الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

 

كلما ازداد علم الإنسان .. يزداد ثقة بمدى عمق جهله ومحدودية علمه وهو ما قرره المولى عز وجل بقوله تعالى في سورة الإسراء { .. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } ، والعلم هو الحقائق المسلم بها سواء كانت حقائق كونية عن ناموس خلق الله في كونه وما فيه من مخلوقات وكائنات أو أحداث قضاء وقدر كتبها الله على خلقه سواء قد مضت أو حاضرة أو مستقبلية ، ولا شك أن ما يسمح الله لنا به من علم يأتي على قدور معطياتنا الشاملة زمنية أو مكانية أو حياتية فسبحان من خلق ابن آدم وجعله يتقدم تدريجيا في قدراته على استيعاب العلم طبقا لتراكم ميراثه التاريخي عبر الزمان وهو ما جعل الله يتدرج في فرض دستور الحياة على ابن آدم عبر أكثر من خمسة آلاف عام .

 

وأبسط فكرة تخطر على بال أي متدبر في خلق الله وكونه هو حجم ابن آدم بالنسبة لكون الله الفسيح ، فالإنسان بالنسبة للأرض لا يتعدى حجما ووزنا أكثر من نملة بجوار الهرم الأكبر ، فإذا كان ابن آدم يزن في أقصى تقدير له مائة أو حتى مائتين كيلوجرام فالكرة الأرضية تزن ستة مليارات مليون طن ، ومساحة جسم ابن آدم تساوي أقل من (2) متر مربع ومساحة الكرة الأرضية 260 مليون كيلومتر مربع ، ثم يكتشف ابن آدم أن الشمس التي تتبعها الأرض أكبر من الكرة الأرضية بمليون و300 ألف مرة بل والمجموعة الشمسية نفسها تعد واحدة  من ستة ملايين مجموعة شمسية تنتمي لمجرة كونية هي بالنسبة للكون واحدة من ستة بلايين مجرة تم اكتشافها حتى الآن .

 

ولن نستطرد كثيرا في علم الله الذي لا نعلم عنه إلا القشور وربما الظواهر ولكني أذكر قبل سنوات بعيدة وتحديدا في بدايات دراستي للهندسة (كعلم متفرد وخطير بل وعظيم أو هكذا باتت قناعاتي الشخصية به) أنني وقفت طويلا حائرا أمام اتجاه دوران الحجاج حول الكعبة ولماذا هي عكس دوران عقارب الساعة بل ولمادا هي دوران للشمال وليست لليمين فأنت تضع الكعبة على يسارك وتدور حولها ، ثم ما لبثت أن عرفت أنه نفس اتجاه دوران الأرض حول نفسها وكذا دورانها حول الشمس بل وهو اتجاه دوران المجموعة الشمسية حول مركز المجرة والأعجب أنه اتجاه دوران الإلكترونات حول النواة في أي ذرة وفي أي خلية حية في جسم الإنسان بل وفي أي كائن في الكون ، فالكون وكل ما فيه من خلق وكائنات هو منظومة متوافقة ومتزامنة بدقة ومتأثرة ببعضها البعض بقدور محددة بدقة وإعجاز متناهي .

 

وهل يكفينا أن نعرف أن الإنسان ككائن مستقل بذاته هو منظومة كهربية استاتيكية وديناميكية معجزة متوافقة ومتزامنة مع الكون من حوله بكل معان الكلمات وأن أي اختلال في توافق الكهرباء في جسد الإنسان لأي سبب كالمرور أو العيش قريبا من أبراج الضغط العالي أو التعرض للإشعاع أو مجال مغناطيسي قوي أو مخالف لما اعتاد عليه سوف يؤدي حتما لاختلال قيام بعض أو كل أجهزة جسده لوظائفها بطريقة صحيحة وبالتالي تسبب المرض وربما الموت ، وهو فرع جديد من الطب يحاول رواده التواجد بقوة منذ أكثر من ربع قرن ولكنهم يواجهون حربا ضروسا من أباطرة الطب التقليدي لأن هذا النوع من الطب سوف يشفي الملايين دون الحاجة للأدوية والطب التقليدي وبالتالي فهذا النوع من الطب يضر بل ويدمر تجارة الأباطرة بالبشر تحت مسمى الطب .

