الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

حينما رأيته لأول مرة عام 2009 كان قد نزل من مقر حزب الكرامة بالدور الثالث ليلقى الشاعر محمد عفيفي مطر على مدخل العمارة الكائنة بشارع علي إسماعيل بالدقي، وكان بجواره في ذلك اليوم الراحل الجليل د.عزازي علي عزازي، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة حفاوة لن أنساها ما حييت، كانت الساعة قد قاربت على الواحدة ظهراً، والطقسُ يجتهد في أن يكون ربيعيًا ليليق بالفاتح من شهر إبريل. لقاءٌ كان مرتّباً سلفًا حيث أصر السيد "حمدين صباحي" الذي كان يشغل آنذاك رئاسة تحرير جريدة "الكرامة" الاعتذار بنفسه للشاعر الكبير عفيفي مطر رحمة الله عليه، بسبب اختصار أحد صحفيي الجريدة لأجزاء من حوارٍ مطوَّل خصّ به الشاعر جريدةَ "الكرامة" عقب استقالته من لجنة الشعر لأسباب عديدة ليس هذا مكانها الآن. تركت ثلاثَتَهم عند باب المصعد معتذراً عن حضور اللقاء لانشغالي بأمرٍ آخر، جذبني السيد "حمدين صباحي" قبل مغادرتي من يدي ممازحاً "إحنا متغديين النهاردة سمك جاي مخصوص من البرلّس علشان عمنا عفيفي"، شكرته وصافحتهم ثم انطلقتُ ذائباً في زحام الشارع متجها صوب ميدان التحرير.

