بقلم : د. شوكت المصري
"نعم .. صبيٌ من الذين حُكِمَ عليهم أن يكونوا ضمن ركاب أتوبيس الموت .. رأيتُ فيه المستقبلَ الذي يحملُ لنا طوقَ نجاةٍ حقيقي .. رأيتُنا نسحَقُهُ دون أن يهتَزَّ لنا جَفْن .. نقتُلُهُ ونحن متصورون أن هذه هي طبائعُ الأمور .. إن هذه جريمةٌ كبرى لابُدَّ أن يُحاسَبَ من تسبَّبَ فيها .. إنني لا أطلُبُ سوى محاسبةِ المسئولينَ الحقيقيينَ عن قتلِ عشرينَ تلميذًا لم يجنوا شيئا سوى أنهم أبناؤنا .. أبناءُ العجزِ والإهمالِ والتردي .. كلُّنا فاسدون .. كلُّنا فاسدون .. لا أستثني أحدًا .. حتى بالصمتِ العاجِزِ الموافِقِ قليلِ الحيلة".
لا أحد ينسى كلماتِ هذِهِ المرافعةِ التي ألقاها "مصطفى خلف المحامي" الذي جسّدَ دورَهُ العبقريُّ الأسمر أحمد زكي، وهو يقفُ أمامَ هيئةِ المحكمةِ بظهرٍ مُنحَنٍ أثقلَتْهُ الهموم، ووجهٍ مَلأته الخطوبُ تجاعيدَ وهالات سوداء، وشعرٍ مُهوَّش تكادُ تلمَحُ مشيباً يزحفُ إليهِ من هولِ الفَزَعِ وفداحةِ الظُلمِ وقسوةِ اللامبالاة والإهمال والاستبداد. كان فيلم "ضد الحكومة"، ولما يزل بعد، واحداً من الأفلام الخالدة في تاريخ السينما العربية المعاصرة، أخرَجَهُ خالدُ الذِكرِ المبدعُ "عاطف الطيب" عام 1992، وكَتَبَ قصَّتَهُ (المأخوذة عن فاجعةٍ فادحةٍ أضحت متكررةً) الراحلُ المبدعُ "وجيه أبو ذكري" والد السيناريست "كاملة أبو ذكري"، وكتبَ حوارَهُ والسيناريو المبدعُ "بشير الديك" المولود بالقاهرة عام 1944.
رَحَلَ العظماءُ الثلاثَةُ وأمَدَّ اللهُ في عُمْرِ الرابعِ "بشير الديك"؛ حتى يشهَدَ كلماتِ مرافعتِهِ وهي تتجدَدُ حينًا بعد الآخَرِ فلا تجدُ لها أُذُنًا صاغيةً، لا في القضاء ولا في الحكومة ولا حتى في مؤسسة الرئاسة .. خمسون تلميذًا لقوا مصرعهم في فاجعة أسيوط بنوفمبر من العام 2012 أثناء حكم (المعزول غير المأسوف عليه) محمد مرسي، وفي نوفمبر أيضاً من العام الجاري ثمانيةَ عشرَ تلميذًا تحترقُ بهم حافلةٌ مدرسيةٌ في البحيرة وتتفحمُ جُثثهم، بينما وزير التربية والتعليم "حالته النفسية سيئة وما حبتش أزودها" (على حد تعبير دولة رئيس وزراء مِصر !!)، ومن قبلهم أربع عشرةَ طالبة جامعية تَلقين حتفَهُن على طريق الكوامل بسوهاج بسبب طُرُق لا تصلح حتى للاستخدام الحيواني، بينما رئيس هيئة الطرق والكباري يرى أن "تحسين الطُرُق سيؤدي إلى المزيد من الحوادث!!". ولا أدري من أية جبهة معارضة خفية جاء هؤلاء الوزراء والمسئولين إلى كراسيهم ليُسقِطوا الدولة في دوامة الكوارث التي لا تنتهي، وكأنما هم وزراءُ حكومةٍ "ضد الحكومة" ؟!!
