الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

الإنسان بطبعه مخلوق هلوع جزوع يفزع لأي مؤثر خارجي أو حتى داخلي من نفسه فضلا عن كونه ظلوم لنفسه بتحميلها ما لا تطيقه وجهول بحقائق الخلق والعلوم فيتورط دوما فيما لا قبل له به ، وهو ما نراه بوضوح في مراحل نمو أطفالنا ، ومقارنة بحجم علوم الكون والخلق فإن ابن آدم مهما كبر سنه وازداد علمه فلا يزيد حاله عن حال الطفل وهو يحاول أن يثبت وجوده وكيانه ، ولكن كلما تقدم به العمر فلابد وأن يكون أكثر سيطرة على مظاهر سلوكياته ليصبح متزنا مع بوادر سن الرشد في الأربعين من عمره ، وأكثر استقرار نفسيا كلما سيطر على بواطن عقله وتفكيره وهو ما نسميه مجازا بالحكمة والتي هي في الأصل هبة من الله تعالى يمنحها لمن يسعى إليها ويستحقها .

 

ولا شك أن طلب العلم والاستزادة منه تورث دماثة مظاهر الأخلاق فإذا كان العلم أصيلا في النفس وأصبح من مستلزماتها الدائمة تحولت المظاهر لحقيقة أخلاقية في النفس فتضفي عليها بوادر الحكمة التي تتأصل بهبة من الله كمكافأة على جده واجتهاده فيصبح ابن آدم حكيما ، وهو ما يقرره الخالق سبحانه وتعالى بقوله  {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، فالحكمة هي أحد هبات الله تعالى يؤتيها من يشاء تماما مثل الملك فالإثنان هما هبة لا تدركا بالجد والسعي لهما فقط بل هما هبات من الله مكتوبة ومحددة لبعض الخلق ولكن الله يفضل الحكمة على الملك بقوله تعالى  .. فمن يؤت الحكمة .. فقد أوتي خيرا كثيرا .

 

ورغم أن أدعياء الحكمة في الدنيا كثرة لا حصر لها إلا أن الحكماء في الدنيا دوما قلة نادرة ، فلا يهب الله الحكمة إلا لمن يستحقها لتكون له عونا يساعده في أداء المهمة التي خلقه الله لها في الدنيا حيث أن لكل منا أجل مرتبط بإنجاز المهمة التي خلقه الله من أجلها في إطار مهمة البشر جميعا كخلفاء لله على أرضه ليعمروها بإذنه وعلمه ، ولذلك منح الله الحكمة لرسله وأنبيائه لتعينهم على النهوض بمتطلبات تكليفاتهم ، وقد جاء رسول الله وهو خاتم الأنبياء والمرسلين استجابة لدعاء من أبو الأنبياء إبراهيم بقوله {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }البقرة129، وبهذه الاستجابة أصبحت (الحكمة) علما متداولا يعلمه نبي الرحمة لأتباعه من بعده بعدما كانت عبر التاريخ حكرا على الأنبياء والرسل ، ومن ضرورات الحكمة بالقطع أن نذكر بأن كل أبناء إبراهيم وأتباعه من الديانات الثلاثة المتتالية هم في عرف الله وعلمه من المسلمين فإبراهيم هو من سمانا المسلمين من قبل كما يقول لنا رب العزة  {... مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }الحج78 ، وليس كما يدعي المتطرفون والمتشددون والمضللون والحمقى من كل اتجاه وملة .

