بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لم يعد يفاجئني مطلقا أن أكتشف انتماء أي شخص لجماعة الإخوان ، سواء كان عضوا عاملا أو كادرا ساكنا لا يكشف عن وجهه إلا في توقيته المرسوم أو حتى قوادا مستقطبا بثمنه في زخم الزمن المستقطع لمرسي وعصابته ، فقد أطلقهم مبارك لأكثر من ثلاثين سنة ليتوغلوا في المجتمع فكريا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ، سواء هذا بتنسيق مسبق وبرعاية المخابرات الأمريكية والغربية كما تقول معظم الشواهد والأدلة المسربة من الصندوق الأسود ووثائق ويلكوكس ، أو ربما كما يريد البعض أن نتوهم أن مبارك كان مجبرا ولا حول له ولا قوة وهو ما ترفضه أقل العقول وعيا وإدراكا لمجريات الأحداث فضلا عما نكتشفه كل يوم من مؤامرات تاريخية وحصرية ومعاصرة خاصة في الآونة الأخيرة .
ولم يعد غريبا على أحد تواجد العناصر الإخوانية المسيطرة على مفاصل هيئات ووزارات حساسة وتمارس تنفيذ مهام التفشيل والإفشال المتعمد في إطار القوانين واللوائح وببراعة استخدام ثغرات الالتزام والتمسك والوطنية مع كثيرا من الشعارات والإعلام الفردي والجماعي لإحداث ستارات الدخان إلي تعمي العيون وتصم الآذان وتعيد توجيه الأبصار بعيدا عما تمارسه تحت سمع وبصر ورعاية كل أجهزة الدولة الرقابية والتي يترأس أحدها صاحب ميول إخوانية مؤكدة بقضايا ومعروفة ، وحتى لو كنا قد لا نرى الصورة كاملة وبالتالي ما زلنا نلتزم حتى الآن بمجرد الثقة فيمن يديرون الأمور في مصر حاليا ، إلا أننا على أرض الواقع قد بدأنا نفقد زمام الصبر وتتحرك النفوس ملولة ومتشككة في قدرات الدولة على احتواء وتطهير مؤسساتها ، خاصة وأننا نتحدث عن أعلى مستويات السلطة التنفيذية من أصحاب القرار والمتحكمين في كثير من هيئاتنا وشركاتنا ومصانعنا وبعضها سيادية وخطيرة .
ولا ننكر مدى عتامة وضبابية الصورة نظرا لما تحويه من كوادر إخوانية تم تصعيدها ووضعها في مناصب حاكمة في عام الضباب مضافا لها كما غير قليل من بقايا الفلول من عناصر وكوادر تربت على موائد نظام مبارك وهم من تعلموا ومارسوا واحترفوا تطبيق نظام (ورك الفرخة) وكلا الفريقين يسيطرون حاليا على أكثر من 95% من المناصب العليا ومعظمهم بالقطع ما زال مصرا على تطبيق ما تعلمه واعتاده في ظل إحساس بالقلق المشوب بمتعة النهب بحرية دون متابعة أو رقابة مؤثرة .
ونظام (ورك الفرخة) هو نظام تاريخي عرف طريقه لمصر في أعقاب الانفتاح في أواخر السبعينات من القرن الماضي وهو عادة يبدأ بتحديد كوادر أصحاب مواهب شخصية تؤهل وتؤكد صلاحية الشخص أن يترقى خضوعا وخنوعا للتبعية في سلسلة الإدارة العليا وأول المؤهلات أن يكون طموحا بلا حدود ويمتلك نقاط ضعف خطيرة ومتمكنة من نفسه وكيانه والتي يمكن السيطرة عليه من خلالها أو ممن يرتكبون مخالفات ترقى لمستوى الجرائم ويمكن إخفائها واستخدامها للسيطرة عليهم بواسطتها لضمان حسن التوجيه ، ثم بعد ذلك يوضع في مكان تأهيلي يتعلم فيه أصول تطبيق وممارسة نظام (ورك الفرخة) والذي يقتضي قيام الكادر في موقعه باستخلاص السبوبة المحترمة دوريا وباحترافية متميزة ثم تقسيمها أنصبة محددة يحجز منها لنفسه ما يوازي (ورك الفرخة) ثم يضع باقي أنصبة الفرخة كاملة في جيوب من يعلوه كادرا أو بمعنى أدق من يسبقه في دائرة الفرخة المستديرة .
ولا شك .. أن قضايا هدايا وعطايا مؤسسة الأهرام ليست هي الحالة الوحيدة لنظام (دوائر ورك الفرخة) المسجلة بواسطة الأجهزة الرقابية ولكنها في الحقيقة هي ستارة دخان ونثرا للرماد في العيون في ظل حالة الزخم الثوري للقصاص من آل مبارك لطمس ما هو أشد وطئا وأفظع فحشا ، وهي لا تساوي أكثر من مسكن قوي يهدئ من حالة الرفض والثورة المجتمعية على الفساد ولكن هل يستطيع شخصا واحدا أمينا في أي وزارة أو هيئة مهما كان مستواها وأهميتها أن ينكر تفاقم واستفحال نظام ودوائر ورك الفرخة لدرجة البجاحة والوقاحة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة ، بل نجد مثالا متكررا في كل مكان لرئيس مجلس إدارة شركة تضاعفت خسائر شركته في عام واحد ، وعماله وموظفوه عاطلون بنسبة أكبر من (95%) ولكنه يسافر خارج البلاد في مأموريات مدفوعة وفاخرة ببدلات سفر كاملة أكثر من ثلاث مرات في العام بخلاف عمولات السبوبة التي يتحدث عنها القاصي والداني وكل هذا متابع ومسجل في تقارير جهاز المحاسبات ودون حتى مجرد العتاب أو التقويم من رئاسته ، بل بمنتهى الوطنية والضمير .. يجدد له تكرارا بعد الستين .. مكافأة له على تميزه وإبداعه في تقسيم الفرخة ، أو ربما عقابا لهذا الشعب أنه ثار ورفض الإخوان واختار السيسي وحدث ولا حرج .
