بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لا جدال أن ما ارتكبه كثير من علماء الفقه والتشريع والسنة السابقين ومن تبعهم في حق الإسلام لا يبلغ مرتبة الفواحش الفكرية فقط كما يدعي (إسلام البحيري) في حلقاته حول معنى أمر الله (.. فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ، بل تجاوز ما فعلوه حدود الكبائر جميعا فالفواحش أبدا لا تهدم دينا مثلما فعلوا ، حيث تعمد المضللون ومن تبعهم ممن يطلقون عليهم علماء السلف سوء استغلال أمر الله تعالى لمشركين قريش أن يسألوا أهل (التاريخ الديني) من اليهود والنصارى عن حقيقة نزول الوحي من الله لعباده وهل ينزله رب العزة على الملائكة كما يدعي المشركون أم هو وحي لرجال من البشر مثلهم عبر التاريخ وجعلوا الأمر عاما ومطلقا ليصبغوا على أنفسهم قدسية وتنزيها عن العامة ويقصروا فهم وتفسير وتدبر كتاب الله على أنفسهم دون عامة البشر غيرهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا .
وبالرجوع للآيات نجد أن الله تعالى ذكر هذا الأمر مرتين في كتابه العزيز في سورتي النحل والأنبياء بقوله تعالى في النحل {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ثم قوله تعالى في سورة الأنبياء {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } بفارق واحد هو زيادة (من) قبل قوله (قبلك) في الأنبياء ، فأمر الله محدد في مسألة نزول وحيه على رسول بشر أم ملائكة ، ومحدد في من يسألونهم وهم أهل الذكر أي (التاريخ الديني) من اليهود والنصارى ، ولكن المضللون استخدموا الأمر على مطلقه لكل مسلم بعدهم ، وزوروا تفسير أهل الذكر ليجعلوه (أهل العلم الديني) وجعلوا من أنفسهم أهل العلم الديني في الإسلام والذين لا يرد لهم جواب ولا يناقشهم بشر ، وهم فقط الأحق أن يسألهم عامة الناس ولا يحق لمسلم أن يفكر أو يتدبر أو يجتهد وإلا كان فاسقا زنديقا بل ويصل به الأمر للكفر لو أصر أن يتفكر أو يتدبر أو يجتهد .
ولعلهم لا يعلمون أنهم بذلك كانوا السبب الرئيسي والأهم والأخطر في إعادة تكرار مآسي وجرائم اتهامات الهرطقة (والتي استبدلوها بالزندقة) التي جرت في القرون الوسطى بواسطة قساوسة المسيحية ورهبانها والتي أدت تبعاتها فيما بعد لسقوط السلطة الدنيوية للكنيسة والمسيحية كدين حتى يومنا هذا وانحصرت في تقاليد المباركة للمواليد والزواج والوفاة ، وكذلك فعلوا بالقرآن الذي تحول عبر القرون لتبريكات وواجهة لإحياء مراسم الاحتفالات الدينية والاجتماعية ليسقط الإسلام في نفس مستنقع الضلال الذي سقطت فيه اليهودية والمسيحية رغم أنه الكتاب الأوحد الذي يتحدى البشر أن يستطيعوا تحريف حرف منه أو تبديله وهو الكتاب الأوحد الذي يدعو قارئه للتدبر والتفكر والتأمل والاجتهاد فيه .
ولا شك أن هؤلاء المضللين قد ضللوا عقولا كثيرة عبر التاريخ الإسلامي بل وشوهوا مفاهيم الإسلام التي فهمها المسلمون الأوائل سماعا ونفذوها بأمانة فسادوا الدنيا في أقل من قرن من الزمان ولأكثر من ثمانية قرون متتالية حتى وقع تفسير وفهم القرآن في فخ التنزيه والتقديس لمن يسمون أنفسهم علماء فأعادوا إنتاج الضلال المتكرر للبشر بتزوير مفاهيم دين الله للمرة الثالثة عبر التاريخ البشري على التوالي فسقطوا وسقطت معهم إمبراطورية المسلمين وأصبحوا كغثاء السيل ولا قيمة لهم وزادوا الطين بلة بأن ادعوا أن تفريط العامة هو سبب الانحدار فشددوا على العامة وانساق لهم المسلمين وشددوا عليهم الحدود والمظاهر وزادوا من الفروض والنوافل والمناسك حتى رأينا من يقيمها أكثر وأفضل من الصحابة دون تقدم أو فائدة وأحوال المسلمين من سيء لأسوأ والمضللين من ضلال لأضل حتى أصبح الإسلام موصوما بالإرهاب والتعنت والتشدد والحمق والتخلف حتى في بلاد المسلمين .
ورغم أن القرآن ورسول الله الخاتم محمد قد شددوا واهتموا بقواعد أساسية للدين بنيت على الفهم والتدبر والتفكر بما يوافق العقل والمنطق بل وأمر رسول الله كل مسلم أن يستفتي قلبه ثلاثا وليس مرة واحدة وإن أفتاه الناس أو العلماء بقوله (استفت قلبك .. وإن أفتوك .. وإن أفتوك .. وإن أفتوك) ، لكن المضللين والمزورين لدين الله أفهموا العامة أن من يستفتي قلبه هنا لابد وأن يكون صاحب علم ، بل وتعللوا بأنهم مسئولون ويتحملون عن العامة كل التبعات بالفتوى فركن العامة للراحة وتحميل المسئولية لأحد غيرهم ، وتوارثوا عبر الأجيال تزايد قدسية المضللين على أنهم علماء حتى رأينا منهم من يقول (أعلم أن الله قال كذا .. ولكني أرى.. ) ويجدون من المضللين من يتصدى ويدافع عن كفرهم بقيومية الله بل ويتهم من ينتقدهم أو يناقشهم أو حتى ينتقد تفسيرا للبخاري مثلا .. بالكفر والزندقة .
