رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

تذاكرنا في المقالة السابقة أركان الحكمة في النفوس والتي إذا جمعها الله في نفس بشر أصبح حكيما له القدرة على إدراك وفهم تفصيلات ونتائج حركة الحياة بمختلف تنوعاتها والوصول للنتائج الحتمية دون عناء أو حيرة ، وقلنا أنها أركان ثلاثة ترتكز عليها الحكمة في النفوس وهي العلم والمصداقية واليقين فلا غنى للحكيم عن العلم والاستزادة منه في كل يوم بل ولحظة ، ودون صدقه مع نفسه ومع غيره فلن يتأتى له صدقه مع ربه والذي هو باب الحكمة الذي يطرقه فيفتح له الله فيه طريقا للحكمة فيدرك من اليقين ما يثبت به نفسه ويثري قدراته على فهم حقائق ناموس الخالق في خلقه ويستشف به اتجاهات حركة الحياة ومعانيها ونهاياتها المحتومة .

ويبقى من الحكمة أن نعرف مواصفات وعلامات الحكمة في خلق الله وكيف نفرق بين الحكيم ومدعي الحكمة وبين الحكيم المخلص لله والحكيم المسيء لاستخدام حكمته ، ثم أخيرا كيف نصل للحكمة ونرتقي في مداركها ، فالحكمة هي خير وأفضل ما يطلبه بشر على وجه الأرض لأنها تغنيه عن الوقوع في الأخطاء ومعاقرة التجارب الفاشلة أو الخسارة والندم والألم ما بين الجبن والتهور .

ومواصفات الحكيم أو علاماته يمكن أن تكون متعددة وكثيرة ولكن هناك دوما مواصفات رئيسية لو اختفى أحدها اختلت الحكمة في النفوس وهذه المواصفات الرئيسية سبعة ، وأولها العلم حيث لابد للحكيم أن يكون متفقها في علم من العلوم وقادرا على ربط علمه بمختلف العلوم الأخرى واستخدامها للرقي بمستويات علمه وقادر على إثراء علمه وتعليم غيره ما يعرفه من العلم

وثاني العلامات هي التواضع والتي من علاماتها هو صعوبة تورط النفس الحكيمة في غرور أو كبر أو تباهي بعلم فصاحب العلم الصادق المتمكن من علمه لا يحتاج للتباهي ولا للكبر أو الاغترار بعلم هو يعلم بتدبره وتبحره في هذا العلوم أنه لا يعلم إلا القليل ، ولا تلحظ على أسلوب حديثه أنه يعطيك إيحاء بأنه يقول شيئا مهما أو خطيرا بل تجد كلماته سهلة وبسيطة وتعبيراته هادئة ووقورة وفيها تواضع الثقة واليقين .

وثالث العلامات هي حسن الخلق وهي أعلى درجات الأخلاق ولا تدرك إلا بتأصل العلم في النفس الذي يربيها ويهدهدها ويشذب حدتها وهو ما نراه فارقا بين جاهل ومتعلم ومرتقي في العلم من أسلوب التعامل والحديث وإن كان هذا لا يتعارض مع طبائع بعض النفوس الحادة والساخنة بطبيعة خلقها وهو ما لابد الانتباه له جيدا عن الحكم على النفوس والبشر ، فعمر ابن الخطاب أوتي الكثير من الحكمة رغم أن ردود أفعاله كانت في معظمها ربما تكون حادة ويراها البعض عنيفة وهذا النوع بالذات تعرفه في الفارق الكبير ما بين حدته في الحق وخضوعه ورقته في المواقف الإنسانية أو عند تذكيره بأخطائه وحقوق الآخرين عليه .

ورابع العلامات هي الحياء .. والحياء هنا هو حياء الحكيم بما يجمع ثلاثية الحياء من حياء العلم وحياء الصدق وحياء اليقين بالله ، فالحكيم تجده من أكثر الناس حياء ولو ادعى غير ذلك كعادة معظم الحكماء وهو ما يجعل اكتشاف الحكماء بحق من الأمور الصعبة والتي لا ينالها إلا باحث دءوب أو شاء الله أن يعرفه الناس لمهمة يختاره الله لها في حركة حياة البشر والتي قد يدفع ثمنها حياته وسمعته في حياته وقد لا يعرف قيمته وحكمته إلا بعد موته وهو ما عرفناه كثيرا من تاريخ حياة الرسل والأنبياء وكثير من الحكماء عبر التاريخ .

