو أمر طبيعي ناتج عن احتفاظ نفس الطفل بنقائها وبالتالي قدرتها العالية على قراءة النفوس المجردة حوله .
وكلما ازدادت تعاملات الطفل خلال نشأته تعقيدا وسوءا يفقد تدريجيا نقاء نفسه وقدراته النفسية على الفهم المجرد وإدراك حقيقة النفوس حوله ولا علاقة للفقر والغنى أو رغد العيش بذلك ولكنها تتعلق أساسا بحسن العشرة ورقي أسلوب التعامل الذي يلقاه ممن حوله والمسئولين عن تربيته ، ولذلك ينصح بحسن التربية للطفل وصحبته وليس معنى ذلك تجنب عقابه وترك الحبل على غاربة للأطفال تفعل ما تشاء كما نرى في كثير من بيوتنا متعللين بأساليب التربية الحديثة بل لابد وأن يعرف الطفل حدوده فلا يتعداها ولا يعتدي على حدود غيره دون شراسة في التعامل أو حمق في العقاب والثواب وبنفوس صادقة في حرصها على مصلحة الطفل وحنونة وحانية حتى وهي تعاقب فالطفل يقرأ النفوس ككتاب مفتوح ، ولذلك يقبل العقاب ولا يحمل ضغينة ضد شخص عاقبه ولا يقبل نفس العقاب من آخر ولو كان مظهره أقل شدة وأكثر ودا وبشاشة .
ويبقى في تربية الطفل أهم عناصر تكوين شخصيته واستقامتها وهو بناء الثقة ، حيث تبنى الثقة في نفوس الأطفال بكسب ثقتهم أولا فمن يستطيع أن يكسب ثقة غيره فهو قادر على تأصيل الثقة في نفوس الآخرين خاصة الأطفال ، وبالتالي فالثقة في النفس تزرع في الأطفال أولا باكتساب ثقتهم وهي المهمة التي يطلق عليه (السهل الممتنع) فهو أمر سهل وميسور لأصحاب النفوس الصادقة والطيبة البسيطة وأمر صعب وربما مستحيل لأصحاب النفوس المعقدة والمتقلبة والانفعالية دون مبرر ، ويبدأ اكتساب ثقة الطفل بعدم الكذب عليه مطلقا أو الكذب على أحد أمامه والحذر أكثر مما يمثل غدرا به كعقابه دون مقدمات أو مبرر أو خداعه أو الاستشاطة غضبا عليه عندما يخطئ أو إزعاج نومه أو تعمد عدم الاستجابة لمطالبه الغريزية كالطعام والشراب والتصريف والنوم واللعب أو تحويل إحداها لمعاناة نفسية له ، مع الحذر من ممارسة الرذالة والرخامة والبرود وتعمد التجاهل في مطالبهم والتعامل معهم .
نهاية لابد وأن ندرك عند التعامل مع الأطفال أننا نتعامل مع نفوس متكاملة في قدرات الإدراك والفهم لما يدور حولها حتى لا نتجاوز معها بما يفسد بناء وتنمية قدراتها على التعامل بواسطة جسدها الذي ينمو وتنمو معه قدراتهم على الأفعال وردود الأفعال وهو أمر في غاية الخطورة ونلاحظ نتائج سوء التربية بوضوح في سن المراهقة حيث تكون رغبات النفس وشهواتها أكبر بكثير من القدرات الفعلية للعقل والجسد في ظل ضعف الاتزان النفسي الذي لم يتعلمه خلال سنوات التربية السابقة ، فما نزرعه اليوم من سوء في أطفالنا سوف نحصده سريعا بعد سنوات قليلة بداية من سن المراهقة وسيظل أبناؤنا يعانون من سيئاته بقية أعمارهم على الأرض ، لابد وأن نؤمن أن الطفل لا يتأصل في نفسه سوى ما يراه من أفعال وردود أفعال من المحيطين به بل ولا يتأثر كثيرا بالتوجيهات والتعليمات بل ربما يرفضها ويلفظها كلما كبر سنه ، فالنفس لا تتعلم إلا من الأفعال ولذلك شدد الله في تحذيره للمؤمنين من مخالفة القول للفعل في أكثر موضع أشهرها عتابه سبحانه في سورة الصف } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون }.
أخيرا .. النفس البشرية كانت موجودة قبل الحياة على الأرض وستظل موجودة بعدها إلى أن يشاء الله ومهمة الاستخلاف على الأرض تقتضي أن يحسن كل منا لمن كلفه الله برعايته من نفوس فكلها ديون مردودة تبعا لناموس الله وعلوم الكون والخلق ولا شك في هذا ولا جدال ... وذلك محور الحديث القادم بإذن الله .