وليتنا نستمع ونعي ما يصرخ به الغالبية العظمى من هذا الشعب المطحون والذي أرى أنه لا يستحق كل هذا رغم أنه وصمت وقبل وصبر على من لا يصح السكوت أو الصبر عليهم ، فهذا المواطن البسيط معذور ومغلوب على أمره حتى حين ، فهو من تحمل أكثر مما يحتمله غيره ، فهو إضافة لمؤمرات التفشيل وبطالته المتعمدة بوقاحة واحترافية سواء من المتأخونين أو أبطال ورك الفرخة متضافرين في منظومة فساد فوق المثالية ، فهذا المواطن أيضا ما زال مثقلا ورغم أنفه بهموم لقمة العيش ومجبر على سبوبة المرور وشاي المصالح الحكومية وتمغة الخدمات الشرطية وحلاوة المستشفى وتحية البيه المدير ثم بكل تنطع وفجاجة يفاجئك صباع أحد السادة المحترمين المحافظين لتموت كمدا وغيظا ، ولا أمل في تغيير حقيقي على أرض الواقع ، فقط لأن كل مسئولينا عادوا لنغمات (كله تمام) مع بذل المزيد من الجهد لإسكات الحقائق الموجعة وهو عندهم أهم من مواجهة الواقع مهما كان مؤلما وخطيرا .
مصر اليوم بكل بساطة كإنسان كان وما زال يعاني من سرطان الدم وفقدان المناعة التي أصابه بها نظام مبارك (ورك الفرخة) وقبل أن يفيق ويعالج مرضه المزمن أصابه سرطان العظام (الإخونة) بكل صوره وتداعياته ، والطبيب الذي يمتلك النوايا الحسنة ما زال لا يمتلك الترياق الساحر ولا يجد من يؤازره بصدق وأمانة حتى في أقرب المساعدين له سواء لضعف مستوياتهم الفكرية أو استقطابهم المخفي أو إصابتهم بأحد فيروسات ورك الفرخة التي تسري في دماء الكثيرين منهم في الخفاء أو حتى العلن دون حساب .
وبرغم حجم التفاؤل الكبير المصابة به نفسي وثقتي المطلقة في قدر الله وقضاءه وتقديره سبحانه وتعالى ، إلا أنني ما زالت تتخاطفني مخاوف كثيرة على مستقبل هذا الوطن وكأنني أستشعر الكثير من المفاجآت المتفجرة والقادمة بلا مقدمات في غضون الشهور القليلة القادمة على جميع الأصعدة والتي ربما قد وضح اتجاهاتها باستقالة تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي قبل موعد الهرتلة الأمريكية الغربية بأيدي الإخوان والعملاء وبعض رجال الأعمال الخونة في 28 نوفمبر المرتقب في ظل تحرك سريع ومحسوب للسيسي خارجيا مما يؤكد أن استقالة هيجل ليست بسبب داعش كما يدعون فوزير الدفاع الأمريكي لا يستقيل إلا لرفضه الانصياع لتنفيذ حملة عسكرية موسعة تمس شرف العسكرية واحترامه لنفسه وتاريخه مثلما استقال كولن باول من قبل اعتراضا على ضرب العراق خاصة في إطار أكاذيب قطر بحسن النوايا ، ومظاهر تحركات وتصريحات رموز الخيانة في الثورة المصرية والهاربين في أمريكا وأوروبا وتصاعد الخلافات والتهديدات لتقسيم شمال السودان بعد جنوبها ومفاجآت القبض على قيادات الإخوان التي ظنت أنها آمنة فتبجحت بوقاحة مع تسارع وتيرة ضبط شبكات الإرهاب وما تمتلكه من أسلحة ومتفجرات ومواد وإمكانيات بعضها مهرب أو مصنع محليا متزامنا مع تزايد حدود المنطقة العازلة وقطع أيدي حماس وعملاءها في سيناء والداخل ثم بوادر خسارة الإخوان الفادحة لمنصب الرئيس في تونس في ظل تحركات الغرب على الاتجاه المضاد مع الإصرار على أساليب الخداع الاستراتيجي على كافة الأصعدة في المنطقة .
ورغم تشابك الأمور وتعقيداتها وتداخلها حتى أن كثير منا يرى الموقف ضبابيا ولا ملامح محددة له ، إلا أننا قد نغفل أحيانا عن الانتباه للاتجاه الرئيسي للمسيرة كاملة ، وهي بلا شك أفضل بكثير ولا مقارنة بيننا وبين ما كانوا يخططونه ويضمرونه لنا من المصير المشابه لسوريا أو ليبيا أو العراق أو اليمن أو السودان ، فمن المؤكد أن الله تعالى قد شاء بنا خيرا وهو على ذلك قدير وأدعوه في علاه سبحانه أن يعين الأمناء والمستأمنين على هذا الوطن ليتخلص من كلا الفريقين (فلول ورك الفرخة والمتأخونين) والذين يرتعون فسادا في جسد هذه الأمة وكلي آمال مستبشرة أن تتحقق نبوءة أحد الإعلاميين ويحاسب كل من كسر كوبا منذ 30 يونيو .. ولو بعد حين .



