الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

     "يُحكى أن رجلاً كان يسير في غابةٍ فوجد دَيْسماً (دبا صغيراً) يصارع أفعى كبيرة، فأخذ حجراً ونزل به على رأس الأفعى فقتلها وأنقذ الدب، فحمل له الدب الصغير جميلَهُ وصحبَهُ زمناً، وكان الناسُ يحذرون الرجل من صحبة الدب لأنه متقلب المزاج ولا يميّز في تصرفاته خاصةً إذا جاع، لكن الرجلَ رفض النصائح واستمر في صحبة دُبّهِ الذي كبُرَ حجمه ووزنه. وذات يوم كان الرجُلُ نائماً تحت شجرةٍ متعباً من الصيد الذي كان يوفر به طعامه وطعام دُبّه، فرأى الدبُّ ذُبابةً كبيرةً تدور فوقَ رأس صاحبه، فخافَ أن توقظه الذبابةُ وتقض مضجعه وراحَتَه، وتذكّر إنقاذ الرجلِ له وهو صغير ضعيف، فالتقطَ حجراً كبيراً وهوى به على الذبابةِ التي كانت تقف على رأسِ صاحبِه متعمداً قتلَها والتخلص منها، ماتت الذبابةُ دون شك لكن الدب هشّمَ رأس صاحبه وقتَلَه هو أيضاً حينما ظنّ أنه يحميه دون أن يدري".

       كنا صغاراً وكانوا يحكون لنا هذه القصّة فنظنها ضرباً من الخيال، حتى كَبرنا ورأينا دببةً يقتلون صاحبهم قتلاً بطيئاً ممنهجاً في كل محفلٍ ومجال، إعلاميون ورجال دولة وبرلمانيون سابقون، مجموعةٌ من المدّعين الفَسَدَة الذين ظنوا أنهم يدافعون عن الرئيس عبد الفتاح السيسي فإذا بهم يُفقِدونه يوماً تلو الآخر رصيدَهُ لدى شعبه الذي اختاره باقتناع، بعد أن أذاق الإخوان هذا الشعب في عامٍ واحد ويلات وويلات تساوي أو تفوق ما أذاقهم إياه نظام مبارك من ويلات ولعنات.. "أحمد موسى" و"توفيق عكاشة" و"مرتضى منصور" و"مصطفى بكري" و"أحمد عز" وغيرهم كثيرون وكثيرون، أجادوا النفاق وأوغلوا في سبل الفساد قولاً وفعلاً ونيّةً، ظنّاً منهم أنهم حراسُ الثورةٍ والمدافعين عن شخص الرئيس وعن الدولة المصرية ضد أعدائها الذين يلخصون تسميتهم تحت عنوان "خونة يناير" أو "مؤامرة يناير"!!

       إن هؤلاء المرائين كهنة المعبد وصُنّاع الفرعون وهم يقدحون في 25 يناير يقدمون للإخوان طوق نجاةٍ كبير ويلعبون لصالحهم قصداً ودونما أدنى شك، فالإخوان يريدونها هكذا 25 يناير في مواجهة 30 يونيو، الإخوان يزعمون أنهم يدافعون عن يناير وأنها ملكهم، وهي منهم بَرَاء، وتصريحاتهم قبلها تؤكد ذلك؛ وإن حاولوا تبريرها بالتوائهم المعهود الذي رباهم عليه بنّاهم الساعاتي،  وكلما أوغلَ المدعو "أحمد موسى" وأشباهه في سب ثورة يناير العظيمة، كلما وضع حجراً جديداً في قلعة الإخوان العفنة التي يحاولون سَجنَ ثورة يناير خلف جدرانها السوداء. بينما الثوار الحقيقيون هم من دفعوا ثمن ثورتهم الأولى النقيّة من الإخوان ضد فساد نظام مبارك، الذي كان الإخوان والتيارات المتأسلمة قاعدةَ هرمه الأساسية بصفقات مشبوهة على المستويين السياسي والاقتصادي بل والاجتماعي أيضاً: (صفقة الـ 88 مقعد التي اعترف بها في حواره مع الصحفي عادل حمودة د. محمد حبيب النائب السابق للمرشد) و (تغوّل رأس المال الإخواني القطرصهيوني بقيادة خيرت الشاطر وحسن مالك والسويركي وحازم صلاح أبو إسماعيل) و (نزيف قنوات الكذب المسمّاة دينية بريادة شيوخ الفتنة يعقوب وحسان والحويني وأيضا "المسكوت عن مجابهته وعن خطابه المتطرف" محمد سعيد رسلان).

