بقلم : د. شوكت المصري
"مخاصمني بقاله مدة وف ليلة الشوق ناداني .. كلمته سمعت حسه وقفلت السكة تاني .. إكمنه يا ناس واحشني وخصامه كمان حايشني .. كلمته سمعت حسه وقفلت السكة تاني" .. حينما غنت معبودة الجماهير "فاطمة أحمد شاكر" المولودة عام 1934 بحي الحلمية الجديدة بالقاهرة، والتي أطلق عليها "حلمي رفلة" اسمها الفنيّ "شــادية"، أغنيَتَها هذه، من كلمات الشاعر "عمر بطيشة" وألحان الموسيقار "محمد الموجي"؛ لم تكن الشركة المصرية للاتصالات قد أطلقت بعد خدمتها المعروفة بـ "إظهار رقم الطالب"، ولم يكن التطور قد أصاب العلاقات الإنسانية بالسطحية والتسارع، من خلال ما نعرفه اليوم من تكنولوجيات الجيل الثالث، أو أجهزة "الأندرويد"، ولا حتى مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها الموقع الشهير "Facebook".
كان الحبُّ نقيّا طازجاً ما يزال يحتفظ بقيمته وسِحْرِه، وكان العشّاق لا يزالون يكابدون لوازمَهُ وسوابقَهُ ولواحقه مستغرقين في التفاصيل كافة. ولذا كانت كلمات الأغاني ونصوص الشعراء تأتي مختمرَةً عميقةً على قدر التجارب التي يعايشونها. كان الحبُّ كغيره من المشاعر والأحاسيس يأتي مباغتاً وينضج بطيئاً على رمادٍ دافئ، ربما تذروه الرياح بغتةً فتنتهي الحكاية، وربما تأججه تيارات الهواء فتشتعل النيران في كل شيءٍ يحيط بقلبَين، بينما ينعمان وحيدَيْنِ مُتّحِدَيْنِ في جحيم فردوسهما الأعلى.
لم يكن الإنسان، وهو يطور التكنولوجيا حولَهُ، مُدركاً أنه يفقد قِيَماً بشريّةً ستحوّلُهُ إلى تابعٍ لآلاته التي صنعها ورقميته التي ثار بها في وجه بدائيته النقية وفطرته الحالمة. تحولت المشاعر وتغيرت الظروف المحيطة بالإنسان، أصبح العُشّاق مَـجََّانِيِّين في مشاعرهم وأحاسيسهم، يتسارعون في إهدار مواقفهم عبر رسائل إلكترونية تخلو من ارتعاش أياديهم على ورقِ رسائلهم التي يفكرون في حِيِلِ إرسالها وتوصيلها لمعشوقيهم، أو عبرَ رسائل (sms) بالكاد يتكبدون فيها فَحَسب قروشاً زهيدة هي رسوم إرسالها التي تجني منها شركات المحمول العابرة للجنسيات ملايين طائلة.
أصبح العاشق يكتب (status : حالة) وينتظر تعليقاً سريعاً ممن قَصَدَتْ إليها حروفُه، أو على الأقل (like : إعجاب) ليتأكد أن رسالته نجحت في تحقيق بغيتها ووصلت إلى هدفها حيث الطرف الآخر من العلاقة، وإلا فيمكنه الاحتيال على هذا الإهمال المقصود بـ (mention: إشارة) يذكر فيها اسم محبوبِه بين أسماء أخرى؛ ظنا منه أنه أجاد تغليف قَصْدِيَتِهِ بغطاء الشيوع والعمومية.
وهكذا فَقَدَ الحبُّ قيمَتَه ومعناه تدريجياً ككل الأحاسيس والقِيَم والمشاعر الإنسانية، ليصبح الخصام (un friend) ويتحول الهجر والقطيعة إلى (block)، في خضم هذا الواقع الافتراضي والتواصل الجديد المُسمى بالـ "فيسبوك" وغيره من مواقع التعارف الاجتماعي المزدحمة بساكنيها وروّادها، بينما تهبط الحياة ببني الإنسان سُلَّمَ القِيَم من الأدنى إلى الأدنى، وهو مستغرقٌ في تكثيف عُزلَتِه عن ذاته وتفكيك روابطه بمجتمعه والآخرين، فصلةُ الرحم هي صورةُ العائلة التي تعلو الـحساب الشخصي (cover) أو المنشورة بـالـ "time line : اليوميات"، والحداد لوحةٌ سوداء يستبدلها صاحب الحساب بصورته الشخصية، والثورة .. حتى الثورة تحوّلت إلى كلماتٍ ملتهبة يناضل أصحابها في تأليفها ورَصْفِها فوق لوحات مفاتيح باردة يعابثونها وهم جالسون أمام شاشات كمبيوتراتهم المضيئة، خالين وفارغين –غالباً-من أية تجربةٍ فعليةٍ مباشرة لها خسائرها التي تتضاعف مئات المرات أمام المكاسب الضئيلة التي قد لا تأتي أبدا، أو قد ينعم بها سواهم على أفضل تقدير.
"خسرنا ولم يربح الحبُّ شيئاً" على حد تعبير الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.. سألتني أمي منذ أسابيع عن تهنئتي لشقيقتي الصغرى بمناسبة عيد ميلادها، فأخبَرْتُها أنني أرسلت لها تهنئةً على الـ (wall)، نَظَرَتْ لي أمي نظرةً ملؤها الدهشة والاستنكار متسائلةً: "بَسْ ؟!"، لم أجد رداً شافياً يُثلِجُ صدرها، فنحن في زمن الـ "فيسبوك" يا أمي .. وقد جِئْتِ من زمنٍ غير هذا، زمنٍ دافئٍ كانت "شادية" تتصل فيه بحبيبها الذي خاصمها منذ "مُدّة" لتسمع "حِسُّه" ثم تغلق :السِّكَّة تاني" مشاكِسَةً شقيّةً حالمة، ونحن الآن نتطور ونتقدم موغلين في التكنولوجيا والثورة الرقمية بعيداً عن براءتنا وفطرتنا بمئات الأميال والأميال.
لقد أصبحنا ويا للأسف معزولينَ عنا بنا، واعتزلتنا "شاديةُ" أيضاً منذ سنواتٍ وسنوات، اعتزلتنا وقررت الاختلاء بنفسها هناك بعيداً عن الأضواء والزحام والشهرة والعوالم الافتراضية المصنوعة، هناك حيث "المدينة المنورة" التي سكنتها منذ سنوات ناهلةً من الحب الذي تعرفُ قيمَتَه وقدرَه وسُموَّهُ، هناك .. حيث تعلو بالحب وحده فوق هذه الأرض البائسة، الحب الذي حملَتْه إلينا بصوتُها وملامحها زمناً لا ينمحي، وهاهي كانت وما تزال تعرُج به وإليه راضيةً مطمئنةً لتمسّ بأناملها وروحها الشفافة حدودَ السماء.



