الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

"مَصري العربي" شابٌ نحيل القوام متوسّط الطول قمحي اللون، يرتدي نظارة تعكس ألوان إطارها الخارجي شقاوته وخفةَ ظلّه وحبّه للحياة والضَحِك، تشعر حينما تراه على شاشة السينما أنه واحدٌ من أصدقائك الذين تواعدهم كل مساءٍ على المقهى الذي يقع على أول شارعكم، لتتندرا سويا بحكاياتِ أيامكم وأزماتكم وأحلامكم المبعثرة فوق الأرصفة الواسعة أمام البنايات الشاهقة، تنتظران سويًا مباريات كرة القدم التي تحترق فيها أعصابكم مستهلكين كلَّ ما درستماه من فنون الحساب والرياضيات لفرضِ احتمالٍ وحيد لوصول المنتخب القومي إلى التصفيات النهائية بفارق الأهداف أو النقاط، لكن دون جدوى. أو كأنما هو واحدٌ من زملاء الجامعة الذين تبادلوا معك المذكّرات والملابس الشتوية ثم ذرعوا معك الطرقات وأرهقهم طول كشوف اللقاءات الشخصية منذ التخرّج؛ باحثينَ سويًا عن فرصةِ عملٍ تفتح باباً لمستقبلٍ مجهول، حيث لا سبيل.

 

إنه "أحمد محمد حلمي عوّاد" المولود بمدينة "بنها" من أعمال محافظة "القليوبية" في 18 نوفمبر عام 1970، والذي تخرج من قسم الديكور بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1993، ليدخل قلوب الجماهير فجأةً من باب الطفولة الواسع الرقيق، حينما قدمت له الإعلامية "سناء منصور" فرصةَ ظهوره "مذيعاً" لا يظهر وجهه إلا نادراً، في برنامج من فكرته هو "لعب عيال"، بعد تجربةٍ تمثيليةٍ وحيدة سبقت هذا البرنامج، حيث ظهر في دورٍ صغير عامَ تخرّجه بمسلسل "ناس ولاد ناس" مع المبدع الكبير الراحل "كرم مطاوع".

و"على الحدود" وقف "أحمد حلمي" عام 1999 مع صديقه النجم الراحل "علاء ولي الدين (عبود) محاولاً تجريب خطوته الأولى نحو جماهيريّةٍ الكوميديا التي صعد إلى قمتها بكل ثقةٍ واقتدار في سنواتٍ قلائل، فارضاً وجوده وامتيازه المكلَّل ببساطة "(ميدو) ابن الحتّة" طالب "معهد اللاسلكي" رقيق الحال الذي يثير المشكلات كما يملأ الأجواء بهجةً في كل مكانٍ يحلّ به، والذي تأتيه البطولةُ طيّعةً دون أن يسعى إليها، كما كل أبناء جيله الذين ينتظرون فرصةً تحملها الصدفة، والصُدفة وحدها، ربما يصبحونَ شيئاً ذا صفة ولو لساعاتٍ معدودة من عمر الزمن.

 

لم يكن "حلمي" في بنيان "فريد شوقي" ولا فتوّة "أحمد السقا"؛ لتلتفت إليه حبيبته "نعمة (ياسمين عبد العزيز)" في "صايع بحر"، كما لم يكن في وسامة "رشدي أباظة" أو "أحمد عز"؛ لتعشقه "شيرين (ياسمين أيضاً)" في "زكي شان"، كان الشاب المصري البسيط بملابسه التي كأنما يشريها من الباعة الجائلين بشوارع وسط البلد، وشعره الذي يلمع بالـ "جِلْ" والكريمات الرخيصة، والذي يطيله محاولاً إخفاء صلعٍ يزحف ببطءٍ من أعلى رأسه، وذقنه التي لا يواظب على حلاقتها أبداً، فهو بالتأكيد لا يعملُ بإحدى الشركات الدولية بالقرية الذكية، ولا بإحدى المؤسسات الكبرى التي تفرض على موظفيها الحفاظ على مظهرهم الأنيق دائماً.

بل إنه لم يكن أبداً ذلك الـ "حسين فهمي" الذي يبرَعُ في إذابةِ حبيبته بعينيه الملوّنتين وقُبلته السينمائية المُثيرة، (لم أرَ "حلمي" يُقبِّلُ بطَلةً في أي فيلمٍ من أفلامه البالغة 25 فيلمًا)، لكن "حلمي" أدرَكَ مبكراً أنه يملك ما هو أجمل ليقدمه إلى معشوقته، إنه يُزيِّنُ قلبَها ببساتين السعادة والفرح، يربُتُ على كتفيها ويظللها بروحه الشفافة ونظراته البريئة المُعبّرة؛ يمسحُ دموعها التي ربما سكبتها على حبيبٍ سيئٍ تعشقُهُ ولا يستحقها، يصبرُ محتسبًا مرابطًا على ثغور حمايتها، محاولا لفت انتباهها إليه بكل وسيلةٍ، حتى يتربع وحيداً أوحدَ على عرش قلبها، إذ تنبُتُ على وجهها ابتسامةٌ يانعةٌ بوجوده، فيداومُ على رعايتها بخفة ظلّه ونقاء روحه وإخلاصه وصِدقِه.