       وقد دفع الثوار الحقيقيون أيضاً مرةً ثانية ضريبة وطنهم وبدؤوا في خلخلة قاعدة الهرم الفاسد لمدة عامين، بدايةً من صفقةٍ مشبوهة لتسليم السلطة للإخوان بدأت منذ 11 فبراير 2011، وحتى 30 يونيو، التي كانت موجة أو ثورة أو متممة ليناير (سموها كما تشاؤون). كان الشيخ عماد عفت وجابر جيكا ومحمد الجندي والحسيني أبو ضيف ومن خلفهم مئات الشهداء وآلاف الثوار هم وقود الثورة المصرية التي خلصت العالم العربي من شبح سقوط مصر في يد الداعشيين والمتمسلفين والإخوان.

كان ثوار يناير هم (الحَجَر) الذي ضربَ به الرئيس السيسي رأس الأفعى الإخوانية. والآن يخرج علينا أشباه الرجال وليسوا بالرجال ليضعوا أكاليل الغار فوق رأس الرئيس بينما هم يجأرون في أذنيه زوراً وبهتانا بأن يناير مؤامرة، في الوقت الذي يتحلق فيه أرامل النظام المباركي حول هذه الأصوات النكراء مرددين من خلفهم عبارات التشفي والغلواء والعار، وفي الخلفية يبتسم الإخوان الكذابون بخبث وثقة لأن كل هذا الدوي الصاخب يصب في مصلحتهم ومصلحة سرقتهم الثورة وحديثهم باِسمها ظلماً وعدوانا.

       إن وجود هؤلاء المذكورين بعاليه على مسرح الأحداث اليومية المصرية لن يثمر إلا ضياع ثورة يناير/يونيو، وسيكفر الناس بثقتهم في الرئيس حينما يجدون "أحمد عز" وأشباهه ممن اتفقوا زمنا مع الإخوان واعتادوا الصفقات يترشحون لكراسي البرلمان، وحينما يجدون "حسين سالم" أو غيره يستكملون استثمارات النهب المنتظم لأموال المصريين، وسيكفرون دونما شك بأية كلمة ينطق بها الرئيس عندما يجدون "صبحي صالح ومحمد علي بشر" يتمتعان بحريتهما دون محاكمة حقيقية، بينما أموال الجماعة تتوغل وتتوحش عبر مدارس خاصة وتوكيلات تجارية واستثمارات لم يوقفها القضاء، ولم ولن تقع تحت طائلة القانون.

وبين مظاهراتٍ رخيصةٍ مُرَخَّصة تُمَجِّدُ النظام وتلعن يناير حاملةً صور مبارك "الفاسد"، ومظاهرات أخرى تمر أمام أعين وعلى مسامع الجميع حاملةً إشارات رابعة وصور "مرسي" الخائن، بين براءات نظام مبارك وتأجيلات محاكمة الإخوان (حتى إتمام صفقةٍ ما)، سنجد شباب الثورة يقبع داخل السجون ملعوناً عارياً إلا من حب وطنٍ كان يظنه سيستره، لأن القضاء المصري قرر فجأةً أن يطبّقَ قانوناً معيباً بحذافيره دون رأفةٍ أو هوادة على هؤلاء المحبين العُزّل. ولا تحدثوني رجاءً عمّن سماهم الإعلام بـ "رموز الثورة" فأنا وكثيرون غيري لا نعترف بهؤلاء، وأغلبهم (إلا من رحم ربي) إن لم يكن صنيعة الإعلام والفضائيات، فهو وللأسف صنيعة أجهزة استخباراتية أو جهاتٍ مشبوهة، ومعظمهم لم يكونوا بيننا في ميدانٍ يوماً ما، اللهم إلا ليكونوا نجوماً يتشدقون أمام الكاميرات أو فوق منصّات الادعاء الكاذب.

       إنني أتوجه إلى رئيس الجمهورية السيد عبد الفتاح السيسي بطلب إلغاء قانون التظاهر الفاسد فوراً، والإفراج عن المحاكمين كافة في تهم ملفقة، وتعجيل إجراءات التقاضي ضد مبارك ومرسي ونظاميهما، ومحاكمة كل من يتعرض لثورة 25 يناير أو 30 يونيو بالتشويه أو التجريح نظراً لمخالفتهم الدستور وبحسم، وإلا فإن الذباب يطن والدببة تحمل أحجارها التي لن تهشّمَ هذه المرة إلا رأس مصر نفسها، ولن يستطيع حينها كائنٌ من كان وقفَ نزيفٍ هادر قد يودي بحياةِ وطنٍ محاصرٍ من كل الجهات بينما يكابدُ تضميدَ جراحه محاولاً الوقوف على قدميه بعد ثلاثةٍ وثلاثين عاماً من المعاناة والقهر والاستبداد.     

تم نسخ الرابط