وزير الداخلية الذي أُورِثْناهُ من حكومةِ "هشام قنديل" المشبوهة ليس لديه تصوّر عن تطوير منظومة الأمن وعقيدته، وفق خطة ممنهجة واستراتيجية واضحة على مستويين (قصير وطويل المدى)، اللهم إلا جباية المخالفات المرورية، وتكدير أمن المواطنين بلجان تفتيش تزيد من كارثة الازدحام المروري الذي قد يفاقم من خسائر أي عمل إرهابي لا قدر الله. تصرفاتٌ غير مسئولة بأقسام الشرطة وانتهاكات لا تنجح في وقف التفجيرات؛ وإنما تزيد حالة الاحتقان ضد ممارسات السلطة، وتُفقِدُ المواطنَ الشريفَ ثقتَهُ في أية تغيير مأمول. أزماتٌ متكررة وأفكارٌ ما تزال داخل الصندوق المباركي التقليدي، (لن أتحدث عن الصندوق الإخواني بأفكاره الداعشية الملعونة)، أزمةُ أنابيب غاز اعتادها المصريون مع دخولِ كلّ فصل شتاء، وإهمال بالمستشفيات وأقسام الطوارئ وارتفاع جنوني في الأسعار .. وما تزال سيناء تزيدُ من عزلتها وتبتعد عن جسد مصر كلّ ساعة أميالاً وأميالاً جديدة .. وكأنّ ثورةً لم تقم وكأن نظاماً لم يسقط ؟!!
وبينما يحدث كلّ هذا نجد المسئولين الحكوميين يعلِّقونَ فشلهم وأفكارَهُم البالية على شماعة الإرهاب والإخوان، وهي الشماعة ذاتها التي كانت تسمى "الفلول والحزب الوطني" حينما استولى الإخوان على السلطة في غفلةٍ من الثورة، وتحت ستار "نحمل الخير لمصر والإسلام هو الحل". وفي أَتُونِ ذلك تتأجل الانتخابات البرلمانية ويتوقف الوطن عن استكمال مؤسساته وخارطة طريقِهِ؛ لأن العجائز العَجَزَة ليس لديهم ما يقدمونه سوى ما قدموه قبلا لمبارك ومرسي، الذَين سقطَ نظاميهما في حركاتٍ احتجاجية تحولت إلى ثورات في ثلاثة أيام فقط (من 25 إلى 28 يناير، ومن 30 يونيو إلى 3 يوليو)، كما سقط من قبلهما الملك فاروق عن عرشه أيضاً في ثلاثة أيام (من 23 يوليو إلى 26 يوليو) قبل إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18 يوليو عام 1953.
إننا أمام كوارث متكررة، ربما تطيح بالدولة المصرية وتدخل بالوطن إلى دوامةٍ مظلمة، ولن يكتفي الشعب بإقالة هذه الحكومة عاجلاً بل تجب محاسبة ومساءلة المتورطين وملاحقتهم قضائياً، قبل أن يستغل أعداءُ مصر في الداخل والخارج (وهُمْ كثيرٌ متربص) ما يحدث من إهمالٍ مُتعَمَّد لصالح النَيْل من مصر وشعبها واستقرارها. ولا أدري ماذا ينتظر رئيس الجمهورية من حكومة المهندس محلب بعد ما يحدث من فجائع يومية، وكيف يأمن أو يأمن الشعب أن تُشرِف مثل هذه الحكومة على انتخابات برلمانية قادمة، بينما تعجَزُ عن إدارة شئون يومية اعتيادية؛ إذ يجلس وزراؤها ومحافظوها على مقاعدهم الجلدية الفاخرة الدوّارة داخل مكاتبهم المُكَيَّفة الفارهة؟!
وأخيراً وليسَ آخراً إنني أردد خَلْفَ "مصطفى خَلَف المحامي" كلماتِهِ التي كتبها بشير الديك وألقاها بلسانه نيابةً عن شعبٍ مكلوم الراحل الفريد "أحمد زكي" في المشهد الأخير من فيلمه "ضد الحكومة" إذ يقول:
"كلُّ ما أطالبُ به أن نصلي جميعا صلاة واحدةً لله الواحد إله العدل.. الواحد الأحد القهار.. لستُ صاحبَ مصلحةٍ خاصة.. ولكن لديَّ علاقةٌ ومصلحةٌ في هذا البلد.. لديَّ مستقبلٌ هنا أريدُ أن أحمِيَه.. أنا لا أُدينُ أحداً بشكلٍ مُسبَق.. ولكنني أطالبُ المسئولين عن هذه الكوارث بالمثول أمامكم [أمام القضاء والشعب] فهل هذا كثير؟! أليسوا بشرا خطّائين مثلنا.. أليسوا قابلين للحساب والعقاب مثل باقي البشر؟! أنا ومعي المستقبل كله نلوذ بكم ونلجَأُ إليكم.. فأغيثونا.. أغيثونا.. والله الموفق".