 

والحكمة لها أركان رئيسية ولها مواصفات نعرفها فيمن يوصف بها ولها أنواع فرعية تنتهي بالأصل وهو قمة الحكمة المستمدة من الحكيم الخبير ، وأركان الحكمة هي القواعد الرئيسية التي يستمد منها صاحبها حكمته وهي ثلاثة أركان رئيسية ، وأول الأركان هو العلم .. فلا حكمة بلا علم قوي الأساس وعظيم القيمة والفائدة ولذلك بدأ الله أول خطوات العلم مع رسوله بأمر هو اقرأ وجعل كتابه القرآن كتاب علم معجز مليء بالعلم عن كل شسء خلقه سبحانه في الدنيا والكون ، والعلم هنا بالقطع ليس العلم الشرعي أو علوم الفروض والحدود فقط فتلك العلوم كما وضحها القرآن العظيم لا تتعدى أكثر من (1%) من حجم علوم الله في خلقه وكونه ومن لا يصدق فليراجع عدد آيات الحدود والفروض ليجدها أقل من نصف آيات خلق النفس البشرية ومواصفاتها ولذلك فكل شيء خلقه الله له علومه وكلها علوم الله في كونه وخلقه . وكلما ازداد علم ابن آدم في شيء ازدادت قدور الحكمة في يقينه وعقله حتى نرى ملحدا يعلن إسلامه لمجرد اكتشافه أثر قول بسم الله الرحمن الرحيم على إعادة ترتيب جزيئات الماء والفارق بينها وبين ماء زمزم .

 

وثاني الأركان الرئيسية للحكمة هو المصداقية والتي لا تتحقق إلا بثلاثة أنواع من الصدق ، وأولها هو الصدق المتبادل بين صاحب الحكمة وبين ربه ، ثم بينه وبين نفسه ، ثم أخيرا بينه وبين ومن يتلقى عنه الحكمة ، ولو صدق العالم مع نفسه فحتما سيصل يوما للمصداقية مع الله حتى ولو كان ملحدا ، والمصداقية تبنى على صدق الحكيم وثقة المتلقي في صدقه حتى وإن اختلف معه وعاداه وهو ما كان عليه أهل مكة جميعا في ثقتهم في صدق رسول الله من قبل البعثة ، وبدون الصدق بين العبد وربه وبينه وبين نفسه فلا مصداقية تستمر ولا قدرة على تأصيل الحكمة في النفس وبالتالي لا استمرارية لمصداقيته مع المتلقي الذي سرعان ما يفقد القدرة على تصديق المدعي لها سواء بالإحياي بالكذب والخداع أو بدلائل الكذب التي تتضح تباعا على المدعي .

 

وثالث الأركان الرئيسية للحكمة هو اليقين وهو درجة عالية من الثقة يمنحها الله لمن يهبه الحكمة فيما يقوله ويفعله ويبنى هذا اليقين في نفوس الحكماء بكثير من العوامل أبرزها العلم ويؤيدها ويرسخ لها في النفوس يقين من الله يقذفه في قلب الحكيم وهو ما أكده رب العزة في قلب خاتم رسله برحلة الإسراء والمعراج (لنريه من آياتنا) ، ولا يمكن أن ندعي أن اليقين قد سقط بانتهاء الرسالة فالله يهب الحكمة لمن يشاء وكيفما يشاء .

 

أما مواصفات الحكيم الأساسية التي يعرف بها بين الناس وتكون أساسا للمصداقية بينه وبينهم فهي سبعة أركان رئيسية والتي لم تكتمل يوما لبشر إلا الرسل والأنبياء ويمكننا أن ندعي أنها لم تكتمل لبشر مطلقا من قبل سوى لرسول المسلمين محمد صلوات رب وسلامه عليه حتى أصبح دون منازع أعظم من ترك أثره في البشرية فلم يستطع حتى الكافرون به أن ينكروا تصدره لقائمة أعظم مائة رجل في التاريخ البشري بلا منازع .

 

هذه المواصفات السبعة ربما يجد كل منا بعضا منها في نفسه وربما نجد منها الكثير في شخص بعينه وربما تتواجد معظمها في أشخاص بعينهم يخقيهم الله في عباده ولا يكشف عنهم إلا بتوقيت محدد حين يكون لهم مهام قد جاء موعدها وربما يموتون قبل الكشف عنهم لتصبح ذكراهم نبراسا للحكمة ولروادها والمتتبعين لها ولنا لقاء آخر لتناول هذه الصفات تفصيلا ...

 

 

تم نسخ الرابط