خامس العلامات هي الوقار والهيبة .. دون منصب أو سلطة بين البشر وتلك التي قد تنتابك في معرض حياتك وتعاملاتك مع بعض الفقراء والمساكين من البشر فتجد صدفة في أحدهم هيبة تمنعك أن تستهين به أو تنظر إليه باستخفاف أو إهمال فالحكمة تفرض للنفوس وقار وهيبة لا تماثلها ما تفرضه السلطة أو المال أو القوة ، ولعل أبرز الأمثلة في تاريخ العرب والمسلمين ما كانت ترويه أقاصيص اليهود عن الوقار والهيبة في لقاءاتهم بمحمد رسول المسلمين ، وما ترويه كتب التاريخ عن هيبة ووقار عمر ابن الخطاب في عيون بطريرك بيت المقدس وهو يسلم له مفاتيح القدس ويومها كان عمر بن الخطاب قد وصل بيت المقدس بعباءة مرقعة ويجر حماره وقد ركب عليه غلامه الذي يخدمه ودخلها حافيا وقدماه غارقة في الطين وهو أمير المؤمنين وحاكم دولة تسيطر أكثر من نصف القارة الأسيوية في حينها .

وسادس العلامات هي الثبات والتي نجدها في الصلابة في مواجهة المواقف .. أو ما يسميه البعض بالصبر وعدم التهور أو الانزلاق لردود فعل تلقائية أو فطرية وهو ما تلحظه في سلوكيات بعض الناس التي تخالف ردود الأفعال العادية والتلقائية وتخالف أيضا ما نراه في وجوههم من انفعال مكبوت ومسيطر عليه عند محاولة البعض التجاوز معهم أو التعدي عليهم ، كما نراها في مواجهة المواقف العصيبة بابتسامة أو تعبيرات هادئة ووقورة تصاحبها قدرة على التصرف بعقلانية وصبر وتأني في اتخاذ قرارات أو ردود أفعال تجاه المواقف المختلفة ، وهو ما قد لا نكتشفه في حينه أحيانا بل يفاجئنا به صاحب الحكمة بفعل بعدها بديلا عن أقوال كنا ننتظرها منه في حينه .

وسابع العلامات هي .. المصداقية .. فلا يقول شيئا إلا ويعنيه ولا يقول شيئا يؤخذ عليه في أبواب سوء الخلق أو التعدي على أحد ، ورغم ذلك فهو يقول ما يفهم منه كل الحقائق ولو بإشارات وتعبيرات دون تصريح أو هجوم على أحد ، وربما يكون المقربون لصاحب الحكمة أكثر وأعرف الناس بمصداقيته والتي تتمثل في صدقه مع نفسه ومع غيره ومع ربه ولكن علاماتها تجعل غيرهم يدركون ذلك بيقين ولو بعد حين من التعامل معه .

فما بين العلم والتواضع وحسن الخلق والحياء والوقار والثبات والمصداقية تتكامل معالم الحكمة في صاحبها وتتفاوت قدور الحكمة في النفوس والأشخاص ، وخلاصة القول يمكن أن نقول أن كل بشر قد أتاه الله قدرا من الحكمة في اتجاه معين ومحدد وعلى قدر الحاجة له في مكانه وزمانه ظروفه ، ولكن ليس كل بشر يؤتيه الله أركان الحكمة وبالتالي فمن العسير تواجد كل مواصفات وعلامات الحكمة إلا في نبي أو رسول أو بعض نوادر الأشخاص بين البشر ، ولا شك أن سنوات العمر تضفي الكثير من الحكمة المتراكمة من حجم التجارب والمشاهدات في الدنيا وهي ما نعرفها جيدا في كثيرا من كبار السن .

وأخيرا لابد أن ندرك أن الحكمة هي أعلى مراتب العلم والمصداقية واليقين في معرفة وإدراك ناموس الله في خلقه وكونه وتراتيب ونتائج حركة الحياة للبشر عبر تاريخهم في الدنيا وتأثيراتها على المعاصر والقادم من حركة حياتهم في مستقبلهم ولا يدرك هذا ولا يتابعه إلا أصحاب العقول والقلوب الواعية والمتدبرة في خلق الله وكونه ، ولذلك صدق الله العظيم في قوله تعالى {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } البقرة269

 

 

 

تم نسخ الرابط