 

ولعل كثيرا منا قد أذهله سلسلة الاكتشافات الكونية المتتالية في بدايات القرن الحالي والتي أثبتت بما لا يجعل مجالا للشك صدق ما جاء به رسول المسلمين من عند ربه وما كان لبشر أو جن أن يدرك إعجاز ما جاء به في القرآن العظيم ، ولعل أبرزها كان اكتشاف حقيقة (الخنس الجوار الكنس) وهي الثقوب السوداء التي تكنس صفحة الكون وتبتلع مخلفات انفجار النجوم والكواكب لتنظف الكون منها في دقة عجيبة ، ومن الغرائب التي ربما لا يعرفها الكثيرون في عالمنا أن مركز الأرض الحقيقي وخط الطول صفر الذي يمر بمنتصف الأرض يمر بمكة المكرمة وليس جرينتش أو لندن كما يدعون كذبا وزورا ، والشواهد المادية التي اعترف بها العلماء في الغرب أن المسعى بين الصفا والمروة يشير إلى الشمال والجنوب الحقيقيين ، واتضح أن الخط الواصل بين المسعى المغطى يشير إلى اتجاه الشمال الحقيقي ، وأن قطر الكعبة الأصلي يشير أيضاً إلى الشمال والجنوب الحقيقيين ، ومن الشواهد المادية أيضاً أن الخط الواصل بين الحرمين الشريفين يشير إلى الشمال والجنوب الحقيقيين ، فمكة طبقا للتدريج الحالي تقع على خط عرض (21 درجة و 25 دقيقة شمالاً) ، وخط طول (39 درجة و 49 دقيقة شرقاً) أما المدينة المنورة  فتقع على خط عرض (24 درجة و29 دقيقة شمالاً) ، خط طول (39 درجة و 36 دقيقة شرقاً) أي أنهما يقعان على نفس خط الطول وهو اتجاه الشمال الحقيقي وخط الطول صفر الحقيقي .

 

وليس عجيبا أن نرى هذا الإنسان الظلوم الجهول متسلطا ومزورا ومصرا على ضلاله ومنكرا للحقائق ولمطالب غيره من الإنصاف والعدل ولكنه سوف ينزغ صارخا طالبا للعدل والحقيقة والإنصاف لو وجد نفسه في موضع الضعيف أو المعتدى عليه في أقل حقوقه أو رغباته الفطرية أو المستحدثة ، فإذا كانت رغبة السيطرة والهيمنة على حياة غيره قد أدت لأن يعيش العالم كله أكذوبة مثل خط الصفر ومروره بجرينتش كذبا ، ولا يجد الأمانة والشجاعة لتصحيح خطأه رغم أنه أصبح حقيقة لا تقبل الجدال ، وإذا كان العلماء يعترفون أن آيات العلم في كتاب الله القرآن لا يمكن أن يكون مصدرها سوى من خلق هذا الكون بل وينشئون مراكز لدراسة آيات القرآن علنا ويعتبرونها أساسا لا يقبل التحريف ، ولكنهم يجحدون ويكابرون ليصدق فيهم قول الله تعالى {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33 ، فلا عجب أن نرى ابن آدم في مجمله يحيا حياة بوهيمية حمقاء مشحونة بالرغبات وبالشهوات والتي يؤججها بيديه ويخضع لتصاعدها في نفسه وحياته ، ولا ينتبه أنه جزء من منظومة عظمى هي الكون المحيط به ، بل ويتورط في خلافات ونزاعات تتطور لصراعات سيطرة وحروب مدمرة الخاسر الوحيد فيها هو الإنسان في النهاية ، ولا ينتبه لتحذير الله وتهديده القديم الأزلي {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً }النساء133 ، بل ويتغافل عن التهديد الأعظم خطرا بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ }إبراهيم 19 ، 20 .

 

فمن هو هذا (النكرة) المسمى بالإنسان مقارنة بالكون وهل لدى ابن آدم شك في قول الله تعالى  {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }غافر57 ، وهل لدى الإنسان شك في أنه واحد من بلايين مخلوقات الله التي تعمر كونه وكلهم عبيده وعباده ومن فئة العمار التي جعل الله ابن آدم منها {... وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }النحل8 ، والأهم والأخطر هل لدى ابن آدم شك في أنه هو المحتاج لرحمة الله وعونه وكرمه وفضله وهدايته ورعايته ومغفرته ، وأن الله حليم ستار ولكنه شديد العقاب وفعال لما يريد وأنه قادر على أن يستبدل البشر بخلفاء غيرهم على الأرض كما استبدل الجن بالإنسان من قبل وهو القائل في محكم تنزيله وقوله تعالى {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }الأنعام133 ... صدق الله العظيم ..

 

 

تم نسخ الرابط