في ميدان التحرير وعقب رحيل شاعرنا الكبير محمد عفيفي مطر بسبعة شهور كان الميدان على وعدٍ بثورةٍ موعودة، وفي الثامن والعشرين من يناير عام 2011 كان حمدين صباحي يعبر بين الحشود الهادرة كوبري قصر النيل في مسيرة انطلقت من ميدان مصطفى محمود بالمهندسين، في مشهدٍ سيظل خالداً في ذاكرة الوطن خلودَ نهره الخالد. كنتُ ومجموعةٌ من الرفاق محاصرين في مدينة "السويس" التي انتشر الجيش الثالث الميداني في شوارعها لمدة ستة أيام، والتي اندلعت منها شرارة الثورة بعد استشهاد أربعة شباب في تظاهراتها يومي 25 و 26 يناير، لم أشهد عبور الحشود لكوبري قصر النيل، ولم تجمعني الظروف المتعاقبة بالسيد "حمدين صباحي" حتى أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية 2012، ووجدتني أحادثه هاتفياً بشأن مجموعة من الملاحظات العابرة حول خطابه السياسي الذي تتبناه الحملة، ناقشني السيد حمدين في كل النقاط التي أثرتها بصدرٍ رحب وابتسامةٍ كانت تمر إلى أذني فأراها ماثلةً أمام عيني ملطفةً الأجواء المحتدمة بالسياسة وتوتراتها.
مرت انتخابات الرئاسة 2012 بقضّها وقضيضها، وأصبحت أكثر اقتراباً من السيد "حمدين صباحي"، ثم شَرُفتُ بأن أكون واحداً من شباب التيار الشعبي الذين قادوا مع مختلف شباب التيارات والأحزاب السياسية والحركات الثورية الأخرى موجات الغضب العارمة ضد سياسات الإخوان وانحيازات الأهل والعشيرة، بدءاً من جمعة الحساب وحتى خروج الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو عام 2013 بعد عام واحدٍ فقط من حكم الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي، مروراً بالتظاهرات العارمة التي حاصرت قصر الاتحادية في مطلع شهر ديسمبر بعد الإعلان غير الدستوري الذي أصدره محمد مرسي في الثاني والعشرين من نوفمبر عام 2012، عقب اندلاع أحداث محمد محمود الثانية بيومٍ واحد واستشهاد "محمد الجندي" بعد اختطافه واختفائه لأيام. وكنت أثناء كل ذلك تجمعني بالمناضل حمدين صباحي لقاءات ومكالمات تليفونية ألمس فيها عن قرب تغليبه لمصلحة الوطن على مصلحته الشخصية، متكبداً في سبيل ذلك اتهامات ومزايدات لا يحتملها أحد، بل إنه كان يتحمل مزايدات الكثيرين من المحيطين به واندفاعات الشباب التي كان يمتصها بصدرٍ رحب وابتسامةٍ مقيمة مفنداً وموضحاً الرؤى لهم؛ لتثبت لهم الأيام فيما بعد أن خبرته في معالجة المشكلات وتحليل الأحداث كانت في محلها فتزداد ثقتهم به واحتشادهم تحت لواءه.
ثم مرت الانتخابات الرئاسية 2014 وشهدت أثناءها بنفسي تعامل السيد حمدين صباحي مع المشهدين السياسي والثوري، كان "حمدين صباحي" متجرداً من مصلحته الشخصية ومكانته التي تتخلخل بسبب إصراره على أن تستكمل الثورة مسارها بشكلٍ ديمقراطي، بدأ الكثيرون من الثوار يتهمونه بما قذفه به الإخوان من أباطيل، ويصفونه بذات الصفات التي وصفته بها لجانهم الإلكترونية، متناسين دوره في جبهة الإنقاذ ومتغافلين تلقفهم ذات يوم لتصريحاته ومواقفه، واحتشد ضد الرجل بعض الناصريين واليسار وعددٌ ممن سموا أنفسهم بثوار يناير، في جبهةٍ موحدة مع بعض أتباع ورعايا نظام "مبارك"، أصبح الخطاب موحداً وإن اختلفت المنطلقات والمقاصد، ووقف صباحي بين بقيةٍ باقية من المؤمنين بوطنيته ومبادئه، لا يلتفت إلا للصحيح، على هنّاتٍ بسيطة فرضتها عليه الظروف والإحداثيات عظّمها مجابهوه معتبرين إياها خطايا، وتجاوزها منافسه لما يعلمه يقينا من حيدة الرجل وتاريخه النضالي.
وخلال الأيام الأخيرة بعث حمدين صباحي برسالةٍ عملية تؤكد وطنيته وانتماءه لمصر وثورتيها، إذ توجّه لشراء أسهم في ممر تنمية قناة السويس، كغيره من جموع المصريين، متجرداً من كونه منافساً للرئيس في انتخابات ما يزال الجميع يقدحون فيه بفعل فرق نتيجتها الشاسع، أيقن "صباحي" أن المشروع يخص وطناً ومستقبلاً لا أشخاصاً وحاضراً، لم يخرج مزايداً بأن هذا المشروع كان في صدارة برنامجه الانتخابي، فالوطن أكبر وأبقى، بينما استمر المزايدون في جلده وتبكيته، كارهوه اتهموه بحب الظهور، ومدعو الثورية اتهموه بالنفاق والخنوع وبيع الثورة، وهو الذي خرج منذ أسابيع قليلة لمكتب النائب العام مطالباً بالإفراج عن المعتقلين وإلغاء قانون التظاهر المعيب غير الدستوري، خطا "صباحي" فوق كل ذلك ولم يلتفت إلا لما يمليه عليه ضميره من المصلحة العامة، ترك لشبابه حريةَ تأسيسِ حزبهم باسم التيار الذي دشنه في 21 سبتمبر 2012، وأعلن لهم أنه سيسلم لهم الراية عن طيب خاطرٍ وتجرد، لم يفرض عليهم الانضمام إلى حزبه "الكرامة"، كما لم يوجّه المنتمين إلى حزب "الكرامة" إلى الانضمام للحزب الجديد، ووقف "حمدين صباحي" خارجاً محلقاً كـ "النسر" بوجهه الذي تعلوه الابتسامة مطمئناً وحانياً على الجميع.
 
كان شاعرنا الكبير الراحل "محمد عفيفي مطر" لا يقاسمُ طعامه خائناً أو مهادنا أو مدعياً، وأشهد أنه حينما جلس إلى السيد "حمدين صباحي" في ذلك الربيع البعيد كان يعلم تمام العلم أن رجلا كالسيد حمدين صباحي يستحق هذه المقاسمة وهذا اللقاء، فمثله من شرفاء هذا الوطن سيظلون في قلب مصر وذاكرتها، لا يرهبهم سيف ولا يغريهم ذهب وأيضاً لا تعوزهم ثورة.  
تم نسخ الرابط