بقلم : د. شوكت المصري
عادةً ما تحتل مجموعةُ مشاهد سينمائية مكاناً رئيسياً في ذاكرتي وتبقى محفورةً فيها خالدةً ما بقيَتْ الذاكرةُ وبقيتُ، هذه المشاهد القليلة تتناثر هنا وهناك في حنايا العقل طاويةً على علاقةٍ شديدة الحساسية تربطني بالسينما؛ باعتبارها المشكّلَ الرئيسي لوعيي وإدراكي في مرحلةٍ سابقة، مرحلةٍ كنت أرى فيها نجوم السينما ليس كما يراهم الطفل "نعيم" (يوسف عثمان) بطل فيلم "بحب السيما" باعتبارهم ملائكةً، وإنما باعتبارهم أشد أشكال الواقع حضوراً، أناساً كما ينبغي أن يكون الناس، وبشراً كما ينبغي للبشرية أن تكون، ليس على رقعة هذه الشاشة البيضاء الكبيرة، وإنما بالأجدر هناك/ هنا خلف الكاميرات وبعيداً عن الأضواء والديكورات والتجسيد، أي حيث الواقع دونما رتوش أو مونتاج.
كنتُ ما أزال في الرابعة عشر من عمري حينما شاهدت لأول مرةٍ في التلفاز فيلم "بطل من ورق" للمبدع الفنان "ممدوح عبد العليم"، والذي جسّد فيه شخصية (رامي قشْوَع) هذا المبدع الريفي بلهجته المبهجة، والذي قرر النزوح إلى القاهرة ليصبح مؤلّفاً سينمائياً، باحثاً عن فرصةٍ ومساحةٍ للحضور في ازدحام هذه المدينة الموجع، والذي يبدو أنه أصبح علامةً من علامات فتنتها لا بؤسها، حيث اعتاد عليه ساكنوها وزوارها وأصبح سمةً غالبةً يعرفونها به.
لم أكن قد أدركت بعد فكرة علاقة الشخصيات بالسارد، التي تعدُّ تقنيةً من تقنيات السرد في النظرية السردية الحديثة، ولم أكن قد أدركت أيضاً ذلك الخروج الذي منحه مؤلف الفيلم "إبراهيم الجرواني" للشخصية "مجدي/سمير" (أحمد بدير)؛ ليجسد هذا الكاتب ببراعة ما قرأت عنه فيما بعد داخل نظرية السرد، حيث خروج الشخصية عن هيمنة السارد، والتي اجتهد كثيرٌ من النقاد في شرحها وتفنيدها، بينما قدمها الفيلم ببراعةٍ وبساطة عجز عنها كثيرٌ من الدارسين والنقاد. كما لم أكن قد قرأت بعد عبارة الناقد الفرنسي الشهير "رولان بارت" الشهيرة الموجزة، والتي يقول فيها "إن الشخصيات ما هي إلا كائنات من ورق"، والتي ربطت فيما بعد بين نصها وبين اسم هذا الفيلم "بطل من ورق"، والذي أخرجه المبدع "نادر جلال" وأنتجه "حسين القلا" عام 1988.
ويظل أحد المشاهد المؤثرة التي لم تُمحَ من ذاكرتي في هذا الفيلم، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية اللاذعة للموسيقار "حسن أبو السعود"، مشهدَ الضابط "صلاح قابيل" وهو يحثّ "المؤلّف/ رامي قشوَعْ" على تحقيق رغبة "المجرم/ مجدي" الذي سرق أوراق السيناريو وبدأ في تنفيذ قصة الفيلم الذي ألّفه "رامي" داخل الفيلم خارجاً عن سيطرته سارداً، حيث يتحلّق ضباط وأفراد المباحث حول "رامي" في غرفته البائسة التي يسكنها على سطوح إحدى العمارات، بعد تصنت المباحث على اتصال "مجدي/ سمير" (المجرم) هاتفياً بالمؤلِّف "رامي" وطلبه العاجل بأن يغير له نهاية الحكاية؛ لتصبح "حصول المجرم على فدية تبلغ 2 مليون جنيه وصعوده على طائرة مسافرة من مطار القاهرة تحلق به في السماء وتقول (ووووو) ثم تنزل كلمة النهاية وهو يفر بالأموال إلى الخارج ناجياً بحياته وفائزا بالثروة".
