بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
توقفنا سابقا عند حقيقة أن .. النفس البشرية كينونة مستقلة ومعجزة لا علاقة لها بالجسد ولا بالروح إلا كرفقة وتعاون في رحلة الحياة على الأرض وحتى انتهاء الأجل المسمى ، والنفوس كانت موجودة قبل حياتها على الأرض وستظل موجودة بعدها إلى أن يشاء الله ولكن في نشأة مختلفة ومهام أخرى ربما مختلفة ، وتذاكرنا أن مهمة الاستخلاف على الأرض تقتضي إعمار الأرض وأن يحسن كل منا لمن كلفه الله برعايته من نفوس ، فكلنا كنا رعايا لمن سبقنا وأصبحنا رعاة لمن بعدنا وكلها ديون مردودة تبعا لناموس الله وعلوم الكون والخلق ولا شك في ذلك ولا جدال .
ولا شك أننا في أبسط صور التعامل مع بعضنا نشعر بفوارق النفوس فهذا خفيف الظل مقبول ، وآخر (دمه يلطش) ثقيل الدم ، بل ومن الناس من لا يطيق التعامل مع شخص ولو لحظة واحدة دون أن يعرفه أو يتكلم معه ، تلك هي مشاعر النفوس وآثارها على حركة الحياة بيننا ، وهي حقائق نشعر بها بنفوسنا وتؤكدها الرؤية بالعيون ، وتدرجا من هذا الإحساس البسيط إلى ما هو أعقد وأعمق فكثير منا يكتشف الكذب والخيانة واحتراف الخطايا وغيرها في وجوه وعيون الناس دون سابق معرفة أو حديث وهو احد أفرع علم الفراسة أو ما نسميه تحديدا بالحاسة السادسة ، وهو علم يرصد آثار وتأثر البشر النفسية بما يحيط بالإنسان من معطيات وحركة الحياة ، ووالأمور في حقيقتها أبسط كثيرا من نظرياتنا وتعقيدات علوم النفس والاجتماع وتكمن في قدرات النفس على قراءة النفوس الأخرى حولها .
وهناك أمثلة كثيرة أبرزها مثلا .. إصرارك أن تواجه فلانا بكل عيوبه وتحاسبه حتى إذا لقيته وتواجدت في محيط تأثيره النفسي فقدت كل رغباتك وقدراتك على مواجهته أو حتى التلميح بما تريد ، وليس هذا غريبا فلكل نفس مجالها الطاقي المحيط بها ولها قوتها المؤثرة فيمن حولها بل ولها لغتها الخاصة دون حروف أو صوت ، وإلا كيف تسمع صوت من يحاسبك ويدفعك لفعل أشياء داخلك ، وإن كان هذا قد يكون خلق مختلف مكلف بك أحيانا ولكنك قادر على سماع ما لا صوت له داخلك وقادر على سماع وفهم كلام النفوس الأخرى وخير دليل على ذلك نيران العشق التي تشتعل دون أنذار بين رجل وامرأة منذ لحظة أول لقاء لهما ولا يستطيع بشرا أن يمنع هذا أو يتدخل فيه .
بل أبسط من هذا تعرفه في قبول الأطفال للنوم في أحضان شخص غريب رغم أنها قد ترفض حتى مجرد الاقتراب من عم أو خال أو ربما أب ، لنكتشف بعدها أن من رفضه الطفل كان يضمر حينها شرا أو كرها أو حسدا له ، والطفل يقرأ ذلك واضحا كالشمس ولا جدال عنده فيما يقرأه ويفهمه ، ولكن الطفل وأمه نادرا ما يتنافران نفسيا فأمه هي أول نفس استقبلته في الدنيا بل وسمحت له سعيدة أن يشاركها جسدها وبنت له جسدا من جسدها ورعته داخلها حتى تدرب على استخدام هذا الجسد فالولاء النفسي هنا فطري لا انفصام له مهما حدث بينهما .
وعادة ما تكون النفوس صاحبة ولاء لمن يرعاها وصادقا في حرصه على صالحها من قلبه مهما كانت صور التعاملات الخارجية المعلنة بالقول أو الفعل ، فترى إنسانا يقبل أن يعنفه ويعاقبه شخصا بعينه ولو بإيلامه جسديا مهما كان غريبا عنه ولكنه لا يقبل أن يستقبل نظرة من شخوص بعينهم ، وهو إدراك نفسي لحقيقة النفوس ونواياها الخفية ، ولذلك قد ينجح شخصا في أن يقود جماعة أو مجتمعا من البشر بأفضل من غيره رغم ضعف إمكانياته المادية الملموسة والمرصودة بالعين مقارنة بغيره ممن فشلوا ويقولون عنها موهبة القيادة ولكنها نفس قوية حانية أبوية بفطرتها يشعر بها الآخرون فيقبلونها ويقبلون منها ما يرفضونه من غيرها .
ولا شك أن النفوس القوية المقبولة من الغير تكون صاحبة مجال طاقة أكبر وأكثر وضوحا وتأثيرا من غيرها ، ومجال الطاقة الغير مرئية للأحياء حقيقة علمية موجودة وتم إثباتها وتصويرها حول الأجساد الحية وتحديد ألوانها المتدرجة من الأحمر المتوهج للأصفر فالأبيض فالأزرق بدرجاته حتى تختفي بموت الجسد الحي ، والنفوس البشرية صاحبة أوضح التأثيرات في مجال الطاقة الحيوي حيث تختلف وتتباين الألوان وسطوعها تبعا للحالة النفسية والانفعالاات وتنوعاتها المختلفة ، وهي ما نعرفه منذ زمن بعيد بالهالات النورانية والتي راها بعض الناس بعيونهم المجردة حول غيرهم من البشر وقد تم نجاح تصويرها بأجهزة خاصة على طريقة (كيرليان) في منتصف القرن الماضي وما زالت الأبحاث قائمة حول هذه الظواهر التي لم تعد بالغريبة ولا العجيبة ولكنها علامات وخصائص وتأثيرات للجسد البشري سواء كانت هذا التأثيرات بيولوكهروكيميائية تتحكم فيها النفس أو هي خليط من طاقة الجسد الحي مع النفس البشري المعجزة .
ولابد أن نتوقف كثيرا عند قول الله تعالى (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فحقائق النفوس وقدراتها وإمكانياتها شيء قائق الإعجاز ولم يستطع علما ولا عالما الإحاطة به كاملا حتى الآن ، حتى أننا رأينا مثلا امرأة نحيلة لا تستطيع حمل عشرة كيلوجرامات ولكنها فجأة ترفع سيارة وزنها طنان (2000 كيلوجرام) لمجرد تحفزها النفسي لإنقاذ ابنها من تحت عجلات السيارة ، وشخص متوسط القامة يقضي ثمانية دقائق تحت الجليد ثم يخرج ليجفف بجسده ثلاثون مترا من القماش المبتل بالماء ، وآخر يستطيع في ظروف خاصة أن يتواصل مع آخر ويسأله عن أشياء ويردد الإجابة وبينهما آلاف الكيلومترات دون محمول أو لاسلكي أو قمر صناعي ، وكلها مجرد قدرات نفس استطاع أصحابها استخدامها عندما لم يكن هناك بدا أو بديلا عن استخدامها ولذلك لا عجب أن يقسم رب العزة بقوله تعالى (ونفس وما سواها) ويزيدنا لوما وتقريعا بقوله تعالى (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ... صدق الله العظيم ..