لقد استطاع "أحمد حلمي" تحقيق المعادلة الأصعب في جماهيرية النجم الذي يظل منتمياً للسواد الأعظم من الشباب المصري، فحتى حينما فرضت وضعية الشخصية / البطل أن ينتمي لطبقة الأغنياء "المهندس حسن (آسف ع الإزعاج)" و "أحمد جلال (ألف مبروك)" و "رؤوف زكي (على جثتي)"؛ لم يجرح "حلمي" البسطاء أو يبتعد عنهم مُغرقاً في طبَقِيَّةٍ رأسماليةٍ فجّة، فقد ظلّت ملامحه التي تنتمي إلينا تهيمن ببساطتها على البعد الداخلي للشخصيات، حتى وإن أغرقت الأماكن والملابس والتفاصيل الأخرى كافة، عاكسةً مجتمعاً وبيئةً ينتمي إليها خمسة بالمائة على الأكثر من الشباب المصري. ليتولى "حلمي" وعن جدارة، بعد سنواتٍ من البطالة والبحث عن وظيفة -كما في "مطب صناعي"-منصبَ "رئيس مجلس إدارة" مؤسسة الكوميديا الجديدة.

منذ أسابيع عديدة امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي والمدوّنات بهجومٍ شرس على النجم "مصري العربي (عسل أسود)" الشهير بأحمد حلمي؛ لأن الأخبار المتواترة حملّتْ لمحبيه وعشاقه سفَرَهُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى تضع زوجته الفنانة "منى زكي" طفلهما الثاني "سليم" هناك؛ وبالتالي يحصل الطفل على الجنسية الأمريكية. ورأى المهتمّون أن "حلمي" يناقض ما انتقده في فيلمه الذي أبدعه كتابةً "خالد دياب" وأخرجه "خالد مرعي" 2010، بل ويتناقض و"تويتات" حلمي ومقالاته وتدويناته التي ناصَرت ثورة يناير المجيدة منذ نسختها الأولى وحتى نسختها الثانية في يونيو 2013.

 

لم يكن عشاق "حلمي" يعلمون أنه لمّا يزل بعد مستمسكًا بقطرة العسل الأسود الوحيدة التي نكابد معه لاستخلاصِ حلاوتها، لم يكونوا مدركين أنه ما يزال واحدا منهم ينتمي مثلهم لمجتمع مُستَهلِك أدمَتْهُ ثقافة الـ "تيك أواي" والمُعلّبات، وأرهقته المسرطنات ومطاردة الأحلام المُضنِيَة في "بلد معاندة نفسها .. كل حاجة وعكسها" على حد تعبير الشاعرة "نور عبدالله". فقد سَتَر "حلمي" أَلَمَهُ، وسافَرَ متدثرًا بأملِهِ، مُتَقَنِّعاً بانتظاره وزوجه لحياةٍ وروح جديدة قادمة، بينما هو يخضع رغماً عنه لسهام محبيه قبلَ مشارط جرّاحيه مكابداً مغترباً محاولاً الحفاظ على حياته وفرحتنا بوجوده.

 

كنتُ كلما سمعتُ قولَ رسولنا الكريم "تبسُّمُكَ في وجه أخيك صدَقَة"، أتساءلُ محدثًا نفسي: إذا كان هذا شأنُ من يتبَسَّمُ في وجه الآخرين، فكيفَ بمن يجتهدُ محاولاً وضع البسمة بيديه على شفاههم ووجوههم؟! إن "أحمد محمد حلمي عوّاد" واحدٌ من أولئك القلائل الذينَ جاهدوا من أجل الابتسامة، وشقوا طريقهم بكلِّ جدّيةٍ وثبات، موهبةٌ كانت عابرة، فأضحت مقيمةً بيننا بالتدريب والرعاية والمثابرة وحُسن الاختيار، عاشقٌ يشبهنا جميعاً، يحيط محبوبتَهُ بخفةِ ظلّه ودفء ملامحه، فتسكنُ طيّعةً أمانَ روحه العذبة، موقنةً أن شقاءَ العاشق بسعادة معشوقه هو أثمن الهدايا وأكبَر التضحيات التي يمكن أن يقدمها لها.

 

لقد أسعد "حلمي" قلوبنا لسنواتٍ وسنوات وبقدر ما أسعدَنا "حلمي" بقدر ما هو الآن في أمسّ الحاجة إلى دعواتنا القلبية له بالشفاء، حتى يعود إلينا مرةً أخرى غارساً السعادةَ داخل قلوب الملايين من محبيه. اِدعوا معي لأحمد حلمي بعاجل الشفاء .. اِدعوا معي للولد الشقي "ميدو-حنيرة-زكي شان- طارق-رضا هندي البنهاوي-رشدي أباظة-ميمي"، اِدعوا معي لحلمي الذي تولى وبجدارة منصبَ رئيس مجلس إدارة الكوميديا .. "يا رب وحياة حبيبك النبي خلي لنا "أحمد حلمي".     

تم نسخ الرابط