ها هنا يقرر "الضابط" ضرورة قيام "المؤلِّف" بما يطلبه منه "المجرم" حتى يتمكنون من القبض عليه متلبساً، إذ يوجه الضابط كلامه للمؤلف "قشوَع" قائلا: "عاوزك تنفذ كل اللي طلبه سمير منك، تكتب له النهاية اللي هو عاوزها وتمكننا في نفس الوقت من القبض عليه .. ما انت مؤلِّف وخيالك واسع .. اِكتِبْ .. ألّف" فيرد عليه المؤلف "قشوع" متسائلا: "والوحي؟!" فيباغته الضابط مباشرةً ودون تردد: "الوحي ينزل .. اِكتِبْ .. ألِّفْ" ثم يحمل الضابط مجموعةً من الأقلام ليطرحها أمام "رامي" المؤلف/ المبدع ضارباً بها بقوّة على الطاولة دافعاً إياه للكتابة، في إشارةٍ أنه لم يعد أمامه حُجّة للتلكؤ أو التقصير، فها هو الورق وها هي الأقلام وعلى الوحي أن ينزل حالا!!
هكذا ظل هذا المشهد العبقري بحوارِهِ المعبّر، بالنسبة لي على الأقل، قابعاً في أعماق الذاكرة، مجسداً علاقة السلطة بالإبداع ورؤيتها القاصرة إليه والعاجزة عن إدراك حقيقته، إنها تنظر إليه باعتباره "وظيفة" أو مُهمّة يؤديها المبدع، حتى ولو لم يكن مُناخها أو ظروفها ملائمين. وكلما نظرت في إدارة المؤسسات الثقافية وطريقة تعاملها مع المبدعين من أبنائها المنتمين إليها أو المرتبطين بها في لجان أو جوائز أو فعاليات، تذكرت على الفور مشهد "رامي قشوع" وهو ينظر بعيون مندهشة لوجه ممثل السلطة "الضابط أو المسئول"، وكأني به يسأله ويستفسر منه عن مفهومه عن الإبداع والابتكار والوحي الذي يجب أن ينزل بموجب الأوامر والتعليمات التي لا مجال لقبول المناقشة فيها مطلقاً.
إننا نحتاج بالفعل إلى رؤية جديدة في إدارة العمل الثقافي، خاصةً داخل المؤسسات الثقافية الحكومية، رؤية تنظر للمبدعين بما يستحقونه وما يليق بهم، لا على كونهم "أنفاراً" لدى "الخولي" الذي يوكل إليهم مهاماً يتحتم عليهم تنفيذها والانصياع لها وإلا خرجوا من جنة العناية والرعاية إلى جحيم الإقصاء والنبذ. إننا نحتاج بعد ثورتين فارقتين إلى كسر سياج "الحظيرة" التي يعتقد بعض المسئولين أنهم أحاطوا بها المبدعين ليجعلوا منهم تابعين خاضعين مُستأنَسين .. فالإبداع والتجديد نقيض الاتباع والتقليد، وبالإبداع وحده يستطيع المبدعون الأحرار تهيئة لوحات إرشادية تدل الجموع والجماهير إلى طريق "مصر الجديدة" التي نحلم بها ونستهدف بناءها .. "مصر الجديدة" التي كلما قصدتها لم أجد لوحةً إرشاديةً واحدة تدلني على المكان الذي أريد أو الطريق الذي يجب علي أن أسلكه لأصل إلى وجهتي؛ فأجدني دائما تائها فيها وعنها وَبِها .. بكل أسف !!



