بقلم : سهام ذهنى
تلتصق نظرة عينيك بإبرة رفيعة جدا تتحرك بها يد الطبيب فى اتجاه فمك المفتوح على أقصى اتساع له، ومع اقتراب ذلك السن المدبب للحقنة من الولوج إلى داخل فمك.. لا تملك أن تفعل شيئا سوى أن تضغط بجفنيك على عينيك عبر ظن غير صحيح منك بأن مثل هذه الحركة من الوارد أن تقلل شعورك بالوخز فى لثتك، أو ربما تظن عيناك أن عدم مواصلة النظر لحركة يد الطبيب بالإبرة من الممكن أن يقلل إحساسك بوجع وخز إبرة البنج الذى يعقبه شعور ببدايات لـ «تنميل» فى ذلك الجزء من اللثة الحاملة للضرس المسوس.
بعد أن مرت عيناى بهذه المقدمات الأولى لنزع السوس من الضروس ككل من جلس فى حضرة طبيب الأسنان للعلاج، توقف د.أحمد أمين الأستاذ بجامعة القاهرة عن مواصلة العمل فى علاج ضرسى ليعطى فرصة للبنج كى يأخذ مفعوله. فحاولت كمعظم المرضى أن أتسلى خلال لحظات الانتظار البطيئة بالنظر إلى ما يحيط بى فى الغرفة، فاطمأنت نفسى بنظافتها وبما تضمه من أجهزة متطورة وأدوات معقمة، وازداد اطمئنانى مع ذكرى لله الشافى المعافي، كما وقعت عينى على صورة الأشعة الخاصة بفمى المعروضة على شاشة كمبيوتر يستعين بها الطبيب فى عمله، التى أبدو فيها كالفك المفترس فضحكت بينى وبين نفسي. وبعد كل ذلك لم يكتمل «التنميل» المعبر عن اكتمال تأثير البنج، فوجدت نفسى أقضى بقية وقت الانتظار فى تأمل ما فهمته من الطبيب حول ما سيقوم بعمله فى ضرسى بناء على أن السوس عندما يتوغل داخل الضروس ويصل إلى العصب، فإن علاج العطب يتطلب نزع السوس وصولا إلى الجذور، ثم بعد التخلص من كل السوس يجب إدخال حشو من نوع جيد ليملأ المكان الذى صار خاليا فى الضرس كى لا تستولى عليه ميكروبات جديدة، وعقب الحشو يتم إعطاء المريض استراحة، ثم بعد مدة يجب ألا تكون طويلة لا بد من وضع «كراون» أو تاج أو رأس ليعود الضرس إلى عمله الأصلى بكفاءة. كنت من وحى هذا الشرح قد تأملت بينى وبين نفسى حول معاناتنا من سوس الفساد الذى توغل فى جذور مؤسسات الوطن، والذى كان علينا بالترتيب عقب الثورة فى يناير أن ننزع سوس الفساد بدقة من جذور الدولة العميقة، وأن يعقب هذا القيام باستبدال الفاسدين بثوريين مخلصين ليتم حشو الأماكن الخالية فى ضروس الدولة المعطوبة، بعدها وليس قبلها يتم تتويج هذا الإنجاز برأس للدولة.
قبل أن يستغرقنى المزيد من التأملات قام الدكتور أحمد أمين بتسليط نور الكشاف المتحرك فى اتجاهى إيذانا ببدء المعركة التى مر بها الكثيرون مثلي. تلك المعركة التى تقودها يد الطبيب مبدلا بين حين وآخر نوع السلاح الذى يحفر به داخل ضرسك، فى صحبة يد مساعدة الطبيب المتربصة بأدوات مختلفة تدخلها إلى فمك من الناحية الأخرى للمقعد الذى كانت منذ البداية قد بادرت هى بالضغط على أحد أزراره كى يتمدد جسدك وتتمكن أيديهما من السيطرة على محتويات فمك المفتوح خلال القضاء على السوس المتوغل بعمق داخل الضرس المصاب وصولا إلى العصب. إنها معركة تملؤك بالتوجس على الرغم من فقدانك للألم نتيجة لحقنة البنج، إلا أن الأسلحة التى تدخل إلى أرض المعركة للوصول إلى عصب الضرس والتى تخرج منها ويتم استبدالها بأخرى تجعل أعصابك كلها مترقبة ومشدودة، إلى أن يسكت صوت الأسلحة من ناحية الطبيب فيعقبه انسحاب أسلحة مساعدة الطبيب، وتتبع ذلك حركة من كف الطبيب أسفل فك المريض الذى يتلهف على إدراك أن تلك الحركة معناها إمكانية أن يحرك فكه إلى أعلى فى اتجاه إغلاق فمه الموجوع.
ويعود المريض إلى منزله. لا شيء معه، سوي، آآآآهات.•