ولا شك أن البشر عبر تاريخهم على الأرض قد احترفوا الضلال واستمرأوه سواء كانوا مضللين ومزورين باسم الدين أو راضين بأن يضللهم ويخدعهم غيرهم ليريحوا قلوبهم وعقلوهم ، لنظل متمسكين ومصرين على ارتكاب أحد الجريمتين الرئيسيتين في تاريخ البشرية ولا ثالث لهما ، فالأولى ما يرتكبه غالبية البشر من غير المسلمين حتى اليوم وهي بإعمار الإنسان للأرض لحسابه وبقوانينه والتمادي في غيه حتى اعتياد الكفر وإنكار وجود إله للكون ، والثانية بإنكار المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخليفة لله والادعاء بأنهم مخلوقون لأداء الفروض والمناسك وتسميتها بالعبادات كذبا وزورا والادعاء بأنها هي الغرض من الخلق ومن أداها فقد أدى المهمة التي خلقه الله من أجلها .
ولا شك أن تلك كانت أبرز وأخطر المفاهيم التي تم تزويرها بيد المسلمين في دينهم بتزوير المهمة التي خلقهم الله من أجلها واستبدال مهمة الإعمار (كخليفة لله على أرضه بالعلم والعمل والكد والكدح) ، بأداء مجموعة من الفروض والمناسك والتي ما فرضها الله إلا للحفاظ على استقامة ابن آدم في أداء المهمة ، وتلاها بالتبعية تزوير كثيرا من المفاهيم لتتوافق مع الضلالات المبتدعة مثل تزوير معنى الأمانة {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 ، تلك الأمانة التي حملها ابن آدم والتي اختلفوا في معانيها ما بين كونها العقل أو كونها الفروض والمناسك أو حتى استئمان الله لابن آدم على نفسه .
وتجاهلوا أن الأمانة نفسها قد عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منها وحملها ابن آدم الظلوم الجهول وأن الله قد أوضحها في آية أخرى جلية كعادة القرآن بتفسير وتأكيد المعان ببعضها البعض في قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }فصلت11 ، فالسماوات والأرض خضعا لله تعالى طائعين لا إرادة لهم ، أي أنهم اختاروا أن يؤدون المهام التي خلقهم الله من أجلها دون أن يكون لهم القدرة على الاختيار (طائعين) ، ولكن ابن آدم اختار أن يكون له القدرة على الاختيار (إرادة أن يفعل أو لا يفعل) وهي الأمانة التي يحاسب عليها كاملة يوم القيامة ، فالأمانة التي حملها ابن آدم ما هي إلا القدرة على الاختيار المطلق دون إجبار في تنفيذ المهمة التي خلقه الله من أجلها مضافا لها الفروض والمناسك ولذلك فابن آدم محاسب على كل نواياه في كل كبيرة وصغيرة من قول أو فعل في حياته الدنيا .
حقا لقد بلغت جريمة الأوائل وعلماء السلف من المسلمين بإغلاق أبواب الاجتهاد والتدبر على من سواهم حدود الكبائر في حق دين الله وغرهم في دينهم ما كانوا يدعون و تبعهم الغالبية من المسلمين حتى اليوم ، وساعدهم ودفعهم في غيهم وضلالهم كثير ممن يديرون دفة الأمور في الدنيا لصالح أهوائهم كالماسونية والمنظمات اليهودية القديمة والمعاصرة ليساهموا ويحافظوا على استمرار سقوط الإسلام كما سقطت من قبله اليهودية والمسيحية في مستنقعات التحريف والتزوير والضلال حتى فوجعنا بكثير مما يدرس في الأزهر من مناهج التشدد والضلال بل وبعضها يتشابه مع كتب الشرك في بنائه وأسلوب عرضه أدت في النهاية لخلق أجيال عديدة انحرف الكثيرون منهم في خضم الصوفية والوهابية والإخوان والشيعة والفرق المختلفة والمتنافرة والتي بلغ عددها أكثر من سبعين فرقة وجماعة .
أخيرا .. هل آن الأوان للأزهر أن ينفض عنه غبار الضلال والتزوير ويعيد للإسلام جلاله وبهائه المبني على العقل والتدبر والتفكر ، أم أننا حالمون وسوف تأخذ العزة بالإثم الغالبية من البشر كعاداتهم التاريخية وسنسمع أقوال الجاهلية تعيد صياغة نفسها بألسنة الأزهريين (وكذلك كان يفعل آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم) ، أم سيكون لهم في المعزول مرسي أسوة حسنة وعقاب الله له على تكراره قولة فرعون (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) ، وأخشى ما أخشاه على الأزهريين ألا يدركوا أن رياح التغيير قادمة وعاتية وقد تقتلع من يقف في طريقها غير مأسوف عليه .



